هل سيُصبح انقطاعُ الإنترنتِ في إيرانَ أمراً دائماً؟

جو تايدي، مراسل الأمن السيبراني في بي بي سي؛ وفرشاد بيان، بي بي سي الفارسية

ملخص حدثي
إيران تمر منذ أكثر من عشرة أيام بأحد أشد انقطاعات الشبكة في التاريخ الحديث، إذ حُرم نحو 92 مليون مواطن من الوصول إلى كل خدمات الاتصال الرقمي الأساسية، مع اضطراب واضح في خدمات الهاتف والرسائل النصية. بدأت السلطات فصل الخدمة يوم 8 يناير، ويبدو أن الهدف المعلن وغير المعلن هو خنق الاحتجاجات ومنع تتبع القمع على الصعيد الدولي.

مبررات الحكومة ومخاوف المراقبين
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقي إن قطع “الانترنت” جاء رداً على ما وصفه بعمليات إرهابية موجهة من الخارج. لكن تقارير صحفية وتقارير مراقبة الشبكة تشير إلى أن ما يجري قد يتجاوز حلٍّ مؤقت، وأن هناك خططاً لوضع قيود دائمة على الاتصال الدولي. وفق تقرير IranWire، نقلت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني أن الوصول إلى الشبكة العالمية لن يُستأنف قبل حلول العام الإيراني الجديد في أواخر مارس.

من انقطاع مؤقت إلى حفرة سوداء في الاتصالات
لطالما مارست السلطات رقابة محكمة على الشبكة في إيران، مع حجب معظم منصات التواصل الغربية ومواقع الأخبار الدولية. ومع ذلك لجأ كثيرون إلى شبكات افتراضية خاصة للتغلب على الحظر. تقول منظمات الدفاع عن الحرية الرقمية إن الانقطاعات تُستخدم تاريخياً كغطاء لعمليات عنف واسع النطاق وقمع المتظاهرين، كما حدث في احتجاجات نوفمبر 2019 وسبتمبر 2022.

مؤشرات فنية وتأثيرات واقعية
بيانات حركة المرور من شركات مراقبة الشبكات أظهرت تزايداً طفيفاً في تدفقات البيانات الداخلة يوم 17 يناير، لكن مستوى الاتصال لا يزال ضئيلاً للغاية — نحو 0.2% مما كان عليه قبل انقطاع 8 يناير. هذا الانقطاع يمتد الآن لفترة أطول من أي فترة سابقة، مع آثار اقتصادية فادحة خصوصاً على التجارة الإلكترونية ومصادر رزق كثير من الإيرانيين.

يقرأ  أزمة سياسية في فرنسا تُفاقم المخاوف

حجم الخسائر البشرية وصعوبة التحقق
حتى 18 يناير، تقدر وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA) أكثر من 3,300 وفاة مؤكدة لمتظاهرين، مع أكثر من 4,380 حالة قيد المراجعة، و24,266 حالة اعتقال في 187 مدينة. الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير لكن نقص الوصول يمنع التحقق المستقل.

التحول إلى عزلة رقمية ومراقبة متزايدة
مشروع مراقبة الشبكة FilterWatch يرى أن ما يحدث علامة على بداية فصل رقمي أكثر تطرفاً ومزيد من المراقبة على ما يُنشر ويُبث ويُستقبل. أمير رشيدي، مدير الأمن السيبراني والحقوق الرقمية في مجموعة ميان، يقول إن السلطات تتجه نحو نظام متدرج يسمح بالوصول الدولي بعد تسجيل وفحص، وأن البنية التقنية اللازمة موجودة منذ سنوات.

من يتخذ القرار؟
وفق مراقبين، تتجه الصلاحيات الحاسمة صوب هيئات أمنية أكثر منها وزارات مدنية، ما يعكس طابع القرار الأمني. وقد يكون حماية البلاد من الهجمات السيبرانية مبرراً آخر للإجراءات، لكن المحللين يحذرون من أن التطبيق الكامل لتلك الخطط قد يتعثر بسبب صراعات داخلية وضغوط اقتصادية وتقنية، فضلاً عن قدرة المستخدمين ومزودي الخدمة على التكيف واللجوء إلى بدائل.

نماذج عالمية: الصين وروسيا
إذا مضت إيران في هذا الطريق فسوف تقتدي برُحَى الصين وروسيا في التحكم بالإنترنت. الصين تبنت رقابة شاملة تعزل مواطنيها عن جزء كبير من الشبكة العالمية، أما روسيا فبدأت محاولة تركيب ضوابط مماثلة عبر مشروع “رو-نت” وخيار “مفتاح الإغلاق” الذي يسمح ببقاء حركة المرور الداخلية مع قطع التبادلات الخارجية — حل لم يُختبر كلياً بعد.

إلى أين تتجه الشبكة الإيرانية؟
يبدو أن الخطة المقترحة مزيج شبه دائم من سياسات الصين وروسيا: عزل مع ضوابط مشددة. خبراء مثل آلان وودوارد يرون أن blackout الحالي قد يُستغل لإجراء تغييرات تقنية دائمة، فيما يعتبر رشيدي أن المسألة باتت سياسية في جوهرها وتحتاج إرادة سياسية للتنفيذ الكامل.

يقرأ  رئيس إيران في أرمينيا — مباحثات حول ممر أذربيجان المدعوم من الولايات المتحدة

تحديات التكنولوجيا المكانية (LEO) وأمل بدائل الاتصال
خدمات الإنترنت الفضائي من مدار أرضي منخفض، مثل ستارلينك، أربكت محاولات السيطرة أثناء الاحتجاجات؛ إذ سمحت لبعض المستخدمين بتجاوز الحظر. رغم تدخلات للحجب والتشويش، أكدت بعض التحديثات البرمجية لجهات التشغيل استمرار عمل محطات أخرى، كما تم رفع رسوم الاشتراك عن مستخدمي إيران. وفي المقابل تظهر تقنيات جديدة كالشبكات المتداخلة المعتمدة على البلوتوث وسُبل الاتصال الطارئ عبر الأقمار الاصطناعية بصيص أمل لتجاوز العزلة الرقمية.

خلاصة وتوقّع
حتى لو تمكنت السلطات من فرض نظام ترخيص وتصفية على الوصول الدولي، فإن ديناميكية القطع والتجاوز ستبقى لعبة قط وفأر بين أنظمة القمع وابتكارات الاتصالات. استعادة الاتصال الكامل أمرٌ حتمي من منظور حقوقي وإنساني، لكن مسار التطبيق سيبقى مشوباً بعوامل سياسية وتقنية متشابكة.

أضف تعليق