صور أقمار صناعية تكشف نقل إسرائيل «الخطّ الأصفر» إلى عمق أكبر داخل قطاع غزة

إزاحات لكتل العلامة الصفراء داخل غزة تثير ارتباكاً

تحليل صور أقمار صناعية أظهَر أن قوات إسرائيلية نقلت في عدة مواقع كتل خرسانية صفراء كانت تُستخدم لتحديد خط السيطرة بعد وقف إطلاق النار إلى داخل قطاع غزة، مما سبب ارتباكاً واسعاً بين السكان المحليين. الصور التي راجعها فريق تحقق تابِع لوسائل الإعلام تكشف أن القوات أعادت زيارة مواقع أُقيمت فيها هذه الكتل ونقَلت بعضها لاحقاً مسافات متعمقة داخل القطاع.

وفق الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة مع حركة حماس، التزمت إسرائيل بسحب قواتها إلى ما وراء خط مرسوم باللون الأصفر على خرائطها العسكرية، وقد ظهرت هذه الحدود مُمَيَّزة ميدانياً بكتل خرسانية صفراء. لكن وزارة الدفاع الإسرائيلية وحذر وزيرها سابقاً من أن أي عبور لذلك الخط «سيُقابل بالنار»، ومنذ ذلك الحين وقعت سلسلة من الحوادث المميتة حول هذا الخط.

في مناطق بيت لاهيا وجباليا والتفّاح، نقلت قوات الجيش الإسرائيلي مجموعات من الكتل ثم عادت ونقلتها إلى داخل غزة؛ وبحسب الفحص فقد نُقِلت 16 نقطة علامة في الإجمال. وفي حي التفّاح بغزة أظهرت الصور أن الجيش حرّك سبع كتل على الأقل بين 27 نوفمبر و25 ديسمبر، بمتوسط إزاحة يقارب 295 متراً إلى داخل القطاع. إلى جانب تلك التي نُقِلت، قام فريق التحقق برصد 205 علامات أخرى، وأكثر من نصفها وُضِع فعلاً أعمق بكثير من الخط المحدد على الخرائط.

الجيش الإسرائيلي نفى تلك الادعاءات مُعلناً رفضه «جميع المزاعم بأن الخط الأصفر نُقل أو أن قواته عبرته»، وأضاف أن عمله يقتصر على «تمييز بصري للخط الأصفر بحسب الظروف الميدانية والتقييمات التشغيلية الجارية».

تحليل صور الأقمار حتى 11 يناير يشير أيضاً إلى أن مقاطع من الخط الأصفر — الذي وصفه قائد الجيش الإسرائيلي بأنه «خط حدودي جديد» — ما تزال غير معلمة على الأرض بعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء وقف إطلاق النار. أحدث الصور تُظهر أن نحو عشرة كيلومترات من التراب لم تُوضع عليها كتل، مما يترك سكاناً كثيرين في حيرة من أمرهم حول بداية ما يسميه الجيش «منطقة قتال خطرة».

يقرأ  مكتب التحقيقات الفيدرالي يحبط مخططًا إرهابيًا ليلة رأس السنة في لوس أنجلوس وفقًا لمسؤولين

شهادات من ميدانيين توضّح آثار هذا الوضع؛ شاب في الثالثة والعشرين قرب خان يونس — تحفظ وسائل الإعلام اسمه لحمايته — قال إن الكتل نُقِلت فجأة إلى ما وراء الخط المرسوم، فوجد نفسه «محشوراً» بين مناطق محسوبة على جانبي الخط. وصف الليالي هناك بأنها مرعبة لسماع انفجارات واشتعال نيران وتقدم جنود وطلعات طائرات مسيّرة مستمرة، مع إطلاق نار مباشر أحياناً.

خبير أمني بريطاني مختص بشؤون الشرق الأوسط وصف تحريك الكتل بأنه «أداة للهندسة الإقليمية»، موضحاً أن الاحتفاظ بالحد القانوني على الخريطة مع فصل العلامات المادية ميدانياً بمئات الأمتار يسمح لإسرائيل بإعادة تحديد الأماكن التي يمكن للفلسطينيين أن يعيشوا فيها أو يزرعوا فيها من دون إعلان تغيير رسمي للحدود. من ناحية أخرى، اقترح مسؤول إسرائيلي سابق أن الخرائط قد لا تحسب عوائق طبيعية تعيق وضع العلامات، وأن مهندسي الجيش قد يضعون الكتل حيث «يجدون سهولة في التركيب».

سلسلة حوادث مميتة حول الخط الأصفر

منذ تحذير الوزير في أكتوبر، أظهر تحليل لمنشورات الجيش على تطبيق تليغرام وتصريحات للجيش أن القوات فتحت النار تجاه أناس عبَروا الخط الأصفر في ما لا يقل عن 69 مناسبة. في 19 ديسمبر، نفّذ الجيش ضربة على مدرسة كانت ملجأ للنازحين في حي التفّاح بغزة — على بعد نحو 330 متر داخل الجانب الفلسطيني بحسب خرائط الجيش — لكنها كانت على بعد امتار من كتلة صفراء نُقِلت إلى هناك. شهود عيان قالوا إن الضربة وقعت أثناء إقامة حفل زفاف قرب مبنى المدرسة، وأسفرت عن مقتل خمسة أشخاص من بينهم أطفال، وفق الدفاع المدني التابع لحركة حماس.

تصريح للجيش عن ذلك اليوم ذكر أنهم فتحوا النار على «أشخاص مشتبه فيهم» غرب الخط الأصفر، وأكد أن الحادثة قيد المراجعة وأنهم «يتأسفون لأي أذى لمدنيين غير متورطين». وفي حادث آخر قُتل شاب في السابعة عشرة من العمر، زاهر ناصر شامية، بالقرب من كتل صفراء في مخيم جباليا بشمال غزة؛ قال والده إن قوات أطلقت النار عليه ثم دهسه دبّابة في 10 ديسمبر. كما أفادت وسائل إعلام محلية في نوفمبر بمقتل طفلين (ثمانية وعشرة أو أحد عشر عاماً) أثناء جمعهما الحطب لوالدهما المعاق.

يقرأ  تحليل المشاعر: ثورة في التعليم المخصّص

رد الجيش في حالات متعددة أشار إلى أنه استهدف «مشتبهين» عبَروا الخط الأصفر وقاموا بأنشطة اعتُبرت مريبة واقتربوا من القوات، وأن وحداته تعاملت مع التهديدات وفق تقييماتها الأمنية. الهدم والتحصين عند الخط الأصفر

لم تُفصح الجهات المعنية عن تفاصيل تُبيّن كيفية تحديد هوية المشتبه بهما.

اتهم ناطق باسم جيش الدفاع الإسرائيلي مقاتلي حماس بإطلاق النار على القوات ستَّ مرات “خارج الخط الأصفر” خلال الأسبوع الماضي، وفق بيان لبي بي سي فيريفاي.

بينما وافقت إسرائيل على الانسحاب بقوتها خلف الخط الاصفر بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، أظهرت مقاطع فيديو وصور فضائية اطلعت عليها بي بي سي فيريفاي مرارًا تحرّك آليات للجيش الإسرائيلي أبعد من الخط المرسوم. في لقطات مُتحقّقة، بُيّنت ناقلات جند مدرعة وجرافات على بعد نحو 400 متر خلف خط التقسيم عند دوّار بني سهيلا في خان يونس، فيما بدا في صورة فضائية التُقطت في 25 ديسمبر وجود دبّابة وحفّارة وآليات أخرى على بعد نحو 260 مترًا خلف الخط في بيت لاهيا.

في بعض الحالات تلا تحريك الكتل الخرسانية هدم مبانٍ مجاورة على يد الجيش. تظهر صور فضائية في الجزء الشرقي من مدينة غزة أن مئات المباني سويت بالأرض حتى المواقع الأولى للكتل، بل وتجاوزتها في بعض الأحيان، ثم أعيد نقل العلامات فحلّت موجة جديدة من الدمار. وفي منطقة جباليا المجاورة هدمّت قوّات إسرائيلية سلسلة مبانٍ مدرسية كانت تقع على بُعد نحو 150 مترًا داخل الخط المرسوم.

أدى تراكم الركام في حالات الهدم إلى إخفاء العلامات من سكان القطاع على الأرض في مواضع عدّة. وقال ناطق باسم الجيش إن القوات تعمل على تفكيك شبكة أنفاق لحماس يمتد تحت مبانٍ على جانبي الخط الأصفر، مضيفًا أن تدمير الأنفاق “قد يتسبب في انهيار مبانٍ على كلا جانبي الخط”.

يقرأ  بعد أسبوع على وقف إطلاق النار — وصول المساعدات إلى غزة ما يزال يواجه عوائق إسرائيلية

في بيان أمس الأربعاء، أفادت الولايات المتحدة بأن المرحلة الثانية من صفقة وقف إطلاق النار مُقدَّر أن تبدأ، والتي يتوقع بموجبها أن تنسحب إسرائيل من مناطق إضافية من القطاع، لكن دون تحديد جدول زمني للانسحاب، وهو ما يرتبط بـ”نزع السلاح” عن حماس وفق اتفاق أكتوبر.

في أجزاء من القطاع وُضعت العلامات الخرسانية قبل وقت قصير من بدء إنشاء تحصينات إسرائيلية مؤقتة مثل حواجز طرق ووقوف دفاعية تتجاوز الخط المرسوم. قال كريغ لبي بي سي فيريفاي إن تحريك الكتل سيُمكّن في نهاية المطاف إسرائيل من تحويل أجزاء من غزة إلى “حزام مُعقّم”.

“عمليًّا، هذا يعني أن وضعية الأرض لم تعد مرتبطة بما تُشير إليه خريطة وقف إطلاق النار بقدر ما ترتبط بمكان وجود الكتل الخرسانية في يومٍ معيّن”، على حد قوله.

تغطية إضافية: مها الجمل

أضف تعليق