تهديد غرينلاند يُظهر أننا بحاجة إلى التوقف عن استرضاء ترامب — دونالد ترامب

لأكثر من سنة كاملة والحالة تتصاعد: الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلوّح علنًا باستحواذ محتمل على الجزيرة الأكبر في العالم، غرينلاند، التي تتمتع اليوم بوضع شبه حكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك. تهديداته تشتد ساعة بعد ساعة، وربما تكون الأمور قد تفاقمت أكثر بحلول الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور.

أنا عضو في البرلمان الدنماركي (الفولكتيغ) ومتحدث الشؤون الخارجية باسم حزب التحالف الأحمر‑الأخضر (Enhedslisten). موقفنا الحزبي واضح: لا يتعلق همنا بمصير «الحكم الدنماركي» بقدر ما يتعلق بحقّ 57 ألف غرينلاندي في تقرير مصيرهم. لهم الحق المطلق في تشكيل مستقبلهـم وتحديد تحالفاتهـم السياسية.

بوصفها القوة الاستعمارية السابقة، تحمل الدنمارك عبئًا تاريخيًا وأخلاقيًا ومسؤولية عملية لمساعدة الغرينلانديين على بناء ديمقراطية مستقرة واقتصاد مستدام ورؤية واضحة نحو دولة ذات سيادة إن اختاروا ذلك.

على الدنمارك أن تقف بجانب غرينلاند في وجه أي عدوان خارجي أو محاولةهيمنة. ما يُهدد هنا هو سيادة مملكة الدنمارك وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير. ترامبب ليس في طريق تحرير أحد—لا الفلسطينيين، ولا الفنزويليين، ولا الغرينلانديين—بل يسير نحو مصالحه الشخصية والهيمنة.

تدخله في فنزويلا كشف ازدراءً تامًا للقانون الدولي وسيادة الدول. السكوت عن هذه الانتهاكات الصارخة يمهد الطريق لمغامرات غير قانونية أخرى يقودها هو أو قادة استبداديون آخرون جشعون إلى احتلال دول أو فرض سيطرتهم عليها.

بلطجية السياسة الدولية لا تَرُدّ عليهم المجاملات أو الاسترضاء؛ إنهم لا يحترمون إلا القوة. وترامب بوضوح يمارس سياسة بلطجة دولية؛ لذلك على القادة السياسيين الملتزمين بالنظام الدولي القائم على القواعد أن يردوا بـ«لا» حاسمة.

ما حصل في كاراكاس ليس مجرد حادث محلي؛ إنه مؤشر مقلق للبلدان التي تقع ضمن «دوائر مصالح» معلنة لدى أي قوة عظمى. واضح أن ترامب ينظر إلى فنزويلا وغرينلاند كجزء من «حديقته الخلفية» التي يسعى إلى هيمنتها وإدارتها، لأن بإمكانه ذلك—ولأنه يعتقد أننا سنسمح له.

يقرأ  عرض اليوم — خصم ١٠٪ على حقائب بوغ

الولايات المتحدة لا تملك شرعية استيلاء على دول أخرى. انهيار الاقتصاد في عهد نظام مادورو في فنزويلا، وتردٍّ الحقوق ووقوع تزوير انتخابي، لا يبرران بالأساس أي عمل أميركي أحادي الطرف وغير قانوني. الذين يهللون لاختطاف زعيم أجنبي يساهمون في تحطيم النظام الدولي القائم على القواعد ويدعون بقية الطغاة إلى تكرار ذات النهج—وقد يشمل ذلك غرينلاند.

النظام الدولي القائم على القواعد الذي عرفناه اعتمد على احتواء القوة بوسائل قانونية، وضمان سيادة الدول، وحماية الشعوب من بطش الحكومات. إذا لم ندافع عن هذه القواعد ونحترمها تتحول إلى كلمات خاوية، وتكون لذلك عواقب لا تُقَدَّر على السلام والاستقرار. ومع ذلك، ندرك أن الدول الغربية طبّقته انتقائيًا في مناسبات عديدة؛ والاستيطان والإبادة في فلسطين نموذج صارخ لذلك.

استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة تصرح بوضوح: للولايات المتحدة الحق في فرض تفوقها السياسي والاقتصادي والعسكري عالمياً، وبشكل خاص في نصف الكرة الغربي. وفي مؤتمر صحفي بمار‑أ‑لايغو في الثالث من يناير، استشهد الرئيس بخطاب «دستور دونرو» ورسم مقاربة خارجية تهدف إلى حماية الهيمنة الأميركية من أي تحدٍّ ممكن. لنا وللغرينلانديين أسباب حقيقية للقلق.

القوى الاستبدادية الطامعة الإمبريالية وحدها هي المستفيدة من هذا التحول في النظام العالمي؛ تلك القوى التي تعتبر البلدان الأخرى موردًا يجب أن يُؤخذ بالقوة لتُظهر حجمها وقدرتها. هي تستولي على أراضٍ وموارد لأنّها تستطيع—ولأننا في كثير من الأحيان نسمح لها بذلك.

النتيجة طبيعية: فوضى قانونية عالمية، عالم تسوده قاعدة الغاب حيث «القوة هي الحق»، مما يضاعف حالة الانعدام الأمني للشعوب في الدول الصغيرة والمتوسطة.

غرينلاند، المستعمرة الدنماركية السابقة، دولة ديمقراطية اليوم، لها قيادة سياسية شرعية تمثلها الحكومة (Naalakkersuisut) والبرلمان (Inatsisartut).

رئيس وزراء غرينلاند، ينس‑فريدريك نيلسن، أكّد مرارًا أنه وحكومته وغالبية الغرينلانديين لا يرغبون في أن يصبحوا مواطنين أميركيين أو جزءًا من الولايات المتحدة بأي شكل من الأشكال. في مؤتمر صحفي عقد في كوبنهاغن في 13 يناير قال بوضوح: «إذا اضطررنا للاختيار الآن بين الولايات المتحدة والدنمارك، فنحن نختار الدنمارك».

يقرأ  تشارلي كيرك: ما ينبغي معرفته عن حليف ترامب والناشط المحافظ

هذا الاختيار مفهوم: غرينلاند توفر نظام رعاية صحية شاملًا وتعليمًا عالياً مجانيًا، وهما ميزتان لا توفرهما الولايات المتحدة على مستوى شامل، فضلاً عن سجل الولايات المتحدة المأساوي فيما يتعلق بحقوق وكرامة الشعوب الأصلية مثل السكان الأصليين في أميركا والإنويت في ألاسكا.

كل ذلك لا يضمن أن ترامب لن يحاول «الحصول» على غرينلاند عبر مزيج من التهديدات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإكراه الوحشي.

الوضع الأمني في أوروبا وغرينلاند بلغ نقطة لا تسمح بعد بمواصلة مجاملات التنمّر أو خطوات الاسترضاء. لذلك على مملكة الدنمارك والدول الإسكندنافية وبقية دول أوروبا وكل من يقدّر النظام الدولي القائم على القواعد أن يعيدوا التفكير في سياساتهم ويعتمدوا استقلالية استراتيجية أو نوعًا من الحياد الاستراتيجي عن الولايات المتحدة.

هذا يتطلب سياسة ثابتة بعدم اقتناء أسلحة أميركية، بما في ذلك الطائرات المقاتلة—وهو ما للأسف أعادت الدنمارك شراؤه في 2025—كما يتطلب تقليصًا في تعاون المخابرات وتطوير منصات إنترنت وإعلام مستقلة عن عمالقة التكنولوجيا الأميركيين الذين هم اليوم إلى حد كبير تحت تأثير سياسات ترامب. علينا حماية ديمقراطياتنا.

ندعو كل القوى التقدمية في أوروبا وحول العالم للتوحد والتعبئة في نضال مشترك من أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها وضد أطماع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى الإمبريالية والنيومستعمرة في إعادة تشكيل العالم.

علينا الضغط على القادة السياسيين في كل مكان للابتعاد عن سياسات الاسترضاء إزاء الولايات المتحدة والمطالبة باستمرار بالالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

هذا هو نضال عصرنا.

(الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الخط التحريري لقناة الجزيرة.)

أضف تعليق