في مطلع العام، شرع شريحة من الرجال الألمان الذين أتموا الثامنة عشرة في تلقّي استمارة إلزامية تُسجّل مدى لياقتهم للخدمة العسكرية، بمقتضى قانون أُقِرّ الشهر الماضي.
الالتحاق بالجيش يظل طوعياً في الوقت الراهن، لكن القانون يمنح الحكومة قدرة فرض الخدمة الإلزامية لتحقيق هدفها المعلن: بناء أقوى جيش في أوروبا لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
قصص موصى بها
في نوفمبر الماضي بلغ عدد الأفراد العاملين في الخدمة الفعلية 184,000 جندياً، أي بزيادة نحو 2,500 عن مايو، حين أعلن المستشار فريدريش ميرتس أمام البرلمان أن قوات الجيش (البوندسفير) “ينبغي أن تصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا”.
«إنه أكبر حجم لها منذ زمن طويل، وهو بالفعل أقوى قوة شهدناها منذ 2021»، قال تيمو غراف، باحث أول في مركز تاريخ القوات المسلحة والعلوم الاجتماعية التابع للبوندسفير في بوتسدام، في تصريح لقناة الجزيرة.
تحاول الحكومة جذب المتطوّعين بعقود مدتها 23 شهراً برواتب ومزايا سخية، ثم إتاحة تحويل هذه العقود إلى خدمة مهنية دائمة. «الراتب 2,600 يورو، وبما أن السكن والتأمين الصحي مجّانيان، سيبقى لديهم بعد الضرائب والخصومات نحو 2,300 يورو. هذا مبلغ كبير لشباب كثيرين»، أوضح غراف.
ألمانيا التزمت أمام الناتو الوصول إلى 260,000 عنصر في الخدمة الفعلية بحلول 2035، ومضاعفة قوة الاحتياط إلى 200,000. سيقربها ذلك من الجيش الذي كان يقارب نصف مليون جندي في نهاية الحرب الباردة.
أثار هذا التطور استياء موسكو. قال السفير الروسي لدى ألمانيا، سيرغي نيتشاييف، في مقابلة مع بوابة أخبار ألمانية الشهر الماضي: «الحكومة الألمانية الجديدة تسرّع الاستعدادات لمواجهة عسكرية شاملة مع روسيا».
من منظور برلين، فإن رفض روسيا الانسحاب من أوكرانيا هو ما غذّى الإرادة السياسية لإنفاق 108 مليارات يورو هذا العام لإعادة بناء القوات المسلحة — ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من ضعف موازنة 2021 التي بلغت 48 مليار يورو. «في غضون عام واحد ارتفعت نسبة التأييد لزيادة الإنفاق الدفاعي من 58% إلى 65%»، قال غراف.
بحلول 2030 من المقرّر أن تنفق ألمانيا 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع.
استطلاع ديسمبر الذي أجرته «بوليتباروميتر» أظهر أن ثمانية من كل عشرة ألمان مقتنعون الآن بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير جاد في التوصل إلى اتفاق سلام في الحرب بأوكرانيا، وكثيرون بدأوا يصدّقون تحذيرات المخابرات من أن روسيا تخطّط في نهاية المطاف لتوسيع حربها لتشمل دول الناتو. «عُرض عام 2029 كتاريخ محتمل لهجوم روسي على الناتو، فأصبح مرجعاً لدى الناس»، أضاف غراف. «نلاحظ خلال سنوات الحرب الأربع الماضية أننا كنا نسير وكأننا نائمون، من دون إدراك خطورة الوضع. مستقبل أوروبا معني هنا».
ألمان يفقدون الثقة في الولايات المتحده تحت حكم ترامب
إدراك الخطر الروسي جانب واحد من المعادلة؛ المجتمع الألماني شهد تحولاً موازياً في فقدان الثقة بالولايات المتحدة خلال السنة الماضية. استطلاع أجرته القناة الحكومية ZDF في يونيو 2025 سأل الألمان: “هل ستستمر الولايات المتحدة في ضمان أمن أوروبا ضمن حلف الناتو؟” أجاب 73% بلا؛ وبحلول ديسمبر ارتفعت هذه النسبة إلى 84%.
تسعة من كل عشرة ألمان يرون الآن أن النفوذ السياسي الأميركي في أوروبا ضارّ، خشية تشجيع أحزاب يمينية متطرفة موالية لروسيا، كما حدث خلال الانتخابات الفيدرالية الألمانية في فبراير من العام الماضي. وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس حدّث مع المستشار فريدريش ميرتس في مبنى البوندستاغ عقب اجتماع جرى بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين وممثلين عن الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والولايات المتحدة في برلين.
استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي نشرها الرئيس دونالد ترامب في نوفمبر الماضي حذّرت أوروبا من «محو حضاري»، معتبرة أن التنظيمات المفرطة من بروكسل وسياسات الهجرة التي «تحوّل القارة وتثير النزاعات، وتقيد حرية التعبير وتكمّم المعارضة السياسية، وتؤدي إلى هبوط معدلات الولادة وفقدان الهويات والثقة بالنفس» — مواقف قومية متطرفة تتقاطع مع الخطاب اليميني في أوروبا.
«لقد أدركوا… أن ترامب لا يهتم بمساعدة ألمانيا على الإطلاق»، قال الجنرال بن هودجز، القائد السابق للقوات الأميركية في أوروبا. «كانت استراتيجية الأمن القومي مريعة… كانت بمثابة إهانة صارخة من ترامب لأوروبا»، أضاف في مقابلة مع الجزيرة.
انعدام الثقة في واشنطن وصل إلى حد أن ستة من كل عشرة لا يثقون بقدرة الردع النووي الأميركي، وثلاثة أرباعهم يفضّلون أن يُستبدل هذا الردع بقدرة أنجلو-فرنسية. «أولئك الذين يثمّنون الناتو ومن يؤيّدون الاتحاد الأوروبي يتقاطعون في فكرة “ناتو أوروبي”»، يقول غراف. «الألمان لا يزالون يقدّرون الناتو كمنظمة دفاعية، لكنهم لا يثقون أن الأميركيين سيلعبون دورهم ضمنه، ويدعمون فكرة ناتو أوروبي».
أظهرت استطلاعات البوندسفير أن التأييد لفكرة جيش أوروبي — التي كانت دائماً هشة في ألمانيا، التي بُني من أجل أمنها حلف الناتو عام 1949 — قفزت خلال العام الماضي بعشرة نقاط إلى 57%.
هل ستحقق ألمانيا الهدف؟
تعهد ميرتس ليس جديداً. سلفه، الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس، سبق أن وعد ببناء أقوى جيش أوروبي في 2022، سنة بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. حصل شولتس حينها على موافقة البرلمان لصندوق استثنائي بقيمة 120 مليار دولار لزيادة الإنفاق الدفاعي، لكن الأموال الإضافية بدأت تتدفق فعلياً لاحقاً في 2024.
آنذاك برّرت الحكومة التأخير بالإجراءات البيروقراطية، لكنه ثمة من يرى وجود عقبات ثقافية أيضاً. «لم تُنظر إلى البوندسفير بصورة إيجابية، ولذلك لم يكن أحد في أحسن حالاته ليختارها مهنة»، قالت مينا ألاندر، باحثة زميلة في مركز تحليلات السياسات الأوروبية المتخصصة في الأمن والدفاع، للجزيرة. «فأصبحت مهنة مميزة بعض الشيء، ربما أكثر لأولئك الذين يميلون إلى الجناح اليميني من الطيف السياسي».
«الألمان المتعلمون وكبار السن نشأوا وهم يسمعون مدى فظاعة ألمانيا النازية»، قال الجنرال هودجز، الذي يعيش الآن في ألمانيا. «وبالنسبة للألمان الأكبر سناً الذين كانوا أطفالاً أثناء الحرب، فإن أسوأ كابوس بالنسبة إليهم سيكون حرب مع روسيا، أو حرب من دون الولايات المتحدة.»
لكن التصورات تغيّرت بسرعة منذ عام 2022.
تولى فريدريش ميرتس السلطة وهو يدين كلّاً من موسكو وواشنطن، مطالباً بـ«استقلال» عن الولايات المتحدة. وبحلول توليه المنصب، كان البرلمان قد أقرّ بالفعل تعليق حدود العجز الدستورية لمنحه زيادة هائلة ودائمة في الإنفاق الدفاعي. وفي الشهر الماضي وافق البرلمان على مشتريات دفاعية بنحو 60 مليار دولار. باتت الدفاعات من اولويات الحكومة.
«لا نعتمد أبداً على العمليات الأوروبية»
يرى المحلّلون أن السرديات الموالية للكرملين ستسعى لاستغلال أي شكوك كامنة. «الحساسية تجاه التجنيد الإجباري عنصر يحمّله الروس في رواياتهم الدعائية لاستهداف مجتمعات كثيرة في أوروبا»، قالت فيكتوريا فدوفيتشينكو، خبيرة الحرب الهجينة في مركز الجغرافيا السياسية بجامعة كامبريدج. «ألمانيا واحدة من تلك المجتمعات، لذا سترى قفزة في التغطية الإخبارية حول مدى فداحة إرسال الألمان لأبنائهم ليُقْتَلوا»، أضافت في حديثها للجزيرة.
وتحذّر أيضاً من المدة التي ستستغرقها الأموال والإرادة السياسية حتى تتحوّل إلى قدرة صناعية وقوة فعلية.
تعهد المستشار شولتس بتشكيل لواء للدفاع عن فجوة سوفالكي، الرقعة الليتوانية الضيقة المعرّضة بين بيلاروسيا وكالينينغراد، الإقليم الروسي المطّل على بحر البلطيق، لكن تجنيده وتدريبه وتجهيزه لا يزال جارياً.
«لسنا أغبياء، لذا لا نعوّل أبداً على العمليات الأوروبية، ولا نتوقع أن يأتي أحد كإله لينصرنا»، قالت فدوفيتشينكو، وهي أوكرانية. «نحن ندرك تماماً أن شعبنا سيكون دوماً في طليعة المواجهة.»