ضابط عسكري يؤدي اليمين رئيسًا مدنيًا

الرئاسة الغينية

ظهرت صور رسمية لمامادي دومبويا تعكسه بصورة أكثر استرخاءً من الصورة الصارمة التي عرفها به عند اقتحامه الساحة السياسية في سبتمبر 2021. حينها بدا القائد العسكري الفتي — وهو في السادسة والثلاثين من عمره، عريض الكتفين وطويل القامة، مرتدياً زيًّا عسكريًا وكبريه شمسية وبرنيطة حمراء — بشكلٍ صارم ومهيب عند إعلان الانقلاب ضد حكومة الفا كوندي.

كان دومبويا آنذاك اسماً غير معروف على نطاق واسع خارج وحدة نخبوية بالجيش، وقدم نفسه على أنه منقذ للديمقراطية بعد أن اتهم الحكومة السابقة بتجاهل المبادئ الديمقراطية وانتهاك حقوق المواطنين. بعد أكثر من أربع سنوات في منصب الرئيس المؤقت، ومع تنازله عن وعد سابق بعدم الترشح، بات، وهو الآن في الحادية والأربعين، على موعد لأداء اليمين كرئيس منتخب.

فاز الرجل، الملتزم بالانضباط وخجول الطبع، بنسبة 87% في انتخابات ديسمبر التي شهدت تناقص قوة المرشحين المنافسين، وهو ما دفع بالرئيس الأسبق سيلو دالين ديالو، المُقيم حالياً في المنفى، لاعتبار العملية مجرد “مسرحية” ونتائجها “مفبركة”. وفي الوقت الذي يُظهر فيه بعض التأييد الشعبي، يثير منتقدون تساؤلات حول مصداقيته الديمقراطية، لجهة حظر أحزاب سياسية، اختفاء نشطاء بظروف غامضة، وإغلاق وسائل إعلام.

تُظهِر لقطات الفيديو بعد الانقلاب استقبالاً حاشداً له من الحشود، بينما تكشف مراجعة حسابات الرئاسة على وسائل التواصل عن صورة مُحضّرة بعناية. فالقائد العسكري، الذي صار الآن برتبة جنرال، استبدل الزيّ المموّه غالباً بقبعة بيسبول وبدلة رياضية أو ببّو — الزي التقليدي الغيني الفضفاض المطرّز — إلا أن النظارات الشمسية لا تزال تظهر أحياناً.

تنقل الصور الثانيةً لقائدٍ يُدشّن مدارس ومشاريع نقل ومنشآت تعدين، أو يركب الدراجة في شوارع العاصمة كونكري، في رسالة واضحة: هذا رجل عملي يعمل لصالح الشعب. كما رأت بيفرلي أوشيينغ، كبيرة المحللين في شركة الاستعلامات الأمنية في دكار، أن الصورة تبعث انطباعاً عن “قائد مدني يمكن أن يكون قريباً من المواطنين وممثلاً لهم”، مضيفة أن هذا الأسلوب يبعده ظاهرياً عن المصدر الذي أوصله إلى السلطة — أي الانقلاب ومهنته العسكرية.

يقرأ  رجل يُوقَف بعد العثور على أربع جثث في نهر السين قرب باريس

خلال خمسة عشر عاماً سبقت وصوله إلى السلطة اكتسب دومبويا خبرات دولية واسعة، منها دراسات على مستوى الماجستير في فرنسا، وخدمة في الفيلق الأجنبي الفرنسي، وعمل في أفغانستان وساحل العاج وجيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلاً عن مهام حماية شخصية في إسرائيل وقبرص والمملكة المتحدة. ومع ذلك، يقلل بعض المحللين من صدقية انتقاله إلى المدنية، معتبرين أن “زيّ العسكري سيبقى حتى لو عاد النظام إلى المدنية”، كما تقول عيساتو كانتي، باحثة في مكتب غرب أفريقيا لمعهد دراسات الأمن، مشيرةً إلى حظر التظاهرات السياسية واستبعاد المعارضين الرئيسيين وتعليق أحزاب معارضة أساسية.

يطالب ناشطو حقوق الإنسان بالكشف عن مصير اثنين من الناشطين — عمر سيلا المعروف بـفونِكِي مينغو وُمامادو بيلو باه — اللذين اختفيا منذ يوليو/تموز 2024 ويُشتبه في احتجازهما من قبل جهات عسكرية. كما أعربت منظمة “مراسلون بلا حدود” عن قلقها إزاء اختفاء الصحفي حبيب مروان كامارا لأكثر من عام، مشيرةً إلى أن الصحفيين يلاحقون رقابة ذاتية ويخشون المآلات المحتملة.

رغم ذلك، لقي الانقلاب في 2021 ترحيباً شعبياً واسعاً، وبقي دومبويا شخصية تتمتع بشعبية ملحوظة: أظهرت بيانات أفروباروميتر ارتفاع نسبة من يثقون بالرئيس بشكل “جزئي” أو “كبير” من 46% عام 2022 إلى 53% عام 2024.

تُبرز زياراته الاستراتيجية، مثل استقبال رئيس رواندا بول كاغامي لحضور بداية تشغيل منجم سيماندو للخام الحديد، تركيزه على فكرة سيطرة الغينيين على مصيرهم. هذه البُعد — التأكيد المستمر على السيادة السياسية والاقتصادية — يتكرر في خطاباته الرسمية. وفي أولى رسائله الوطنية مع مطلع العام أظهر لهجة مصالحة، داعياً الغينيين لبناء وطن يسوده السلام وسيادة مُتّخذة “بملء الإرادة”.

في بلد يعاني مستويات فقر عالية رغم ثرواته المعدنية الضخمة — بما في ذلك أكبر احتياطيات العالم من البوكسيت — تبدو وعود الاستفادة الوطنية من الموارد جديرة بالاهتمام. فمَناجم سيماندو التي تقدر احتياطاتها بثلاثة مليارات طن وتصدرت أولى صادراتها الشهر الماضي قد تغير موازين سوق الحديد عالمياً، وقد تحول اقتصاد غينيا إن أُدير المشروع بنحو ينفع الشعب. وتقول السلطات إن عائدات المشروع، الذي تشارك فيه شركات صينية وشركة ريو تينتو البريطانية‑الأسترالية، ستُستثمر في بنى تحتية نقلية وخدمات صحية وتعليمية.

يقرأ  ماكس كارتر يُعيَّن رئيسًا لفنون القرنين العشرين والحادي والعشرين في كريستيز لمنطقة الأمريكتين

قد يحدد نجاح سيماندو مصير رئاسته؛ وهو يبدو عازماً على إبقاء أجزاء من التصنيع وإضافة القيمة داخل البلاد لضمان فوائد أوسع. وعلى مدار العام الماضي ألغت حكومته عشرات اتفاقيات التعدين التي رأت أنها لم تُسهم بالاستثمار المأمول في غينيا، ما دفع إحدى الشركات المقيمة في الإمارات إلى رفع دعوى أمام محكمة دولية.

ترى بعض التحليلات أن هذا التوجّه نحو “قومية الموارد” يصوره كبطل محلي يدافع عن حقوق المواطنين، حتى لو تسبب ذلك في توترات مع الشركات. كما اتسمت سياساته الخارجية بواقعية عملية؛ لم يقطع بشكل قاطع علاقاته التقليدية مع فرنسا لمصلحة التحالف مع روسيا، ولم تُوجّه إليه اتهامات شائعة بالتحكم من قبل باريس رغم اقامته وعائلته المرتبطة بفرنسا.

يبدو دومبويا حريصاً على أن يُنظر إليه كقائد يدير شؤون البلد لمصلحة الغينيين. وفي مراسم أداء اليمين السبت، يتوقع أن يكرر نداءً للوحدة الوطنية ويعبر عن أمله في فتح صفحة جديدة من الازدهار لغينيا.

أضف تعليق