في عصر الأسلحة النووية، أفرَز توازن الردع قناعة مفادها أن الحرب الشاملة قد تؤدي بسهولة إلى تصعيد نووي، فاختارت الولايات المتحده خوض صراعات هجينة بدلاً من المواجهة المباشرة.
خلال الأسابيع الأخيرة ظهرت نماذج واضحة لهذا النمط في فنزويلا وإيران؛ تم توجيه الضغوط عبر مزيج من عقوبات اقتصادية خانقة، ضربات عسكرية محدودة، حروب إلكترونية، تأجيج الاضطرابات وحملات تضليل إعلامي مستمرة. كلا الصراعين ظاهرهما طويل الأمد ومخططان لهما على مستوى الاستخبارات، وقد شهدتا تصعيداً جديداً سيؤدي بلا شك إلى مزيد من الفوضى.
علاقة واشنطن بفنزويلا امتدت عقوداً ولها هدفان بارزان: السيطرة على احتياطيات النفط الضخمة في حزام أورينوكو والإطاحة بحكم يساري قائم منذ 1999. تعود حرب الولايات المتحدة الهجينة ضد فنزويلا إلى محاولة الانقلاب عام 2002 التي دعمتها وكالة الاستخبارات، وعندما باءت تلك المحاولة بالفشل تجهّزت واشنطن بأدوات أخرى مثل العقوبات، مصادرة احتياطيات العملة الصعبة وعمليات مقصودة لإضعاف إنتاج النفط حتى انهار القطاع. ورغم الدمار الاقتصادي والسياسي الذي أحدثته سياسات خارجية متتابعة، بقيت السلطة الحاكمة صامدة.
في تطور تصاعدي أخيراً اتخذت إدارة دونالد ترامب إجراءات أشد عدوانية: ضربات جوية ضد كاراكاس، عمليات منسوبة لاختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، مصادرة شحنات نفط وفرض حصار بحري — وهي أفعال تقترب من مستوى الحرب المفتوحة. ثمة أيضاً منافع سياسية ومادية لجماعات مانحة داعمة لسياسات مؤيدة لإسرائيل تسعى للاستحواذ على أصول نفطية.
أما المصالح الصهيونية فتجد في الإطاحة بالحكومة الفنزويلية مصلحةً أيضاً لأنها طالما أظهرت دعماً للقضية الفلسطينية وحافظت على علاقات وثيقة مع إيران؛ وقد رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالعمليات الأميركية واصفاً إياها بـ«العملية المثالية».
إلى جانب ذلك، تتصاعد في الوقت نفسه الحرب الهجينة ضد إيران بمشاركة واشنطن وتل أبيب، حيث يمكن أن تتضمن حملات تقويض داخلي، ضربات جوية واغتيالات محددة. الفارق مع فنزويلا هو سهولة امتداد الصراع الإيراني إلى حرب إقليمية مدمرة، بل وإلى مواجهات أوسع. دول الخليج بذلت مساعي دبلوماسية مكثفة لإقناع إدارة ترامب بالتراجع وتجنّب الخيار العسكري.
تاريخ التدخل الغربي في إيران أطول وأعمق؛ بدايته الفعلية تعود إلى 1953 عندما أمم محمد مصدق النفط متحدياً شركة النفط الأنغلو-فارسية. أُديرت عملية الإطاحة بمصدق — «أياكس» — عبر تعاون بين وكالة الاستخبارات المركزية وMI6، مستخدمةً دعايات، أعمال شغب وتدخلات سياسية لإعادة محمد رضا بهلوي وتوطيد سلطته. دعمت الاستخبارات الغربية جهاز القمع الشهير (سافاك) الذي قمع المعارضين بالقمع والمراقبة والاعتقال والتعذيب، ما ساهم في تفاقم الاحتقان الذي انفجر بالثورة عام 1979 وصعود آية الله روح الله الخميني. أزمة الرهائن التي أعقبت استقبال الولايات المتحدة للشاه للعلاج سممت العلاقات بين البلدين لفترة طويلة.
منذ ذلك الحين، راحت سياسات واشنطن تهدف إلى إضعاف إيران وإخضاعها سياسياً واقتصادياً؛ شملت هذه السياسة دعم العراق خلال الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، والتي تسببت بمئات آلاف القتلى لكنها فشلت في إنزال النظام الإيراني.
الغاية الأميركية الإسرائيلية ليست تسوية تفاوضية تُنطق إيران بالمكانة الدولية مع ضبط برنامجها النووي، بل إبقاؤها منهكة اقتصادياً ودبلوماسياً وممزقة داخلياً. في هذا الإطار جاء قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي (اتفاق عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة فعلياً في 2018) ليقوض آفاق التسوية ويفتح الباب أمام مزيد من العقوبات والضغط.
فهم أدوات الحرب الهجينة يبيّن سر تناوب الخطاب بين تهديدات عسكرية ووعود سلام زائفة؛ فهذه الطريقة تستند إلى التناقضات والالتباس والخداع المنهجي.
حتى عندما تبدو مؤشرات خفض التصعيد لوجود مفاوضات محتملة، فقد تسبقها أو تتبعها ضربات عسكرية مفاجئة — وهو ما يجعل أي علامات تهدئة مشروطة وغير مضمونة.
توضح حالات فنزويلا وإيران مدى إدمان واشنطن وتل أبيب على أساليب الحرب الهجينة: أجهزة الاستخبارات، الأجهزة الأمنية، شركات المقاولات العسكرية وتحالفات مقربة هي من ولّدت الاضطراب في أميركا اللاتينية والشرق الاوسط لعقود.
نتيجة هذا المسار كانت تشويه حياة مئات الملايين، عرقلة التنمية، إيقاظ موجات رعب وتهجير جماعي. المليارات التي أنفقت على عمليات علنية وسرية لم تثمر سوى الفوضى والمعاناة.
لا أمان حقيقياً ولا سلام مستدام ولا تحالفات موثوقة لصالح الولايات المتحدة أو إسرائيل؛ ما ثمرته هذه السياسات هو الألم والهشاشة. وفي الوقت نفسه تُضعف هذه الممارسات منظومة الأمم المتحدة التي أرست قواعدها بعد الحرب العالمية الثانية: لا يتسق نهج الحرب الهجينة مع مبدأ الامتناع عن استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
المستفيد الوحيد الواضح هو المجمع الصناعي العسكري-التقني في الولايات المتحدة وإسرائيل. تحذير الرئيس دوايت أيزنهاور في وداعه عام 1961 من خطر «المجمع الصناعي العسكري» تحقق بأشكال أكثر تعقيداً اليوم، مع بروز الذكاء الاصطناعي، الدعاية الجماهيرية وسياسات خارجية متهورة.
أفضل أمل للعالم هو أن تقول الدول الأخرى الأعضاء في الأمم المتحدة — وبخاصة الـ191 دولة غير الولايات المتحدة وإسرائيل — كلمتها: لا لعمليات تغيير الأنظمة، لا للعقوبات الانفرادية، لا لتسليح الدولار، ولا لخرق ميثاق الأمم المتحدة.
الشعب الأميركي نفسه لا يناصر قانونية ما تفعله قيادته، لكنه يواجه صعوبة بالغة في ترجمة معارضته إلى تأثير حقيقي. هم، ومعظم شعوب العالم، يريدون نهاية لهيمنة ما يُعرف بالدولة العميقة قبل فوات الأوان.
الآراء المعبر عنها هنا تخص أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لقناة الجزيرة.