المملكة المتحدة مستعدة الآن لتقويض مؤسساتها من أجل حماية إسرائيل

أُعلن يوم الجمعة عن تقاعد كريغ غيلدفورد، رئيس الشرطة في منطقة ويست ميدلاندز بالمملكة المتحدة. قرار انسحابه جاء نتيجة ما وصفه بـ«الهيستيريا السياسية والإعلامية» التي أحاطت بحظر حضور مشجعي نادي مكابي تل أبيب لمباراة فريقهم أمام أستون فيلا في برمنغهام.

قبل أيام، صرحت وزيرة الداخلية شبانا محمود بأنها «فقدت الثقة» في قيادة غيلدفورد بعد ضغوط سياسية وإعلامية مستمرة؛ وهي المرة الأولى منذ عقدين التي يقوم فيها وزير داخلية بمثل هذا الإعلان. استغلّ الوزراء وقطاعات واسعة من الإعلام هذا الملف لتأطيره كفضيحة أخلاقية، بل وكعار وطني.

لكن ما جرى لم يكن فضيحة فساد أو قضية تعذيب أو تغطية شرطية، بل كان تقييمًا للمخاطر. مزق الإعلام البريطاني والمسؤولون النصائح الداخلية التي استندت إليها قرار منع مشجعي مكابي تل أبيب من دخول فيلا بارك في نوفمبر، وفي فعلهم هذا بدا أن الدولة البريطانية انحازت عمليًا إلى مشجعي نادٍ إسرائيلي على حساب شرطتها الخاصة.

اعترفت شرطة ويست ميدلاندز لاحقًا بوجود أخطاء في تقييمها. ينبغي تدوين تلك الأخطاء، لكن مع وضعها في حجمها الصحيح؛ فهي لا تثبت بالضرورة سوء نية أو مؤامرة أو تحيّزًا متعمدًا. دورية مراجعة مستقلة لم تجد دليلاً على أن الضباط تأثروا بمعاداة السامية أو بنية خبيثة — بعدُ هذا الاستنتاج طغى عليه صخب آلة الغضب العام.

ما طُمِسَ باستمرار في التغطية الإعلامية هو السياق. هناك عنصر بلطجي داخل جمهور مكابي تل أبيب سجَّل تاريخًا طويلاً وموثقًا من السلوك العنيف والعنصري، وشمل ذلك هتافات معادية للفلسطينيين صراحةً. هذه الواقعة ليست ادعاء هامشيًا أو اختراعًا مؤخرًا، بل معروفة منذ عقود، حتى داخل إسرائيل نفسها.

استند تقييم الشرطة للمخاطر إلى أعمال عنف وقعت حول مباراة لمكابي تل أبيب في أمستردام عام 2024، حين امتد الاضطراب إلى أحياء المدينة وتعرض السكان المحليون لهجمات، وسمِعَت هتافات عنصرية تمجد الجيش الإسرائيلي وتعرضت الرموز الفلسطينية للتخريب. جرت هذه الأحداث في سياق ما يحدث في غزة من جرائم واسعة وقتل جماعي ونزوح، وفي زمن غاضب عالميًا من القتل الجماعي والتجويع والتشريد. في هذا الإطار، كان اتخاذ قرار يفضِّل الحيطة قرارًا شرطياً لا يثير الدهشة أو يشير بالضرورة إلى دوافع شريرة.

يقرأ  اعتُقل مواطنان صينيان في جورجيا بتهمة محاولة شراء اليورانيوم

معاداة السامية حقيقة خطيرة ومتزايدة عالميًا ويجب مواجهتها بكل جدية. لكن اختزال الهوية اليهودية في دعم نادٍ إسرائيلي ومعاملة أي تمحيص لقاعدته الجماهيرية كمرتكب افتراضي لا يسهم في مكافحة معاداة السامية؛ بل يحوِّلها إلى سلاح ضد خصوم سياسيين ويثير الشبهات حول المجتمعات المسلمة ويقوّض الثقة بالمؤسسات العامة.

ما يبرز في رد الفعل السياسي على هذه القضية هو أن حظر المشجعين لأسباب تتعلق بالسلامة ليس نادرًا في المملكة المتحدة. فقد منعت السلطات البريطانية غالبًا مشجعين بريطانيين من حضور مباريات داخل البلاد أو خارجها استنادًا إلى سمعتهم في العنف والشغب.

لطالما قُبِلت هذه التدابير الجماعية والوقائية كجزء من سياسة الحفاظ على النظام العام؛ ولم يطلق وزراء صرختهم حول التمييز، ولم تُطارَد رؤساء الشرطة، ولم تُعلَن أية أزمة وطنية.

الفرق هنا ليس مبدئيًا، بل سياسي.

بالنسبة للفلسطينيين، تندرج هذه الحادثة في نمط أوسع وموجع. لنحو عامين وأكثر، تنفذ إسرائيل إبادة جماعية في غزة: عشرات الآلاف قُتلوا، ومعظم السكان شُرِّدوا، ودُمرت منازل ومستشفيات ومدارس وجامعات، وفُرض التجويع كوسيلة حرب. وحذّر خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وكان رد بريطانيا ثابتًا: تأجيل، مواربة، وحماية.

لم تُفرض حظر تصدير أسلحة، ولا عقوبات، ولا محاسبة ذات أثر ملموس لإسرائيل.

النمط الظاهر في برمنغهام هو نفسه الذي يوجِّه رد بريطانيا تجاه غزة: حين تتعرَّض المصالح الإسرائيلية للإزعاج تتحرَّك الدولة بسرعة. حين يُقتل الفلسطينيون، تُدعى إلى ضبط النفس. أما من يحاولون داخل بريطانيا تعطيل سلاسل توريد أدوات إبادة، فيُلاحَقون قضائيًا؛ وبعضهم يقبع الآن في السجون وبعضهم يخوض إضرابًا عن الطعام.

هذه هي الحقيقة التي تواجه ناشطي «فعل فلسطين» اليوم. ومن هنا يطرح السؤال المركزي نفسه بلا مهرب:

يقرأ  ارتفاع حصيلة قتلى انهيار مدرسة في إندونيسيا إلى 14 بعد العثور على مزيد من الضحايا— أخبار البنية التحتية

إن عجزت الحكومة البريطانية عن تحمل قرار شرطي يزعج ناديًا إسرائيليًا، فلن تواجه إسرائيل على جرائم القتل الجماعي. وإن كانت مستعدة لتقويض مؤسساتها لإظهار الولاء، فلن تُقَدِّم العدالة لمن يتحدون هذا الإفلات من العقاب.

لا تهمّ الجلبة حول مباراة في ملعب برمنغهام لما حصل هناك فحسب، بل لأنها تكشف كيف تعمل السلطة: من تُعتبر مخاوفه مشروعة، ومن تستدعي معاناته تحركات، ومن تُبرر حياته وتُسوِّغ تجاهله.

والرسالة للفلسطينيين لا تقبل اللبس: في ظل هذه الظروف، العدالة ليست مؤجلة فقط؛ إنها مَسلوبة ومُنكرة.

الآراء المعبر عنها هنا هي آراء صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق