أحدث اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات المسلحة في الولايات المتحدة، وما تلا ذلك من تهديدات واشنطن بالتدخل في ايران خلال احتجاجاتها الأخيرة، موجة من الحماسة لدى أوساط صقورية مؤيدة لأوكرانيا في الغرب؛ لأن المنطق المبسط يقول إن إضعاف حلفاء موسكو يعني إضعاف روسيا نفسها.
ورغم انتقاده للتدخلية الأمريكية في السابق، بدا الرئيس دونالد ترامب ممتنعاً عن هذه النزعة سابقاً لكنه اليوم مصاب من جديد بـ«حمّى تغيير الأنظمة» التي روّج لها سلفوه الديمقراطيون.
ما يذكّرنا بالأكثر هو سياسة تصدير الثورة — سياسة قصيرة الأمد انتهجتها روسيا السوفياتية بقيادة واحد من مؤسسي الجيش الأحمر، ليون تروتسكي. تلك السياسة أسفرت عن قيام حكومات موالية للبلاشفة في عدة بقاع أوروبية مثل المجر وبافاريا ولاتفيا، لكنها لم تدم طويلاً.
ومن المشاريع الثورية الأقل شهرة كانت جمهورية ما وراء القوقاز السوفيتية الفارسية، التي قامت عامي 1920–1921 في محافظة جيلان على ساحل بحر قزوين. كانت الفكرة محاولة دفع الثورة البروليتارية حتى حدود الهند، إلا أن الجيش الأحمر اضطر في نهاية المطاف للتراجع وسقط حلفاؤه المحليون سريعاً.
بعد قرن من الزمن، تعود ايران لتكون هدفاً لتصدير الثورة، لكن هذه المرة من قبل صقور أمريكيين وإسرائيليين يحاولون تحريك انتفاضة على غرار ميدان أوكرانيا. نظام ولاية الفقيه غير محبوب بطبيعة الحال، والمقاومة ضده ذات جذور محلية، لكن التهديد المستمر بالتدخل الأمريكي والإسرائيلي يبدو أنه الدعامة الأقوى التي تمنحه مناعة أمام الاضطرابات الداخلية. الإيرانيون أفقهوا جيداً مخاطر تحول بلدهم إلى نسخة من سوريا أو ليبيا.
تكاد قصة ايران في القرن العشرين تكون سجلاً متواصلاً لمقاومة الخضوع أمام قوى خارجية، بما في ذلك روسيا أو الاتحاد السوفيتي. وكانت ايران كذلك مسرح التقاء مصالح سوفياتية وغربية في مناسبات عدة — كما جرى في انقلاب 1953 ضد رئيس الوزراء محمد مصدق، وفي معارضة الطرفين للثورة الإيرانية عام 1979، ثم في دعمهما للعراق أثناء حرب العراق وإيران.
لم تتوطّد العلاقة بين طهران وموسكو إلا في سنوات حكم فلاديمير بوتين الأخيرة، ولاحقت هذه العلاقة مزيداً من التقارب عندما زوّدت ايران روسيا بتقنيات طائرات دون طيار أساسية مع اندلاع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
ثمّة شبه تاريخي مهم بين ايران وروسيا والصين: هذه ثلاث دول عريقة نجحت إلى حد كبير في الصمود أمام محاولات القوى الغربية لاحتلالها عبر العصور. ويمكن تفسير النزعات السلطوية فيها إلى حد ما بالحاجة المستمرة للتعبئة في مواجهة التهديد الغربي.
لكن دور روسيا في هذا الثالوث يبقى الأكثر غموضاً، لأن موسكو، رغم صراعها مع الغرب، كانت كذلك إحدى القوى الأوروبية التي حاولت بسط نفوذها واستعمار أجزاء من ايران والصين.
هذا ما يفسر موقف موسكو المحوري والأوروبي الميول إزاء مأزق ايران الراهن. حكومة بوتين مركزة على هدف واحد لا يتبدل: كسب الحرب في أوكرانيا التي تراها صراعاً بالوكالة مع الغرب. وتكتسب الحملات العسكرية الروسية في الشرق الأوسط وأفريقيا أهمية لدى الكرملين بقدر ما تستنزف موارد الغرب وتخلق أوراق ضغط ومقايضات إضافية. وتقع تحالفات موسكو العرضية مع أنظمة إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية في هذا الإطار نفسه.
يحب أيديولوجيو النظام في موسكو ترديد العبارة المنسوبة تارة إلى القيصر ألكسندر الثالث: «ليس لروسيا سوى حليفين — الجيش والبحرية». في هذا الخطاب، تُرى حلفاء روسيا والنظم العميلة لديها على أنهم قطع شطرنج قابلة للتضحية في لعبة القوى النووية الكبرى.
كل مغامرات بوتين العسكرية خارج فضاء الاتحاد السوفيتي السابق بدأت بعد 2014 كرد فعل على الدعم الغربي للسلطات الأوكرانية، التي يراها بوتين حكومة دُبّرت عبر «انقلاب» — كما يصف ثورة الميدان. تدخلت روسيا في سوريا وليبيا ووسّعت فيما بعد نطاق نفوذها في وسط وغرب أفريقيا، إلى حد كبير على حساب النفوذ الفرنسي.
هل أسهم ذلك في إقامة «إمبراطورية نيو-عالمية» لروسيا؟ لا؛ فالنجاحات الأولية غالباً ما تلحقها نكسات، أبرزها سقوط نظام حليف موسكو في سوريا، بشار الأسد، عام 2024. لكن المسألة لم تكن في بناء إمبراطورية عالمية بالمعنى التقليدي، بل أن بوتين بات قريباً من إنهاء الحرب في أوكرانيا بما يتناسب مع شروطه، وكانت جهوده في مناطق أخرى وسيلة لتحقيق ما سيراه كثير من الروس نصراً حاسماً في مواجهة آلة الحرب الغربية الهائلة.
الضربات الجوية الروسية القاسية ضد بنى الطاقة في أوكرانيا تُفقد مراكز سكانية كبيرة، مثل كييف، صلاحيّتها للسكن منتصف الشتاء، ويبدو أن حلفاء أوكرانيا الأوروبيين عاجزون عن تغيير هذا الواقع.
بينما يركز بوتين على لوح شطرنج واحد، يلعب ترامب مباراة متزامنة على عدة ألواح، وبشكل غريب تضم لاعبين كثيرين يتضمنون حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في الناتو بأوروبا.
إن هوس إدارة ترامب بتغيير النظام في ايران وفنزويلا، وبخاصة في جرينلاند، لا يضعف بوتين — بل يأتِ له بمثابة نعمة. فالسيناريو الذي تُنساق فيه الولايات المتحدة إلى مشاريع جيوسياسية عبثية وخطيرة متعدّدة بينما تحاول أن تبدو وسيطاً شِبه محايد في النزاع الروسي–الأوكراني، هو سيناريو مثالي لموسكو.
ورغم السطحية الظاهرة في تصرفات ترامب، ثمة منطق بسيط وراءها: ميل إنساني طبيعي إلى اختيار المسار الأسهل. مباراة شطرنج مضنية مع بوتين، وهي مباراة لم يبدأها ترامب شخصياً، أصعب بمراحل ومكلفة ومهددة بالهزيمة المحرجة. فنزويلا وايران يبدوان أهدافاً أسهل.
لكن، كما أظهرت الأحداث الأخيرة، حتى في هذه البلدان قد يتبيّن أن تغيير النظام بصورة جذرية مهمة عسيرة للغاية بالنسبة لزعيم أمريكي يبحث أساساً عن انتصار دعائي فوري بلا ثمن. يحتاج إلى أضعف الأهداف لبلوغ ذلك. وتبيّن أن مادورو كان هدفاً من هذا النوع — فمَن سيكون الهدف التالي؟
التدخلات في ايران وجرينلاند محفوفة بالمخاطر، وكوبا أقل خطورة نسبياً. لكن، من بين محاولات تغيير الأنظمة، ثمّة زعيم يثير حفيظة ترامب بلا هوادة، يمكن إبعاده دون تدخل عسكري، ويقف في طريق رغبة الرئيس الأمريكي في أن يُرى أعظم حافظ سلام في العالم: رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي.
ليس بمستغرب إذن أن يعود ترامب فجأة، يوم الأربعاء، ليقوّض أوكرانيا بالقول إن عقبة السلام الأساسية ليست بوتين بل زيلينسكي نفسه.
غارقاً في فضيحة فساد كبيرة، ومحاصراً سياسياً وعسكرياً، يبدو زيلينسكي الهدف الألين الممكن، نقيض خصمه الشرس بوتين. وليس من الصعب التكهّن بكيفية انصياع الغرائز السياسية للرئيس الأمريكي لهذه الفرصة.
الآراء الواردة هنا تعبّر عن رأي كاتبها فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.