من أوغندا حتى الكاميرون كيف يبقى «زعماء مدى الحياة» في أفريقيا في السلطة

قصر الرئاسة في أوغندا، المعروف بـ«ستيت هاوس»، يتربع في منطقة ناساكيرو التّعرّجية الواقعة في أجزاء العاصمة كمبالا الأرفع ارتفاعاً. منذ أربعة عقود وهو بيت رئيس واحد فقط: يويري موسيفيني، الذي أمضى في السلطة فترة أطول من أي زعيم أوغندي آخر.

في الانتخابات التي جرت يوم الخميس الماضي، مدد موسيفيني قبضته على البلاد للمرة السابعة، بعد أن أعلنت اللجنة الانتخابية فوزه بحوالي 72% من الأصوات، رغم تحديه الأكبر من قبل المرشح الشعبي والموسيقي روبرت «بوبي واين» كياغالاني. وفي عمر الحادية والثمانين، يُعد موسيفيني ثالث أطول رؤساء العالم مدة في الحكم.

يرى المحلّلون أن سيطرته على أوغندا شبه مطلقة، وأن تعيين نجله قائداً للجيش في 2024 أثار مخاوف دعاة الحقوق من مخطط لتوريث السلطة. وفي بلد شبابٍ تشكّل الفئة دون 35 عاماً نحو 70% من سكانه البالغ عددهم نحو 46 مليون نسمة، يبقى موسيفيني الرئيس الوحيد الذي عرفه معظم الأوغنديين. وبانتهاء ولايته الحالية في 2031 سيكون قد أمضى نحو 45 سنة في الحكم.

وليس موسيفيني حالة معزولة في القارة؛ إذ من كمبالا التّلالية إلى برازاڤيل على ضفاف النهر، ثبّت عدد من «القادة مدى الحياة» أمكانهم لسنوات طويلة، مع تنظيم انتخابات روتينية تمنح حكمهم مسحة شرعية ديمقراطية. ويبيّن خبراء السياسة أن بعضهم، وعلى رأسهم موسيفيني في أوغندا وبول بيا في الكاميرون، ودينيس ساسو نغيسو في جمهورية الكونغو، أتقنوا صيغاً مميزة لترسيخ سلطاتهم عبر انتخابات مُخترقة، وسياسات فرق تسد، وتحالفات خارجية قوية.

حاولت الجزيرة التواصل مع حكومات الدول الثلاث لتعليقها لكن لم ترد عليها.

العنف كأداة للسيطرة
يقول المحلل السياسي المقيم في كمبالا، جوب كيجا، إن العنف شكل أداة مركزية لدى موسيفيني لقمع المعارضة وفرض انضباط الحلفاء. بدأ موسيفيني مسيرته كرئيس عام 1986 بعدما قاد الجيش الثوري الوطني للإطاحة بحكومة مدنية غير شعبية، وبقي في السلطة تحت راية حركة المقاومة الوطنية المعاد تسميتها.

تكوّنت أفكار موسيفيني القيادية مبكراً أثناء دراسته العلوم السياسية في تنزانيا المجاورة، حيث تعمّق في نظرية الفيلسوف والمفكر المشتبك بالنضال المناهض للاستعمار فرانس فانون. وفي رسالته النهائية دعم موسيفيني أطروحات فانون حول العنف باعتباره أعلى أشكال الكفاح السياسي واللازم لعملية إنهاء الاستعمار. لكن بدلاً من توجيه ذلك ضد قوى استعمارية، استخدم موسيفيني هذه العقلية ضد قادة المعارضة والصحفيين والناشطين داخل بلاده، حسب كيجا.

عندما ظهر بوبي واين سياسياً عام 2020 تحت مظلة حزب الوحدة الوطنية، استقطب بسرعة قاعدة شبابية واسعة، لكن الأجهزة الأمنية ردّت بعنف على تجمعاته، ما أفضى إلى سقوط قتلى من أنصاره. وتكررت سيناريوهات مماثلة قبل هذه الانتخابات أيضاً، حيث استُخدمت القوة المفرطة لتفريق التجمعات وشنّت اعتقالات تعسفية وتعذيباً، وفق تقرير لمنظمة العفو الدولية.

كما أن معارضي النظام يُسجنون بشكل روتيني؛ فمنهم كيزا بيسيجى، الحليف السابق الذي ترشح للرئاسة أربع مرات، والمحتجز منذ نوفمبر 2024 بتهمة التآمر لإزالة موسيفيني ويواجه اتهاماً بالخيانة يعاقب عليه بالإعدام.

يقرأ  ترامب يطالب بفتح تحقيق بشأن «التخريب الثلاثي» في الأمم المتحدة

داخل معسكره نفسه، يتعمد موسيفيني بحسب كيجا ترك الحلفاء يتجاوزون حدودهم ثم يحتفظ بما يضرّهم كسجلات تبتزهم لاحقاً: «يتيح لمن حوله أن يمدّوا أيديهم إلى خزانة الدولة فيتّسخوا، ثم يستغلّ ذلك ليكتم أفواههم». ولدى موسيفيني ملفات عن كل منهم — ما سرقوه وما جمعوه — وهذه إحدى الوسائل التي تحول دون مكافحة الفساد فعلياً لأنه يستخدمه كأداة للمحاسبة والسيطرة.

جذور الضعف المؤسساتي
تعاني أوغندا من هشاشة سياسية منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1962؛ فقد اتبع المستعمرون حكمًا غير مباشر، وعينوا عناصر من قبيلة بقندة ذات الأغلبية في مناصب مهمة بينما أقصوا آخرين، وهو ما ساهم لاحقاً في عدم استقرار مؤسسات ما بعد الاستقلال.

في 2005 ألغى البرلمان الأوغندي حدود الولاية من الدستور، ممهداً الطريق أمام موسيفيني للترشح بلا سقف زمني. وعلى الرغم من ثراء البلاد بمخزونات من الذهب والنفط ومحاصيل نقدية كالقهـوة، فإنها معتمدة كثيراً على المعونات الغربية. ويقدّم موسيفيني بلاده كقوة استقرار إقليمية، مساهماً بقوات في بعثات إقليمية مثل مكافحة حركة الشباب في الصومال، ما أكسبه دعماً غربياً.

تستضيف أوغندا أيضاً نحو مليونين لاجئ من جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان — أكثر من أي دولة أفريقية أخرى. ومن بين أكبر المانحين الولايات المتحدة، إذ بلغ دعمها التنموي السنوي حوالي 970 مليون دولار، خصوصاً للصحة والإغاثة الإنسانية، رغم توتّر العلاقات بسبب تراجع المعايير الديمقراطية وتجريم العلاقات المثلية. ومع سياسة التخفيض الحاد للمساعدات التي انتهجتها إدارة ترامب الحالية، تأثّرت هذه الأموال عالمياً.

ردود الفعل والآفاق
رغم أن موسيفيني كان المرجّح للفوز، وصف بوبي واين النتائج بأنها «مزورة». وتتجه الأنظار الآن إلى كيفية تموضع أكبر أبناء موسيفيني — موهووزي كاينيروغابا — في المشهد السياسي خلال الفترة المقبلة، وما إذا كانت الخطوات التي جرت أخيراً تمهّد فعلاً لوراثةٍ شبهٍ دينية للسلطة أم أنها مجرد تحصين مؤسساتي بظلال عائلية. قالت كييجا إن الرجل البالغ من العمر 51 عاماً يُجهز بوضوح لتسلّم أعلى المناصب.

الرئيس «الغائب» في كاميرون
يواصل بول بيا، البالغ من العمر 92 عاماً، إدارة شؤون الكاميرون بعد فوزه بفترة رئاسية ثامنة في انتخابات أكتوبر 2025، ما يمدّد حكمه لسبع سنوات إضافية بعدما أُلغيت حدود الولاة في 2008. يتولى بيا رئاسة البلاد منذ 1982، ويشتهر بفترات غياب طويلة عن الأضواء أحياناً خارج البلاد، ما أكسبه لقب «الرئيس الغائب». تتكرر الشائعات حول صحته وحتى وفاته على منصات التواصل، لكن ظهوره القصير على التلفزيون الوطني يقطع دائماً طريق التكهنات.

تقول الناشِطة والسياسية كاه والا، التي خاضت ثلاث سباقات رئاسية سابقة، إن النظام يستغل أداة مركزية في الديمقراطيات — الانتخابات — ليعمّق سيطرته: «نعيش في استبداد انتخابي حيث تمكن الديكتاتور من تحويل الاقتراع إلى وسيلة لبقائه في الحكم». وتضيف أن الهيئة الانتخابية تعمل في الواقع كامتداد لمؤسسات الدولة.

يقرأ  حين يَتعرّفُ المعلمونَ على التاريخِ الكاملِ للأمريكيينَ من أصولٍ آسيويةٍ يَستَفيدُ الطلابُ بفَهْمٍ أعمقَ وتعليمٍ أكثرَ شموليةٍ

يرى باحثون مثل مانو ليكونزي أن حملة بيا الإعلامية المموَّلة جيداً تشتغل بمنطق فرق تسُد بين المجموعات العرقية المختلفة، وتُبرز أن خصومه السياسيين سيمثلون مصالح مجموعاتهم فقط. يعتمد بيا على قاعدة إثنية متماسكة من قبيل البيتي، وحلفاء من الباميلِك-باموس، والفلانديين عبر قربه من الزعماء التقليديين، ما يؤمن له الأكثرية البسيطة اللازمة للاستمرار في السلطة. «هو يؤمن بأنه سيعيش طويلاً»، يقول ليكونزي، «ولديه تكتل إثني سيدعمه دائما».

يُتهم النظام أيضاً باستخدام العنف بشكل انتقائي، بحسب والا، مما يخلق مناخاً يضطر معه المواطنون إلى الرقابة الذاتية لأن الخط الفاصل بين الحرية والعقاب غير معلوم. خلال احتجاجات داعمة لمرشح المعارضة عيسى تشيْروما، قُتل ما لا يقل عن 48 شخصاً على يد قوات الأمن، وفق مصادر أممية، بينما أعلن تشيْروما فوزه ووجد ملاذه في المنفى بعدما انشق عن حكومة بيا لكسب دعم مجموعته الفولانية ومجموعات أخرى.

من جهة أخرى، أدّى قمع الأقاليم الناطقة بالإنجليزية — الجنوب الغربي والشمال الغربي — بعد تظاهرات للمعلمين والمحامين احتجاجاً على التهميش اللغوي والاقتصادي، إلى تصعيد مسلح تحول إلى تمرد مستمر يطالب بعزل منطقة تُعرف بـ«أمبازونيا». لقد أظهرت التجربة أن الإرث الاستعماري البريطاني والفرنسي، الذي دمج كيانين مختلفين بعد الاستقلال، ما زال يفرز اختلالاً لصالح غالبية الناطقين بالفرنسية.

يحيط ببيا نخبة ضيقة تستفيد من الوضع الراهن، من بينها الأمين العام للبلاد فرديناند نغو-نغو، الذي يُنظر إليه كحاكم فعلي من وراء الستار. ومع ذلك، لم يعين بيا خليفة واضحاً أو يجهز وجهاً واحداً موثوقاً لخلافته، ما يثير مخاوف من فراغ سياسي وربما صراعات داخل حزبه والمؤسسة. ترى والا أن فقدانه قد يفتح فترة من «اللااستقراار» لكنّها تؤكد أن الشارع سيكون أداة ضرورية لإيقاف تجذّر النظام إذا لم تُغتنم الفرصة عندها.

النفط، النفوذ الأجنبي، والسلطة في جمهورية الكونغو (برازافيل)
رغم الاحتجاجات وعدم الاستقرار في ساحات عدة أفريقية، فإن انتخابات الحُكم في بلدان مثل الكاميرون وأوغندا لم تُحدث تبدّلاً جوهرياً في القيادات التي رسّخت سلطتها لعقود. وفي جمهورية الكونغو، يستعد دينيس ساسو نغيسو، البالغ من العمر 81 عاماً، للترشح مجدداً في انتخابات مارس 2026 تحت لواء حزب العمل الكونغولي، مكملًا عقداً من الهيمنة السياسية التي تمتد لنحو أربعين عاماً.

صعد نغيسو أول مرة إلى السلطة انتخابياً في 1979، ثم خسر لاحقاً قبل أن يستعيدها بالقوة عام 1997 خلال حرب أهلية دامية، وهو في ما بعد دفع باستفتاء مثير للجدل في 2015 لإلغاء حدود الولاة. ورغم ثروة البلاد النفطية، لا تزال البِنَى التحتية الأساسية متردية بسبب الفساد والمحسوبية، كما يرى أندريا نغومبرت، مؤسِّسة حركة «ساسوفِيت» في المنفى.

ساعدت تحالفات خارجية قوية — وبعضها ناتج عن روابط أسرية — في ترسيخ حكم نغيسو. فقد ارتبطت ابنته الراحلة إديث بونغو بعائلة بونغو الحاكمة في الغابون، كما كان نغيسو حليفاً مقرباً للرئيس الأنغولي الراحل جوزيه إدواردو دوس سانتوس، علاقات أسهمت في تأمين موطئ قدم دولي يعزّز من ثباته الداخلي. عندما عاد ليستولي على السلطة، دعمت ألف قوة أنغولية ميلشيا «نينجا» وساهمت في تأمين نصره.

يقرأ  فريدا كاهلوأبرز لحظات معرضها في متحف الفنون الجميلة بهيوستن

كما حظي الرئيس بدعم فرنسي، إذ زوّدته باريس بالأسلحة أثناء الحرب لحماية استثمارات نفطية في الكونغو، وفق ما قال الناشط نغومبيرت.

«هو لا يكتفي بالعمل على المستوى القاري فحسب، بل يمتد نفوذه إلى مستوى دولي»، قال الناشط.

«يتدخل في شؤون الجميع، ويعرف متى يستخرج أسرارك ليهيمن عليك. الجميع يعلم أنه إذا أردت أن تسير أمورك، لا بد أن يكون نغيسّو إلى جانبك.»

إلا أن تأثير نغيسّو في باريس انحدر منذ 2013، بعد ضغوط من المجتمع المدني أجبرت فرنسا أخيراً على فتح تحقيقات حول أصول عائلته المتعددة في أوروبا والولايات المتحدة. وفي 2022، صادرت السلطات الفرنسية ممتلكات تعود لابنه دينيس-كريستيل ساسو نغيسّو.

وبدلاً من فرنسا، يقول مراقبون إن نغيسّو اتجه إلى الصين.

بكين تعرض على الحكومة قروضاً واستثمارات مباشرة، ويمكنها أن تستخدم حق النقض في مجلس الأمن لحمايته من أي مساءلة محتملة مقابل صفقات نفطية مربحة، بحسب نغومبيرت. كما دافع نغيسّو عن الصين في مواجهة اتهامات بانتهاكات حقوقية في سنجان وهونغ كونغ، ويعارض الاعتراف بتايوان كدولة ذات سيادة.

«في هذا الترتيب، الصين هي القرش والكونغو برازافيل هي السمكة المعلقة — علاقة غير متناظرة لكنها تكافلية، تستفيد فيها واحدة من الأخرى وتزيل عنها الطفيليات الضارة، بينما توفّر الأخرى الحماية من مفترسات أخرى»، أضاف نغومبيرت.

هل الانتخابات الحرة مهددة في أفريقيا؟

في عموم أفريقيا، يرى المراقبون أن ثلاثة قادة وغيرهم استخدموا القوة، وتكتيكات تقسيمية، ودعماً أجنبياً لفرض سلطة والبقاء فيها.

ومن المفارقة، كما يرى المحللون، أنهم أتقنوا أيضاً استخدام الانتخابات — التي ينبغي أن تكون أداة ديمقراطية أساسية — كوسيلة لحرمان المواطنين من حقوقهم السياسية.

«الانتخبات أصبحت طقساً، طريقة لتمرير الإجراءات لغايات هؤلاء القادة، لكنها ليست انتخابات حقيقية تمكّن المواطنين من التعبير عن مواقفهم عبر الصناديق»، قال تينداي مبانجي، خبير الانتخابات في جامعة بريتوريا بجنوب أفريقيا، للجزيرة.

«المؤسسات الانتخابية قد استُولت عليها وانحرفت عن mandatها، والقيادات المسؤولة عنها تفتقر إلى النزاهة، فمعظمهم تعيينات سياسية»، أضاف.

ومع ذلك، ورغم هذا المشهد الكئيب، ليست لدى الدول الأفريقية رفاهية التخلي عن الانتخابات: لا يستطيع المواطنون التوقف عن التصويت أو عن المطالبة بشروط انتخابية نزيهة، كما حذّر.

«لا ينبغي أن نتخلى عن الانتخابات لأنها تبقى الوسيلة الشرعية الوحيدة التي يعبّر بها المواطنون عن اختيارهم»، قال مبانجي.

«ما يجب على الناس القيام به هو المقاومة — من خلال الاحتجاجات، والتعبئة القانونية. يجب على قادة المعارضة، والحركات المدنية، والقيادات الدينية أن تنهض كلها في وجه هذا الظلم.»

أضف تعليق