مجالس السلام والتقنوقراط لن تكبح المقاومة الفلسطينية — الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

الأسبوع الماضي، ومع تصاعد القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، أعلن مبعوث الولايات المتحدة ستيفن ويتكوف عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن «وقف إطلاق النار» يدخل مرحلته الثانية. وفي الأيام التالية كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكيل لجنة تنفيذية أجنبية ومجلس سلام سيتولّيان الإشراف على إدارة مؤقتة لغزة مؤلفة من خبراء فلسطينيين تقنيين.

يعكس هذا الترتيب رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في استبعاد كلٍّ من حماس والسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح من أي دور مستقبلي في غزة. ورغم ذكر الأخيرة في «خطة السلام» لترامب، فإن مشاركتها مشروطة، بحسب الخطة، بتنفيذ حزمة إصلاحات لم يُسمَّ متى أو كيف تُنجز لتأهيلها للعب دور.

والحقيقة العملية أن ذلك يوفّر حجة جاهزة لمنع عودة فتح إلى إدارة قطاع غزة، تحت ذريعة عدم تنفيذ تلك الإصلاحات المبهمة.

المشكلة في هذا المنهج وإصرار إسرائيل على «لا حماس ولا فتح» أنهما يعكسان جهلاً عميقاً بنسيج المجتمع الفلسطيني وتاريخه السياسي. فكرة أن كياناً سياسياً فلسطينياً يمكن اختراعه من قوى خارجية ودمجه بالكامل في منظومة الاحتلال لإدارة الشأن الفلسطيني غير واقعية.

على مدى 77 عاماً، نشأت حركات وثورات وطنية فلسطينية متعددة، جمعها قاسم مشترك واحد: رفض الوجود الاستعماري الإسرائيلي. لم يوافق أي كيان فلسطيني، مهما كان شكله، علناً على الاندماج ضمن المشروع الاستعماري الإسرائيلي.

في إطار المقاومة نُحت الوعي الجمعي الفلسطيني، وظهرت الأحزاب السياسية وتتبلور مسارات الرأي العام.

قد تختلف الوسائل والأساليب التي تتبناها فئات ومكونات المجتمع الفلسطيني والحركات السياسية، لكن يجمعها التزام مشترك بالقضية الفلسطينية وبالحقوق الوطنية الفلسطينية.

تظل فتح وحماس المكوّنين السياسيين الأبرز في المجتمع الفلسطيني. برزت فتح كحركة تحرير وطيدة قبل أن تنحرف مساراتها السياسية بعد اتفاقيات أوسلو، بينما حافظت حماس منذ نشأتها على خيار المقاومة. بين هذين التيارين وفصائل أصغر، يرفض النسيج الاجتماعي الفلسطيني أي قيادة أو كيان يعمل خارج إطار الاستقلال الوطني أو يقبل الوصاية الأجنبية.

يقرأ  اعتقال مشرف مدارس ديس موينز العامةعلى يد وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية

قررت إسرائيل تجاهل هذه الحقيقة المتجذرة، ومحاولة تجاوزها بفرض حقائق مصطنعة على الأرض، وسعت باستمرار لإيجاد «بدائل محلية» لحكم غزة.

خلال مجريات الحرب حاولت إسرائيل تمكين وتسليح أفراد وجماعات بعينها على أمل أن يكون لهم دور بعد الحرب. كثير منهم كانوا هامشيين اجتماعياً قبل النزاع، وبعضهم له سجلات جنائية طويلة. من الأمثلة يوسف ياسر أبو شَباب، من قبيلة الترابين، والذي قُضى عليه اتهامات مخدرات لسنوات، وتلقّى خلال الحرب دعماً إسرائيلياً كبيراً لتشكيل ميليشيا خاصة به.

نهب إمدادات المساعدات الإنسانية وتعاون بطرق متعددة مع قوات الاحتلال في رفح، بما في ذلك تأمين الممرات لقوات إسرائيلية. وبعد مقتله في الرابع من ديسمبر كانت هناك احتفالات في غزة؛ وصدرت عن قبيلته بيانا نددت فيه بسلوكه. ولقد انتهت محاولات إسرائيل للتعاون مع عشائر أخرى وتمكينها أيضاً بنتائج كارثية.

أصدرت عائلات وعشائر بارزة بيانات متكررة تندد بأفعال الأفراد الذين اختاروا التعاون مع إسرائيل، وسحبت عنهم الحماية ورفضتهم اجتماعياً، مؤكدين في الوقت نفسه تمسّك العشائر الفلسطينية بالنضال الوطني.

يعكس هذا الرفض فشل السياسة الإسرائيلية في خلق امتداد محلي يتماهى مع مشروعها. كما يؤكّد عجز إسرائيل عن محو الذاكرة الوطنية الفلسطينية أو كسر الإرادة الجمعية، رغم محاولات الإبادة والجوع والتهجير.

الوضع في الضفة الغربية مشابه. فعلى مدى ثلاثين عاماً تعاونت السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح أمنياً مع الاحتلال، ما أضعف شرعيتها اليوم بشدة. وفق استفتاء حديث، لا تتجاوز نسبة رضى الجمهور عن السلطة في الضفة 23 في المئة، بينما لا تتجاوز نسبة تأييد رئيسها محمود عباس 16 في المئة.

ومع أن السلطة تربطها علاقات أمنية وثيقة بالاحتلال إلا أنها فشلت في كبح المقاومة الفلسطينية في الضفة. في السنوات التي سبقت حملة الإبادة شهدت الضفة بروز تشكيلات مسلحة مستقلة عن الفصائل التقليدية مثل «أرين الأسود» في نابلس و«كتائب جنين».

يقرأ  انقطاع الإمدادات الأساسية خلال الهدنة النظام الصحي في غزة منهار بفعل إسرائيل أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

نظّم هذه المجموعات شباب حظيت بتحشيد شعبي واسع، وكانت حملات مقاومتهم تعبيراً عن استمرار الخيار المسلَّح خارج الهياكل التقليدية والدعم الشعبي الذي تتمتع به.

ما يعجز عنه الإسرائيليون وحلفاؤهم الغربيون الذين يحاولون ابتكار آلية حكم جديدة لغزة هو فهم أهمية الشرعية في السياق الفلسطيني. الشرعية هنا ليست سلعة تُصنَعها مجالس خارجية أو ميليشيات بتمويل إسرائيلي؛ بل تستمدّ من المقاومة التي تربط التاريخ الوطني بالهوية.

أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة محكوم عليها بالفشل، لأنها ستجعل غزة ساحة للفوضى المستمرة والصراعات الداخلية والانهيار الأمني الشامل. وستفشل أيضاً في إضفاء أي شرعية على ما يجري، وسيكشف الأمر أنّ ما يُعرَض على أنه إنجاز سياسي لا يعدو كونه ستاراً لتغطية عواقب إبادة نفذتها إسرائيل.

الحل الوحيد القادر على ضمان الاستقرار هو استقلال إداري فلسطيني كامل، يستند حصراً إلى إرادة الشعب الفلسطيني بكلّ تنوّعاته وانتماءاته، مع مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة.

الآراء المعبر عنها هنا تخص كاتبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق