ما الذي تسعى إليه إسرائيل في صوماليلاند؟ أخبار السياسة

قرار إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند وتأثيره على التوتر مع الحوثيين

أواخر العام الماضي أعلنت إسرائيل عن قرارها الاعتراف بمناطق صوماليلاند كدولة مستقلة، خطوة أثارت غضبًا شديدًا من الحكومة الصومالية وادانات واسعة عبر العواصم الأفريقية والشرق أوسطية. جاءت ردود الفعل هذه متزامنة مع تحذيرات من أطراف مسلحة إقليمية تخشى من تحول الاعتراف إلى ذريعة لتوسّع وجود عسكري أجنبي في المنطقة.

تحذيرات الحوثيين وتصعيد الخطاب
حذر زعيم حركة أنصار الله (الحوثيين)، عبد الملك الحوثي، من أن الاعتراف يُنظر إليه بمثابة موقف عدائي، وأوضح أن أي تواجد إسرائيلي في صوماليلاند سيكون هدفًا عسكريًا مشروعًا. جاءت هذه التصريحات مدعومة بتصعيد لفظي وتهديدات متكررة تكرّس معادلة جديدة في ساحات المواجهة بالبحر الأحمر وخليج عدن.

زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي والاهتمام ببربيرة
تعززت المخاوف بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، جيدعون ساعار، إلى صوماليلاند مطلع الشهر الجاري، حيث شملت زيارته مدينة الميناء الاستراتيجية بربيرة. عقب الزيارة، أشار المسؤولون الإسرائيليون إلى أن التعاون الأمني كان على رأس جدول الأعمال، بينما أعربت سلطات هرجيسا عن انفتاحها على إمكانية وجود عسكري إسرائيلي في الإقليم — احتمال يضع إسرائيل مباشرة مقابل مناطق النفوذ الحوثي عبر خليج عدن.

بُعد الاستخبارات والاعتبارات الاستراتيجية
لم يخف قادة إسرائيليون بعد الإعلان ارتباط الخطوة بعدسة استخبارية واستراتيجية؛ فقد شكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علنًا مدير الموساد، في إشارة إلى البعد الاستخباراتي للمبادرة. محلّلون يرون أن توقيت الاعتراف يعكس قلقًا متزايدًا من التهديد الحوثي في جنوب البحر الأحمر، لا سيما بعد تبادل إطلاق النار بين الطرفين خلال الحرب على غزة، وحملات الحوثيين ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو مصالحها.

أهمية ميناء بربرة وموقع صوماليلاند
تكتسب مدينة بربرة أهمية خاصة كونها ميناءً عند مدخل البحر الأحمر على أحد أكثر ممرات الشحن ازدحامًا عالميًا، وعلى بعد يقارب 500 كيلومتر من مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن. تقارير معاهد أمنية إسرائيلية اعتبرت إقليم صوماليلاند بمثابة قاعدة متقدمة محتملة لمهمات متعددة: مراقبة نشاط الحوثيين وتسليحهم، وتقديم دعم لوجستي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وأيضًا كمنصة لعمليات مباشرة ضد الحوثيين.

يقرأ  الولايات المتحدة تقتل 14 شخصًا بضربات استهدفت أربع قوارب يُشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات

ردود فعل عسكرية واستراتيجية
على مدى العامين الماضيين استهدفت ضربات نسبت إليها إسرائيل بنية تحتية اقتصادية وعسكرية في اليمن، وقُتل قادة حوثيون، لكن مسؤولين إسرائيليين أشاروا إلى أن المجموعة تظل صعبة الردع. هذا الواقع دفع مؤسسات بحثية وعسكرية إسرائيلية إلى مطالبة بمراجعة شاملة لاستراتيجياتها الدفاعية والأمنية، في ضوء تغيّر طبيعة البيئة الأمنية الإقليمية.

تقييمات محلّلين ونتائج محتملة
يقول محلّلون مستقلون إن الحوثيين يشكّلون اليوم أهم ممثلين لمدّ النفوذ الإيراني في المنطقة الجنوبية للبحر الأحمر، ما يفسّر سعي إسرائيل إلى تأمين مواقع جغرافية جديدة والتعاون مع جهات غير تقليدية. وفي المقابل اعتبر بعض الخبراء أن صوماليلاند تحمل مخاطرة كبيرة بدخولها في هذا التحالف، لكن سلطات الإقليم راهنت على أن الاعتراف سيمنحها اختراقًا دبلوماسيًا يبرّر المخاطرة.

خاتمة: حالة من الضرورة والتحوّل الدبلوماسي
بالنسبة لصوماليلاند، جاء الدعم الإسرائيلي في وقت يعاني فيه الإقليم من هشاشة دبلوماسية وأمنية متزايدة، لا سيما بعد الهزيمة العسكرية في 2023 وخسارة مدينة لاس عنود ومحيطها أمام قوات معارضة للانفصال. الاعتراف الإسرائيلي قد يمثل طوق نجاة دبلوماسيًا لكنه يحمل معه تبعات أمنية وسياسية قد تجر المنطقة إلى مزيد من التصعيد والاحتكاك، مبدية أمام الجميع معادلة جديدة في البحر الأحمر وخليج عدن. تشكّلت إدارة جديدة في إطار النظام الفدرالي الصومالي، فيما تشهد العاصمة إقليمية حركية دبلوماسية متصاعدة.

وصل هذا الأسبوع عدد من كبار وزراء الحكومة الصومالية إلى المدينة، ويتوقع أن يقوم الرئيس بزيارة خلال عطلة نهاية الأسبوع. في المقابل، كثّفت الحكومة الفدرالية خلال العام الماضي ضغوطها على المنطقة عبر إجراءات متعلقة بالسيطرة على المجال الجوي، وتشديد قيود التأشيرات، وتنظيم حركة الموانئ، ما أثار إحساساً بعدم الارتياح في هرجيسا ورفع من وتيرة الاستعجال لاتخاذ مواقف واضحة.

يقرأ  من هو هيثم علي طباطبائي — المسؤول في حزب الله الذي قُتِل على يد إسرائيل؟أخبار: هجوم إسرائيل على لبنان

قال مصدر مقرب من حكومة صوماليلاند، طالباً عدم الكشف عن هويته، لقناة الجزيرة إن هذه الإجراءات ساهمت في تصاعد القلق المحلي. من جهته، قال هيرسي علي حاجي حسن، رئيس حزب واداني الحاكم، لِـالجزيرة مباشر إنّ «نحن في حالة ضرورة للاعتراف الدولي الرسمي»، وأن «لا خيار أمامنا سوى الترحيب بأي دولة تعترف بحقنا الوجودي».

في منتصف 2025 أرسلت إدارة رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله رسائل إلى مئتي وثلاثة وتسعين رئيس دولة تعرض فيها تقديم امتيازات إستراتيجية وتعاون مقابل الاعتراف الدبلوماسي. وحتى الأسبوع الماضي، قال الرئيس المعروف محلياً باسم سيرّو إن دولة واحدة فقط استجابت رسمياً — هي اسرائيل.

على الرغم من عدم حدوث اختراقات علنية فورية، نجحت صوماليلاند في تحصيل دعم سياسي بارز في الولايات المتحدة من بعض الجمهوريين مثل تيد كروز وسكوت بيري، وذكرت مبادرات مرتبطة بقاعدة الرئيس ترامب السياسية، ومنها ما يُعرف بمشروع 2025، كعامل مؤثر في توجيه الاهتمام السياسي نحو صوماليلاند. ترامب نفسه قلّل لاحقاً من احتمال اتباع الخطوة الإسرائيلية، لكنه قال لصحيفة نيويورك بوست إن المسألة قيد «الدراسة».

في الوقت نفسه، رفضت السفير الأمريكي تامي بروس إدانة اعتراف اسرائيل بصوماليلاند أمام مجلس الأمن الدولي العام الماضي، مع إبقائها على موقف بأن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير. وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية لِـالجزيرة أنها لم تكن طرفاً في قرار إسرائيل الاعتراف.

في الداخل، تبدو غالبية السكان في صوماليلاند مؤيدة للاتفاق مع اسرائيل، ورأى كثيرون فيه بوابة لتحالفات غربية محتملة—من تعزيز العلاقات مع تايوان إلى بناء روابط مع إسرائيل—في حين اتُخذت مواقف متشددة تجاه منافسين إقليميين وعالميين مثل الصين وإيران وشبكات حلفائهما.

يقول جثرو نورمان، خبير شؤون الصومال بمعهد الدراسات الدولية الدنماركي: «حاولت صوماليلاند تقديم نفسها كمكان تتقاطع فيه مصالح متعددة. وفي بيئة عالمية أكثر معاملاتية، للصِّلات الجغرافية أهمية أكبر». كذلك أشار مصطفى حسن، مدير المخابرات السابق في صوماليلاند، لمركز القدس للأمن أن الاعتراف سيتيح لصوماليلاند حماية مصالح اسرائيل والغرب في حال استؤنفت الروابط الرسمية.

يقرأ  شخصيات مريبة تنبثق من الطبيعة في خزفيات مالينه هارتمان راسموسن— كولوسال

ويرى الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ألون لئيل أن أهداف إسرائيل أوسع من مجرد الحصول على قاعدة قد تُستخدم لضرب اليمن؛ فالعلاقة مع صوماليلاند تمكّن إسرائيل من بناء نفوذ استراتيجي والحصول على حلفاء جدد رغم تبعات حربها على غزة، وتُظهر قدرتها على كسب مؤيدين جدد.

قبل أيام، قبل رئيس صوماليلاند دعوة رسمية من نتنياهو لزيارة إسرائيل، ويتوقع أن يتبع اللقاء افتتاح سفارة. لا تزال طبيعة هذه الشراكة واختبار جدواها في مراحله الأولى، ويعمل الطرفان على تقييم عواقب الإعلانات وفرصها المحتملة.

بعد زيارة وزيرة الاستخبارات ساعر إلى هرجيسا هذا الشهر، عبر وزير خارجية صوماليلاند عبد الرحمن ضاهر آدم على منصة إكس عن أمله بأن تكون الزيارة «بداية شراكة واعدة»، فيما أكدت الوفود الإسرائيلية عزمها على «تسريع العلاقات بقوة».

من جهته، ناشد رئيس الصومال حسن شيخ محمود قادة صوماليلاند إعادة النظر في مسار الانفصال، مشدداً على أن أي اعتراف واسع بالاستقلال لا يمكن أن يتم إلا عبر تفاوض مع مقديشو، في مؤشّر على استعداده للحوار بشأن المطالب الجوهرية لصوماليلاند. وقال في خطابٍ وطني: «ستسخّر الحكومة الفدرالية كل ما بوسعها من أجل تحقيق الوحدة».

ويرى فرحان إيساك يوسف، نائب مدير مركز الأجندة العامة الصومالية في مقديشو، أن فرص استئناف مفاوضات جادة أصبحت ضعيفة الآن، لأن الاختراق الدبلوماسي منح قادة صوماليلاند شعوراً بالتمكين والتأييد. وحذّر من أن اتخاذ إجراءات تصعيدية من جانب مقديشو قد يدفع بالقادة هناك إلى مزيد من الابتعاد، مما يزيد من مخاطر الانقسام.

أضف تعليق