ما أسباب تدهور اقتصاد إيران — وما الذي أدى إلى اندلاع احتجاجات دامية؟

أربعة أسابيع بعد أن أغلقَ التجّار في السوق الكبير بطهران محلاتهم احتجاجًا على التدهور الاقتصادي، لا تزال أجزاء واسعة من ايران تعاني من انقطاع شبه تام للإنترنت، فيما خفت حدة الاحتجاجات التي تحوّلت في ذروتها إلى مظاهرات جماهيرية ضدّ السلطة الدينية.

المئات من الآلاف الذين خرجوا إلى الشوارع عقب إضراب التجار أُبلغ أنهم عادوا إلى بيوتهم بعد وقوع قتلى واعتقالات واسعة بين المتظاهرين. لم تُعلِن الحكومة الإيرانية حصيلة رسمية للضحايا، وتباينت التقديرات، لكنّ وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان المقيمة في الولايات المتحدة (HRANA) أوردت حصيلة بلغت 2,615 قتيلاً حتى يوم الأربعاء. وتقول طهران إن الأرقام مبالغ فيها بشكل كبير.

تصاعدت التوتّرات مع الولايات المتحدة هذا الأسبوع بعدما هدّد الرئيس ترامب باتخاذ إجراءات إذا استمرت القتل، ثم بدا أنه تراجع جزئيًا ليل الأربعاء بعد أن أعلن أنه تلقى طمانينات من طهران بوقف القتل وعدم تنفيذ أحكام إعدام بحق المعتقلين.

مع أنها هدأت مؤقّتًا، فإنّ المطالب التي خرج الناس من أجلها لم تُحَل؛ فالتهديد بالتدخّل الخارجي لا يزال قائمًا، والأهمّ أن الظروف الاقتصادية التي أشعلت الاحتجاجات في أواخر 2025 ازدادت سوءًا.

لماذا اندلعت الاحتجاجات بسبب الاقتصاد؟
“الاضطرابات الأخيرة كانت بلا شك جذورُها اقتصادية”، قال حسن حكيميان، أستاذ الاقتصاد المُتقاعد في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS). سنوات من الفساد المزمن وسوء الإدارة الاقتصادية، مضافًا إليها العقوبات الدولية، زادت من معاناة شرائح واسعة من الناس. وأضاف أنّ إيران شهدت في الأشهر الأخيرة كوارث بيئية حادة — نقصًا حادًا في المياه، وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي وتدهورًا شديدًا في جودة الهواء — ما شكّل “عاصفة مثالية” للاقتصاد.

من جهة أخرى، تراجع قيمة الريال الإيراني كان الشرارة المباشرة: انهياره بالقرب من نهاية ديسمبر عندما بلغ مستوى قياسيًا متدنٍ أمام الدولار دفع التجار إلى الإضراب. ومع استمرار الانخفاض، بقي الريال عند مستويات منخفضة جدًا. كما تعطلت أجهزة الصراف الآلي، وقلّلت الرحلات والمعاملات المالية بفعل إغلاق الشبكة المعلوماتية الوطنية — الشبكة المحلية الخاضعة لسيطرة الدولة والتي تعمل كإنترنت داخلي.

يقرأ  الجيش الهندوراسي يتعهد بضمان انتقالٍ منظم للسلطة بعد الانتخاباتأخبار الانتخابات

تأثيرات الانقطاع الاقتصادي تقدّرها دراسات بخسائر كبيرة: “إذا استمر الإغلاق لشهر تقريبًا، فبإمكاننا القول إن الاقتصاد عمل بنحو 50% من طاقته خلال تلك الفترة”، قال جوّاد صالحي-إصفهاني، أستاذ اقتصاد بجامعة فرجينيا تك. وبناءً على افتراضات متحفظة، تعادل الخسارة نحو عُشر الناتج المحلي الإجمالي إذا استمر الإغلاق شهراً، أو ما بين 20 و90 مليار دولار سنويًا، اعتمادًا على معدلات التحويل المتقلبة.

كيف أثّرت العقوبات على الاقتصاد الإيراني؟
اقتصاد إيران اليوم غير قابل للمقارنة بما كان عليه قبل الثورة الإسلامية عام 1979، يقول خبراء؛ الحروب والعقوبات وتغيّر الأولويات الاقتصادية أضعفت نشاطه تدريجيًا. واحدة من الأسباب الرئيسة هي أن إيران تُعدّ من أكثر الدول تقييدًا بالعقوبات عالمياً. بدأت عقوبات أمريكية مباشرة في أعقاب الثورة، وتبعتها إجراءات أممية على خلفية برنامج إيران النووي في 2006 ثم تشدّدت العقوبات خلال السنوات اللاحقة.

اتفاق عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) خفف بعض القيود مؤقتًا، لكن الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة في 2018 وإعادة فرض كلّ العقوبات أعادا الاقتصاد إلى ضغوط شديدة. وصار معظم عائدات النفط الإيرانية مجمّدة، والأصول في الخارج مجمّدة، والتجارة مقيدة، والقطاع المصرفي مستهدفًا بالعقوبات. كما طالت القيود شبكات مالية وشركات مرتبطة بالبرنامج النووي وبرامج الصواريخ وبالهيئات العسكرية، ما حدّ من قدرتها على التعامل دوليًا.

في غياب أسواق تقليدية، اشترت الصين أكثر من 80% من نفط إيران المباع في 2025، وغالبه ينقل عبر “أسطول ظلّ” من الناقلات التي تُغيّر أعلامها أو تطفئ أجهزة التتبع لتفادي العقوبات.

كيف أثر ذلك على حياة الناس؟
حتى قبل الصراع مع إسرائيل، اعتبر كثيرون أن الاقتصاد الإيراني دخل مرحلة “ركود تضخمي” حيث التباطؤ في النمو يقترن بارتفاع الأسعار، فاقت سلبًا آمال الناس في مستقبل مستقر. القوة الشرائية تراجعت بنحو يفوق 90% خلال ثماني سنوات، وأسعار الغذاء شهدت ارتفاعات حادة — وفق إحصاءات رسمية. في ديسمبر 2025 بلغ سعر الدولار في السوق السوداء نحو 1.36 مليون ريال، ثم هبط الريال أكثر في يناير إلى حوالي 1.42 مليون، أي فقدان 56% من قيمته في ستة أشهر مقارنة ببدايات 2025. وفي الوقت نفسه، نحو واحد من كل خمسة شباب عاطل عن العمل.

يقرأ  الحكومة السورية تندد بغارات جوية إسرائيلية استهدفت مدينتين — تقرير

لماذا سعر الصرف مهم؟
“مؤشر سعر الصرف هو أحد المؤشرات الاقتصادية الأساسية التي تهم الناس فعلاً”، قال الاقتصادي الإيراني-الأمريكي نادر حبيبي. كلما ازدادت حالة عدم اليقين، زاد الإقبال على العملة الصعبة والذهب كوسائل تحوّط. نقص المعروض من العملات الصعبة بعد هجوم يونيو الماضي، إضافةً إلى طلب الحكومة على الأموال لإعادة بناء قدراتها الدفاعية، ضيّق هامش ثقة السوق وسرّع انهيار الريال. الانخفاض السريع في قيمة العملة أثر على التجّار التقليديين (البازاريين) الذين وجدوا صعوبة في استبدال السلع بأسعار تُمكّنهم من تجديد مخزونهم، فمدّدت الأزمة الإضراب فأقفلت المحلات.

ماذا ينتظر الآن؟
الاحتجاجات هدأت جزئيًا بعد موجات القتل والاعتقال، لكن الغضب الشعبي تجاه الواقع الاقتصادي لم يختفِ. وفق خبراء، النظام لا يمتلك حلًا سريعًا لتخفيف المعاناة الراهنة، وحتى القمع القاسي قد يكبح التحركات مؤقتًا لكنه لا يعالج الأسباب الجوهرية. كما أن أي تدخل خارجي من قِبل قوى كبرى قد يزيد الأمور تعقيدًا، سواء من خلال أضرار جانبية داخل البلاد أو توسيع رقعة الصراع الإقليمي.

الخلاصة: المشاكل الراهنة تراكمت عبر سنوات من الإدارة المعيبة والعقوبات والأزمات البيئية والضغوط الإقليمية، والانفجار الشعبي عكس استياءً عميقًا يتخطى مطالب آنية، وسيبقى ملف الاقتصاد وسعر العملة والبطالة الشبابية محطات حاسمة لمستقبل الهدوء أو التصعيد في ايران.

أضف تعليق