دير الزرو، سوريا — على السهول الواسعة المعرّضة للرياح والتي ينساب عبرها نهر الفرات، تتذكّر الأرض كلّ حرب اجتازتها. تربتها الغنية بالنفط في حقل العمر، توربينات سدّ الطبقة، وعودة العوائل بحذر إلى بلدات طالها الإهمال لسنوات، كلها رواية قديمة ترتبط بجوهر سوريا: رواية عن السلطة والبقاء والنضال من أجل توحيد بلدٍ مفكك.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، سيطرت القوات الحكومية السورية على حقل العمر النفطي، وعلى مجمع كونوكو للغاز — وكِلانهما في محافظة دير الزور — وكذلك على سدّ الطبقة في محافظة الرقة. اتخذت العملية طابع الإنجاز العسكري، لكنها تتجاوز الخرائط وخطوط الجبهات؛ فهي تلمس بُنية الاقتصاد السياسي في سوريا، والعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، والهندسة الهشة للاتفاقات التي وُضعت للمصالحة بين أطراف كانت فيما مضى على عداء.
قوات سوريا الديمقراطية (قسدّ)، التي كانت تسيطر سابقاً على تلك المناطق وعلى عموم شمال شرق سوريا، أدركت سريعاً حجم التحدّي الذي واجهته. وبحلول مساء الأحد أعلن الرئيس أحمد الشراع أنَّ اتفاقاً قد تَمَّ التوصل إليه مع القوّات الكردية.
«المؤسساتِ الدّولية ستدخل المحافظات الشرقية والشمالية الشرقية الثلاث — الحسكة ودير الزور والرقة»، قال الشراع.
قلبٌ ممزّقٌ بالحرب
في شرق سوريا، كانت الهيدروكربونات طويلاً شريان حياة ومحور نفوذ اقتصادي. قبل اندلاع الصراع في 2011، كان النفط والغاز يشكلان نحو عشرين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا. خلال الحرب تحوّلت هذه الحقول إلى العمود الفقري لاقتصادٍ حربيٍ مُجزأ، استُغلت من قِبل مجموعات مسلّحة وأعيد توجيهها لخدمة ميليشيات محلية. لذلك، فإن استعادة هذه الحقول ليست مجرّد رمزية—بل هي شرط أساسي للتعافي المالي.
قال لبيب النحاس، مدير “الجمعية السورية لكرامة المواطن”، إنّ الخسائر الإقليمية السريعة التي تكبدتها القوّات الكردية تردّد صدى سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2024. «قسد تنهار بطريقة مشابهة لانهيار [النظام] في دمشق»، وأضاف أن العمر والطبقة وتشرين محورية للتعافي الاقتصادي، ليس فقط لاسترجاع الموارد كالنّفط والغاز، بل «لأنّ لها تأثيراً هائلاً على الأسعار ومستويات المعيشة».
رَضوان زيادَه، باحث أول في المركز العربي واشنطن، قال إنّ السيطرة على الموارد الطبيعية وحدها لا تكفي لدفع سوريا قدماً، لكنها خطوة في الاتجاه الصحيح. «لا يزال من المبكر القول بوجود فوائد ملموسة من هذا التقدم»، أوضح، مضيفاً أن حقول النفط والغاز تتطلب استثمارات دولية كبيرة لتفكيك كامل إمكاناتها. «بمفردها لا تستطيع أن تؤمّن التعافي. والأهم من ذلك، أنّ هذه خطوة مهمة نحو توحيد سوريا. هذه المرّة الأولى التي تُوحَّد فيها البلاد تحت حكومة واحدة منذ 2013. قبل ذلك كانت مقسّمة بين فصائل الجيش الحرّ، وحكومة الأسد، ولاحقاً تنظيم الدولة الذي مزّق البلاد أكثر».
اتفاق مارس
في مارس 2025، وقّع مظلوم عبدي — المعروف بمظلوم كوباني — قائد قوّات سوريا الديمقراطية، واتفاق الشراع إطاراً يهدف إلى دمج المجموعة داخل هياكل الدولة مع حماية الحكم المحلي والحقوق الكردية. في ذلك الوقت وصف عبدي الاتفاق «بفرصة حقيقية لبناء سوريا جديدة تحتضن مكوّناتها كلها»، مؤكداً أنّ «لن تكون هناك جيوش خارج الدولة»، وهو كلام يعكس قبولاً ببناء عسكري موحّد مع استمرار المخاوف على الحماية الذاتية الكردية.
من جهته، قدّم الشراع الاتّفاق بوصفه تأكيداً لسيادة الدولة أولاً، والحقوق ثانياً — نقطة ستثبت أنها حاسمة في الأشهر اللاحقة. في نوفمبر التقى الشراع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وأصبحت سوريا شريكاً في الحرب ضد تنظيم الدولة، ما أضعف حجّة القوّات الكردية بأنها الحليف الأمريكي الوحيد في القتال ضد التنظيم. كما أتاح الاتفاق لقوات الشراع فرصة توطيد اتفاقاتها مع مقاتلين عرب رغبوا في الانشقاق عن القوّات الكردية والالتحاق بدمشق، ووجّه أيضاً بادرة سلم إلى مدنيين أكراد أنهكهم الحرب ويرغبون في انتهاء الاقتتال.
إلا أنّ تنفيذ اتفاق الحكومة — القوّات الكردية تعثّر بحلول أواخر 2025. تصاعدت الخلافات الإقليمية والإدارية، وتقدمتْ القوات السورية إلى أراضٍ كانت خاضعة لسيطرة القوّات الكردية.
دور العشائر الحاسم
بينما شكّلت السياسة الخارجية الخلفية العامة، كانت الديناميات العشائرية المحلية حاسمة في إعادة تشكيل السيطرة. على مدار العام الماضي استثمرت دمشق بكثافة في استمالة العشائر العربية في دير الزور والرقة التي شعرت بالاستياء من إدارة القوّات الكردية. وكانت العشائر قد تصاعد استياؤها أيضاً من تأخر تنفيذ بنود اتفاق مارس.
في اجتماع شيوخ قبائل شرق سوريا في 17 يناير، استعرض المشاركون تبعات عدم تنفيذ بنود الاتفاق في مواعيدها، بما في ذلك التأثيرات السياسية والأمنية المحتملة على المنطقة. شدّد عدد من شيوخ العشائر على ضرورة منع التصعيد والالتزام بالاتفاقات لتحقيق الاستقرار، ودعوا القوّات الكردية إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. وقد عبّرت العشائر عن استيائها من القوّات الكردية، وبمجرد ما توفّرت الفرصة تحرّكت لطردها من مجتمعاتها.
وقال مصدر في «قوات العشائر السورية»، تحالف القبائل العربية السورية، لشبكة الجزيرة مساء الأحد: «المناطق جنوب الحسكة، من سور إلى الشدادي، خالية من قوات القوّات الكردية».
التأثير الخارجي
تسارع تفكك اتفاق مارس بفعل تحوّل الديناميات الإقليمية أيضاً. الولايات المتحدة — الشريك العسكري الطويل الأمد — قلّصت دورها ليقتصر على عمليات مكافحة تنظيم الدولة، ما ترك القوّات الكردية بلا الدعم العسكري الخارجي الذي اعتمدت عليه. وبدون وجود أمريكي رادع، توفّرت لدمشق مساحة لتوطيد سلطة شرق الفرات، العمود الفقري لإقليم القوّات الكردية. من جهتها، ظلت تركيا حذرة دوماً من أي شكل من أشكال الاستقلال الكردي، وهو عامل إضافي أثّر في معادلات المنطقة. دعم سريع من أنقرة والرضا الضمني
سرعان ما أيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحركات الشرّاع ضد قوات سوريا الديمقراطية، ورحّب بالإعلان عن الاتفاق الذي جرى يوم الأحد. لم تُستعاد هذه المناطق بالقوة فقط، بل أيضاً بموافقة ضمنية من حلفاء دوليين وإقليميين ومجتمعات منهكة من الحرب، شعرت بالاغتراب نتيجة الانقسامات العربية–الكردية.
الطاقة والمياه كرافعات للسلطة
السيطرة على حقل العمر النفطي ومجمّع غاز كونوكو وسد الطبقة ليست مجرد رمزية. سد الطبقة، أكبر منشأة للكهروماء في البلاد، يتحكّم اليوم بتوليد الكهرباء والري في مساحات شاسعة من شمال وشرق سورية؛ فالكهرباء هناك تعني حياة — تشغيل مستشفيات ومدارس وأنشطة صناعية.
لكن الإمكانات الحقيقية لهذه الموارد ما تزال غير مستغلة بالكامل. إعادة الإعمار والاستثمار الدولي ضروريان لتحويل البنى المستعادة إلى قدرة دولة دائمة. وفي الوقت ذاته، تقلّص سيطرة قسد على مناطق غنية بالموارد يضعف استقلالها المالي ويقيد قدرتها على الحكم المحلي. كما لاحظت زياде من المركز العربي للأبحاث، هذه اللحظة تتعلق أقل بالعائد الاقتصادي الفوري، وأكثر بترسيخ سلطة الدولة وتوحيد الأراضي.
من المتوقع أن تتراجع قسد نحو محافظة حسكة، حيث الجذور التاريخية للأقلية الكردية ومصادر الدعم البشري والسياسي والاقتصادي.
تحولات بشرية واجتماعية
التقدّم الحكومي شرقاً يعيد تشكيل النسيج المجتمعي؛ الآلاف نزحوا من حلب والرقة والطبقة. يواجه الأكراد تبايناً بين ضمان المواطنة الذي أعلنه الشرّاع في مرسوم رئاسي بتاريخ 16 يناير، وتآكل قدرة قسد السياسية على الحكم الذاتي. أما القبائل العربية فتعيد ترتيب تحالفاتها، موازنةً بين المصالح المحلية والسلطة المركزية الجديدة.
القبائل الرئيسة — الأكيدات، البكارة، الجبور، العنزة، شمر، بني خالد، البوشعبان، البحماد والبعقارة — تمثل الفاعل الأساسي في دير الزور والرقة والحسكة، ولاءاتهم غالباً ما تكون عملية وتتبنّى من يحكم المنطقة. يبدو أن قوات الشرّاع تتمتع الآن بالندية أو اليد الطولى.
العقد الاجتماعي، الهش قبل الحرب، يُعاد تفاوضه في زمن حقيقي، في ظل حرمان مادي ووعود سياسية. للحفاظ على التحالفات ومنع انشقاقات، سيضطر دمشق إلى تقديم رعاية ملموسة والإظهار بأنها تهتم. مدى انحياز مزيد من السكان للحكومة سيعتمد على التحسّن الأمني، وشمولهم سياسياً، وحالة الاقتصاد.
التحديات الاقتصادية والإدارية
يتوقع النحاس أن يكون الأثر على ظروف المعيشة “هائلاً” لكنه ليس فورياً؛ إذ يشدّد على أهمية إدارة التوقعات لأن التعافي سيأخذ وقتاً. ويمكن للسيطرة المركزية والاستقرار أن يشجعا الاستثمار الأجنبي في النفط والغاز والكهرباء، بشرط الحد من الفساد وتحسّن الحوكمة.
بعد استعادة مواقع الطاقة الحيوية، قد تتحسّن تكلفة وتوافر الكهرباء، لكن ذلك مرتبط بكيفية إدارة المنشآت—سرعة إعادة تشغيلها رغم بنى تحتية متدهورة، كفاءة فرض السيطرة، وشفافية إدارة الأصول.
لا ثروات نفطية سريعة
يقول محمد أحمد، اقتصادي ومتخصص في الطاقة لدى كرام شار أدفايزوري ليمتد، إنه بينما الحقل العمر “قابل فنياً للاستثمار”، فقد تدهورت إنتاجيته إلى نحو 14,200 برميل يومياً وتعرضت الخزانات لإجهاد كبير. الاستيلاء الحكومي في أواخر 2025 أعاد تحصيل أصل متضرر بشدّة؛ وتأهيله يواجه عوائق فنية ومالية ضخمة، ما يبرز التكلفة الاقتصادية الطويلة للحرب.
تاريخ حقل العمر مؤلم: من منتج قريب من 90 ألف برميل يومياً واحتياطيات أصليّة تقدر بـ760 مليون برميل من خام خفيف عالي الجودة، إلى حقل متلف بفعل عقد من الصراع، استُخدم كمحرّك مالي لتنظيم الدولة وضُرب بقصف جوّي مستهدف، ما ألحق أضراراً مدمّرة تتجاوز 800 مليون دولار.
توحيد هشّ لكنه قائم
في دير الزور والرقة وحلب، تعمل بنى الطاقة بتفاوت. يعيش السوريون في الشمال الشرقي بين وعد حكومة موحّدة وحذر عقود من الإحباط؛ مستقبلهم مرتهن لتقاطع الطاقة والسياسة والصمود الإنساني. الواقع الاقتصادي، والشكوك المتبقية، وتداخل الأدوار الأجنبية تجعل من مسيرة التوحيد أمراً هشّاً.
ورغم ذلك، وللمرّة الأولى منذ 2013 تبدو سورية إلى حدّ بعيد موحّدة تحت حكومة واحدة. وأضافت زيادة أن إدماج الحقوق والحريات الاجتماعية للأكراد يرقى بهذا الإنجاز إلى ما هو أكثر من نصر عسكري أو تبنّي حدود، “بإعلان إدراج حقوق الأكراد والحريات الاجتماعية ضمن إطار الدولة السورية، نرى لأول مرة حكومة توحيدية في سورية؛ وهذا أهم ما يمكن استخلاصه من هذا التقدّم السريع.”
تظهر التقدّمات الميدانية عودة السلطة المركزية، واندماجاً جزئياً بين فاعلين أكراد وعرب، واستئناف السيطرة على شرايين اقتصادية رئيسية. المجالس القبلية أثنت على المراسيم الشاملة؛ عبدّي يواصل التنقل في مشهد سياسي متحول؛ والشرّاع يؤكد السيادة مع صيغة شاملة.
لكن استعادة شمال شرق سورية ليست مسألة انتصارات عسكرية أو مراسيم فقط؛ إنها استعادة ثقة، والحفاظ على دعم محلي، وإدارة دقيقة للتوازن بين الوحدة والتمتع بقدر من الحكم المحلي. النفط والسد والغاز والقوانين رموز لما يمكن أن يتحقق، وفي الوقت نفسه تذكير بمدى هشاشة سلطة الدولة في أرض مزّقها الصراع طويلاً.
نهر الفرات شاهد ومحكّ؛ يبقى السؤال ما إذا كانت ضفّتا الشرق والغرب قادرتين على التعاون من أجل سورية موحّدة بعد أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد. لم أجد نصًا مرفقًا في رسالتك. من فضلك ألصق النص الذي تريد إعادة صياغته وترجمته إلى العربية بمستوى C2 وسأباشر العمل عليه فور استلامه.