شكّ وأمل: ردّ غزة على «مجلس السلام» الذي اقترحه ترامب أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

غزة: السلام بعيد المنال

في مدينة غزة يبدو السلام — جسديًا ونفسيًا — شيئًا نادر الوجود. رغم وقف إطلاق النار المُعلن منذ 10 أكتوبر، تستمر إسرائيل في شن هجمات متقطعة؛ وقد قتل أكثر من 442 فلسطينيًا خلال الأشهر الثلاثة الماضية. الحياة اليومية في القطاع لا تشكلها الهجمات وحدها، بل يطغى عليها أيضًا الحصار والتهجير وشعور راسخ بأن ظروف العيش لن تتحسّن قريبًا.

أعلنت الولايات المتحدةت مؤخرًا عن انطلاق «المرحلة الثانية» من خطة وقف النار، التي تُعرَّف بالانتقال من التهدئة إلى نزع السلاح، وإدارة تكنوقراطية، وإعادة إعمار. وفق المبعوث الأمريكي، الهدف هو تشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية تُشرف عليها «مجلس سلام» دولي يتزعمه الرئيس الأمريكي السابق. على الورق تبدو الصيغة قابلة للتطبيق، لكن ردود فعل الفلسطينيين في غزة — مختلطة بين أمل حذر وتشاؤم عميق — تتغذى من تجربتهم القاسية منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023.

تقول أروى عاشور، صحفية وكاتبة من غزة: واقعنا اليومي مملوء بالحواجز والخوف والفقد والمخيمات وحالة إنسانية كارثية، والقرارات السياسية غالبًا ما تكون بعيدة عن هذه المعاناة، وحتى عندما تُتخذ خطوات لتخفيف المعاناة فإن سلطات الاحتلال تعيق تنفيذها. الناس يريدون استعادة حياتهم كما كانت قبل الحرب: مدارس ومستشفيات وسفر وحياة عادية. إن كان مجلس السلام قادرًا على حل هذه الأزمات فنحن نرحب، وإلا فما جدواه؟

هل سيُستبعد الفلسطينيون؟

بعد عامين من الحرب وأكثر من ثمانية عشر عامًا من حكم حماس للقطاع، ثمة رغبة واضحة في التغيير والمشاركة في صنع المستقبل، لا الاكتفاء بتلقي قرارات معدّة مسبقًا. النموذج المقترح يضم مكوّنًا فلسطينيًا: علي شعث سيترأس اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية لإدارة الشؤون اليومية، لكنها ستبقى تحت إشراف مجلس السلام الذي يقود مهامه دبلوماسيون دوليون مثل نيكولاي ملادينوف. يُنظر إلى ملادينوف كإداري وليست لديه بالضرورة القدرة على مواجهة إسرائيل وتمثيل مطالب أهل غزة بفعالية.

يقرأ  معلّم يتعرّض لهجوم بسكين داخل مدرسة في مدينة إيسن الألمانية

تؤكد مها حسينّي من مرصد حقوق الإنسان اليورـومد أن اتخاذ القرارات من دون مشاركة جادة لأولئك المتضررين يعيد إنتاج هياكل القوة التي مكّنت الاحتلال وجعلت من إعادة الإعمار أداة للسيطرة لا للاسترداد. استبعاد أهل غزة من صياغة مستقبلهم يسلبهم الوكالة ويحوّل الخطط إلى أدوات ضبط لا حلول.

العدل شرط أساسي

لا يمكن تجاهل مطلب العدالة بعد حرب أودت بحياة عشرات الآلاف — وفق تقديرات عدة وصلت الحصيلة إلى نحو 71,400 قتيل — وتسببت بتدمير مساحات واسعة. السلام لا يعني الصمت بعد القصف أو مجرد هدنة مؤقتة؛ فسلام غزة يعني الأمان والكرامة ووقف العقاب الجماعي، ومعناه أيضًا محاسبة المسؤولين وإعادة حقوق الضحايا وإقرار الحقيقة. من دون عدالة يبقى ما يُسمى «سلامًا» ترتيبًا مؤقتًا يحافظ على كل ما جرى من انتهاكات.

خيار الإذعان والواقعية

يرى المحلل السياسي أحمد فياض أن الفلسطينيين عمليًا أمام خيارات محدودة؛ لا يملكون رفاهية رفض نموذج ملادينوف ومجلس السلام لأن لا طرف — لا السلطة ولا بعض الدول العربية — يرغب في تعطيل الاتفاق. لكن ثمة عقبات واضحة: الانقسام الفلسطيني بين رام الله وحماس، ومسألة نزع سلاح حماس التي تعتبرها الولايات المتحدة وإسرائيل مسألة أساسية بينما تراها حماس شأنًا داخليًا، مما سيولّد توترات كبيرة. قد تشترط إسرائيل ربط نزع السلاح بفتح المعابر وإعادة الإعمار والاستثمارات في قطاعي التعليم والصحة، وكل ذلك مرهون بشروط أمنية إسرائيلية قد تعقّد التنفيذ وتطيل المدة.

تشكل هذه الشروط عبئًا إضافيًا على المدنيين الذين يتطلعون ببساطة إلى تحسن يومي لحياتهم: مأوى لائق بدل الخيام، خدمات صحية ولم تُنظم، وسبل معيشة مستقرة، في ظل انتشار الأمراض وانهيار الاقتصاد والحياة الاجتماعية.

العائق الإسرائيلي وتأثيره الحاسم

إعلان المرحلة الثانية، الذي كان يفترض أن يكون مؤشرًا على تقدم، يبدو بعيدًا عن واقع غزة المحسوس. كما تقول مها حسينّي، الخوف يفوق الأمل لدى كثيرين ليس لعدم وجود قدرة على التخيّل أو الصمود، بل لأن التاريخ علّمهم أن ما يُسمى «نقاط التحول» نادرًا ما تتحول إلى حماية حقيقية أو مساءلة. الأمل موجود لكنه هش ويتعرّض دوماً للتقويض بفعل غياب العدالة وقرارات تُفرض من الخارج.

يقرأ  وزير الخارجية الألماني فاديفول يزور إستونيا والدنمارك وفرنسا

والقوة الخارجية الأكثر تأثيرًا هنا هي إسرائيل: القوة التي قصفت غزة مرارًا على مدى سنوات، وتتحكم بالمنافذ والمجال الجوي والبحري، وتسعى — بحسب المحللين — إلى إبقاء غزة منطقة منزوعة السلاح بعيدًا عن أي حلول سياسية تضمن حق الفلسطينيين في تقرير المصير. إسرائيل تفضّل أن تظل اهتمامات سكان غزة مكرَّسة للمعاناة اليومية لا لصوغ حلول سياسية مستقبلية.

خلاصة القول، أن أي مشروع سلام أو إدارة جديدة سيقاس بمدى قدرته على إعادة الحياة اليومية لأهل غزة وتأمين العدالة والكرامة، وإشراك الفلسطينيين أنفسهم في كل خطوة من صنع المستقبل، وإلا فكل وعود الإدارة الدولية ستبقى واجهة لترتيبات لا تغير واقع الاحتلال والتحكم. واختتم بالقول: «إسرائيل لا تريد استقلالية في اتخاذ القرار في فلسطين».

واقع الحياة في غزه

النضال اليومي من أجل البقاء هو كل ما يشغل بال سامي بالوشة، مبرمج حاسوب يبلغ من العمر ثلاثين عاماً من مدينة غزة. لم يصف السلام عنده بأنه مجرد اتفاق سياسي يُبرم في غرف اجتماعات بعيدة، بل اعتبره أمناً مادياً وروتيناً يوميّاً.

«السلام بالنسبة لي أن تنام ليلاً وأنت مطمئن أنك ستستيقظ صباح الغد حيّاً، لا ميتاً؛ أن لا تنهض في منتصف الليل مذعوراً من صوت القصف»، قال. «أن تستيقظ صباحاً وتذهب إلى عملك وتكون واثقاً من أنك ستعود إلى بيتك سالماً، لا أن تدور حول نفسك مشتبهاً وخائفاً من ضربة مفاجئة».

قال انه نزح مع عائلته سبع عشرة مرة—تنقّلوا من مكان إلى آخر هرباً من الهجمات الإسرائيلية. الاضطراب النفسي خلال العامين الماضيين جعله يتوقف عن النظر إلى المستقبل، ويركّز بدلاً من ذلك على الحاضر القريب.

«الغد بعيد، ولا أملك سيطرة عليه. لا نستطيع تخيّل المستقبل القريب أو التخطيط له. علِقنا في هذه الحلقة منذ عامين، والواقع دائماً كان قاسياً وغير متوقّع»، أضاف.

يقرأ  دانيال شابو من موزمبيق:صوغ السلام «على طاولة التفاوض»أخبار سياسية

مثل كثيرين غيره، يشعر بالوشة بانفصال عن دوائر اتخاذ القرار الدولية. «هم لا يمتلكون فهماً عميقاً لاحتياجات الفلسطينيين في غزة. لا أظن أننا نُستمع إلينا بجدية»، قال.

لهذا السبب، لا يضع ثقة كبيرة في الحلول التي تُحاك لغزة، ويخشى أن يتحوّل هذا الرعب الراهن إلى واقع دائم. «أخشى أن تقبل الأجيال القادمة واقع العيش في قبر مفتوح، أن تُعتبر الخيمة منزلاً، وأن يكبر الأطفال من دون أن يعرفوا أيام غزة الجميلة. الناس يريدون نهاية هذا كله، أياً كان الحل وبغضّ النظر عن من يقدمه؛ المهم هو إنهاء هذه المعاناة بأي ثمن. الناس متعبون جداً، لكنهم يريدون الحياة.»

أضف تعليق