أوروبا تضع حدًّا لسياسة الليونة تجاه ترامب

كاتيا أدلر — محررة شؤون أوروبا، بي بي سي

شيء ما قد انكسر في أوروبا. يوم الاثنين جدد دونالد ترامب تأكيده بأن الولايات المتحدة تحتاج غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، مظهراً إصراراً لم يخفِ ملامحه. عندما سأله الصحفيون عما إذا كان مستعداً لاستخدام القوة للاستيلاء عليها أجاب الرئيس بـ«لا تعليق»، فبعثت كلماته قشعريرة في نفوس سكان غرينلاند القلقين.

غرينلاند إقليم شبه ذاتي تابع للدنمارك — عضو في الاتحاد الأوروبي والناتوا. يتجه ترامب الآن لضغط شديد على حلفاء الدنمارك في هاتين المنظمتين ليتخلوا عن كوبنهاغن ويسمحوا للولايات المتحدة بتولي السيطرة على الجزيرة، وإلا فستواجه تلك الدول رسومًا عقابية على كل صادراتها إلى السوق الأمريكية.

هذا السيناريو مرعب لاقتصادات أوروبية تعاني بالفعل من الركود: خاصة الصناعات المعتمدة على التصدير إلى الولايات المتحدة، مثل صناعة السيارات الألمانية وسوق السلع الفاخرة الإيطالية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 55% من الأمريكيين لا يرغبون في شراء غرينلاند.

قال وزير المالية الألماني يوم الاثنين عقب اجتماع طارئ مع نظيره الفرنسي: «لن نسمح لأنفسنا بأن نُبتز». جاءت تهديدات ترامب بمثابة صفعة للحكومات الأوروبية التي أنهاها الاتفاقات الجمركية مؤخراً مع الرئيس الأمريكي في بعض القضايا؛ وكان وقعها مدوٍّ. وصف وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور الوضع قائلاً: «نحن نعيش في أراضٍ لم تُخضَع للخريطة. لم نرَ شيئاً كهذا من قبل: حليف وصديق لأكثر من مئتي وخمسين عاماً يفكر في استخدام الرسوم الجمركية… كسلاح جيوسياسي». وأضاف نظيره الألماني لارس كلينغبيل: «قد تم تجاوز خط… اليوم لن أقول بالضبط ما سيحدث، لكن لا بد أن تكون الرسالة واضحة: على أوروبا أن تكون مستعدة».

فجأة بدا النهج اللين الذي اعتمدته قيادات أوروبا في التعامل مع ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض للولاية الثانية، وكأنه فقد فعاليته.

نهج أوروبا: «الشرطي الجيد والشرطي السيئ»

لا يمكن بعد نطق كلمة الوفاة على العلاقات عبر الأطلسي، لكن الاتحاد الأوروبي على الأقل يأمل أن يقترب من الرئيس الأمريكي في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي هذا الأربعاء بنبرة هادئة مع «حمل عصا كبيرة» — على طريقة مقولة أحد الرؤساء الأمريكيين السابقين. كان ثيودور (تيدي) روزفلت يرى أن الدبلوماسية المدعومة بقدرة مقنعة هي الطريق لتحقيق الأهداف، ويبدو أن أوروبا تعتمد الآن تكتيكًا يجمع بين التودد والتحذير الصارم.

تخبر القيادات الأوروبية ترامب بأنها ستدعمه في إعطاء أولوية لأمن القطب الشمالي، فلا حاجة لأن يمضي منفرداً بشأن غرينلاند. وفي الوقت نفسه أبلغ دبلوماسيون في الاتحاد الأوروبي أن خيار فرض رسوم انتقامية بقيمة 93 مليار يورو (حوالي 80 مليار جنيه إسترليني) على البضائع الأمريكية أو حتى تقييد وصول شركات أمريكية — ربما البنوك وشركات التكنولوجيا الفائقة — إلى سوق الوحدة الأوروبية الضخم قيد البحث، إذا نفّذ ترامب ما صار يُعرف بـ«رسوم غرينلاند».

من المرجح أن يكون لتلك الإجراءات الردّية أثر متسلسل يصل إلى المستهلك الأمريكي أيضاً. للمستثمرين الأوروبيين حضور ضخم في ما يقرب من جميع الولايات الخمسين بالولايات المتحدة، ويُسند إليهم تشغيل نحو 3.4 مليون أمريكي. صوت الاتحاد الأوروبي على المسرح الدبلوماسي العالمي قد يبدو ضعيفاً — فهو تجمع من 27 دولة غالباً ما تختلف — لكن مؤثره الاقتصادي والتجاري هائل، حيث تتخذ كثير من قراراته اللجنة الأوروبية نيابة عن أعضاء سوق الوحدة. الاتحاد الأوروبي هو أكبر متعامل عالمي للسلع والخدمات، مسجلاً نحو 16% من التجارة العالمية عام 2024.

يقرأ  «نختار الدنمارك بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة»— يقول رئيس وزراء غرينلاند نيلسن · أخبار دونالد ترامب

من هنا تأمل بروكسل أن يتراجع ترامب عن موقفه المتطرف ويتفاوض على حل وسط، إذ قد يربح جزيرة (غرينلاند) لكنه على الأرجح سيخسر حلفاء مقربين (أوروبا)، وسيُحمّل المستهلك الأمريكي تبعات ارتفاع التكاليف بسبب الرسوم الردّية المحتملة. وقال أولوف جيل، نائب المتحدث باسم المفوضية الأوروبية: «أولويتنا هي الانخراط، لا التصعيد».

«ترامب يجبر الأوروبيين على بناء شوكة» يقول نيكلاس بواتييه، اقتصادِي وخبير تجارة دولية في معهد بروغل المقَر في بروكسل. «ضرر الرسوم بالنسبة لأوروبا قابل للإدارة إلى حد كبير… لكن السؤال الأكبر هنا ليس اقتصادياً بل يتعلق بالأمن والسياسة الخارجية. لا تستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتكبد عدم الرد.»

الثقة بضمانات الأمن الأمريكية

على جانب آخر، بدا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أقل تأثراً. في دافوس رسم صورة لرئيس لديه قناعة ثابتة: «الرئيس ينظر إلى غرينلاند كأصل استراتيجي للولايات المتحدة. لن نقوم بتفويض أمن نصف الكرة للأخرين.» وقد حذّر من أن الرد الأوروبي عبر الرسوم سيكون «غير حكيم». وهنا تشعر أوروبا بأنها بين مطرقة اتخاذ موقف وسندان البقاء عاجزة عن إبعاد واشنطن.

يخشَى بعض الأوروبيين أن مزيداً من المواجهة قد يزيد من تباعد الولايات المتحدة عن القارة. والحق القاسي أن أوروبا تحتاج واشنطن لضمان صفقة سلام مستدامة لأوكرانيا ولأمن القارة نفسها. وعلى الرغم من التعهد بزيادة الإنفاق الدفاعي، لا تزال أوروبا معتمدة بصورة كبيرة على الولايات المتحدة.

بينما جدد تأكيده على دعم سيادة الدنمارك وغرينلاند، شدد السير كير ستارمر، رئيس وزراء المملكة المتحدة، يوم الاثنين على أن «مصلحتنا الوطنية أن نواصل العمل مع الأمريكيين فيما يتعلق بالدفاع والأمن والمخابرات». «ردعنا النووي هو سلاحنا الأهم»، قال ذلك مع توضيح مرتهف للترابط الأمني الذي لا تزال أوروبا واثقة به رغم كل الضغوط. الردع وحماية الأمن مسؤولية أولى
تتمثّل مسؤوليتنا الأساسية في أن نكون رادعاً يحفظ سلامة الجميع في المملكة المتحدة، وهذا يستلزم علاقات طيبة مع الولاىت المتحدة. لكن إذا واصلت أوروبا محاولة «إدارة» الرئيس ترامب بدلاً من مواجهته حين يهدد سيادة حليف ناتو مثل الدنمارك، أو يلوّح بعقوبات اقتصادية على دول أخرى إذا ما دعمت كوبنهاغن، فإن القارة قد تبدو ضعيفة بشدة.

لا مكان للتردد
قال السير كير ستارمر إن من مصلحة المملكة المتحدة الاستمرار في العمل مع الأميركيين في مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات. وعلى منصة إكس كتبت كايا كالاس، أبرز دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، «لا نريد فتح معركة، لكن سنثبت موقفنا». كامرأة شغلت رئاسة الحكومة في إستونيا، وهي دولة تساورها مخاوف من توسع روسيا، حرصت كالاس على إظهار أن أوروبا قادرة — وستُظهر — أن تُبدي عنفوانها إذا دُفعت لذلك.

يقرأ  تعرض الناشط اليميني تشارلي كيرك لإطلاق نار داخل جامعة أمريكية — أخبار دونالد ترامب

خبراء الأمن والتحفّظ على الثقة
تارا فارما، خبيرة في الأمن والجغرافيا السياسية بمعهد German Marshall Fund، ترى أن محاولات الدبلوماسية الشخصية مع ترامب خلال العام الماضي استُخدمت لربطه بالدفاع الجماعي لأوروبا وضمان أمن أوكرانيا بعد وقف إطلاق نار محتمل مع روسيا. لكن عندما يتحوّل فجأة إلى ربط القضايا الاقتصادية بالأمن وتهديد الناتو إذا لم تسر الأمور كما يريد، فكم من الثقة يمكن لأوروبا أن تضعها في الضمانات الأمنية الأميركية تحت هذه الإدارة؟

بوتين ومجلس السلام
مراقبان لهذا التحوّل ليسا روسيا فحسب، بل الصين أيضاً. في أعينهما الغرب — الذي استند تقليدياً إلى شراكة وثيقة بين أوروبا والولايات المتحدة — يتفكك الآن. العالم يهيمن عليه اليوم عدد من القوى الكبرى، منها روسيا والصين، وكذلك الهند والسعودية وإلى حد ما البرازيل. تأمل الصين أن تقلبات ترامب تجاه حلفائه تجعل بكين تبدو شريكاً أكثر ثباتاً ويزيد من تدفّق التجارة العالمية صوبها. وحتى كندا، التي هددها ترامب في وقت ما بجعلها الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة، أبرمت للتوّ اتفاق تجارة محدوداً مع بكين في محاولة لتقليل تعرضها لواشنطن.

مجلس السلام: مبادرة طموحة أم منافس للأمم المتحدة؟
أعلن عن تأسيس «مجلس السلام» الذي يريد ترامب أن يطلقه رسمياً في دافوس، ويُفترض أن يشرف على إعادة إعمار غزة بعد الهجوم الإسرائيلي الواسع، لكن ميثاق المجلس يطّلع إلى «هيئة دولية أكثر مرونة وفاعلية لبناء السلام» بما يشي بأن نطاق عمله قد يكون أوسع، وربما منافساً للأمم المتحدة. ورفضت فرنسا، بحسب مصدّر مقرب من قصر الإليزيه، قبول الدعوة للانضمام، مشيرة إلى أن ميثاق المجلس يثير تساؤلات جوهرية حول احترام مبادئ وهيكل الأمم المتحدة التي لا تقبل المساس.

دور بوتين والتمويل المشبوه
أفاد الكرملين أن فلاديمير بوتين طُلب منه الانضمام إلى المجلس، ما يكشف رغبة ترامب في الحفاظ على قنوات اتصال مع الرئيس الروسي على الرغم من الحرب المستمرة في أوكرانيا ورفض موسكو حتى الآن خطة سلام مدعومة أميركياً. ثارت أيضاً مخاوف بشأن دور ترامب المحوري في المجلس ومطالبه المالية—مليون دولار مقابل العضوية الدائمة—وهو ما أثار الشكوك حول أهداف المجلس الحقيقية.

هل هو حقاً مجلس للسلام؟
تارا فارما ترى أن تسمية «مجلس السلام» مضللة إذا دُعي إليه قادة مثل بوتين. ترامب يريد أن يظهر كصانع سلام ويبحث عن الأضواء والعناوين، لكن دون الجهد الطويل الضروري لتأسيس قواعد سلام دائم؛ استراتيجيته أقرب إلى «الضربة والهرب». وهو لا يمكن أن يحلّ محلّ المؤسسات متعددة الأطراف التي عمرت ثمانين سنة.

يقرأ  ترامب يدعو إلى رفع الإنفاق العسكري الأمريكي بأكثر من ٥٠٪ ليصل إلى ١٫٥ تريليون دولار

التجديد المحتمل للمؤسسات متعددة الأطراف
وربما يدفع سلوك ترامب المؤسّسات متعددة الأطراف إلى تحديث نفسها لتبقى ذات صلة: فربما صار لزاماً أن يصبح تمثيل مجلس الأمن أقل مركزية غربية وأكثر انسجاماً مع التحولات في خريطة القوى العالمية. واعترفت دول أوروبا الأعضاء في ناتو بضرورة إنفاق مزيد على دفاعها الذاتي، وهو ما دفعها إلى زيادة المخصصات الدفاعية بعد تهديدات ترامب بوقف الدفاع عن من لا يدفعون نصيبهم—وليس هو أول رئيس أميركي يصرّح بذلك، لكنه الأبلغ صراحة.

غرينلاند والأبعاد الرمزية
في استفتاءات تبدو تعكس رفضاً أميركياً لاقتناء الجزيرة، عبّر 55% من الأميركيين عن عدم رغبتهم بشرائها و86% عارضوا أي استيلاء عسكري. دنمارك وحلفاؤها الأوروبيون سعوا لإقناع أعضاء الكونغرس بحماية السيادة الدنماركية والغرينلاندية. وحتى عندما سئل إذا كان مستعداً لاستخدام القوة للاستيلاء على غرينلاند أجاب ترامب «لا تعليق»، ما بثّ خوفاً واسعاً في صفوف الغرينلانديين.

خاتمة: علاقات متوترة ولكن قابلة للإصلاح
العلاقات عبر الأطلسي لا زالت ليست محطمة، لكنها متضررة وتحتاج إلى صيانة. التحدي الحقيقي أمام أوروبا وحلفائها هو كيفية التعامل مع رياح التغيير الأميركية بحيث تبقى قادرة على الدفاع عن سيادتها ومصالحها، وفي الوقت ذاته تحافظ على تعاون فعّال مع شريك استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه: الولاىت المتحدة. كما أن المستقبل يفرض على المؤسسات الدولية أن تتكيف أو تفقد legitimacy أمام واقع عالمي متعدّد الأقطاب، وإلا فسيحقّق فراغ القيادة الدولية مكاسب لنفوذ آخرين على الساحة، بمن فيهم روسيا والصين. لا يزال دونالد ترامب يرفع سماعة الهاتف ويتواصل مع أصدقائه: رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، وزعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر، وحتى مع أمين عام حلف الناتو مارك روته. خطوط الاتصال ما تزال مفتوحه.

في نهاية المطاف، إذا أراد الأوروبيون أن يصلوا إلى ترامب بوضوح وفاعلية، فعليهم أن يلتزموا بالوحدة والتضامن.

ليس المقصود هنا مجرد دول الاتحاد الأوروبية المتباينة أو حلف الناتو فحسب، بل جميع الدول معًا. وستلعب المملكة المتحدة، بعلاقتها الأوثق مع الولايات المتحدة، دورًا محوريًا في هذا المسعى.

غير أن قادة أوروبا ممزقون بين ما يرون أنه السلوك الصحيح على الساحة الدولية وواجباتهم تجاه أولوياتهم المحلية. فقد يؤدي اندلاع حرب تجارية عبر الأطلسي إلى إلحاق ضرر بالغ بقاعدتهم الانتخابية.

الحفاظ على موقف موحد بشأن قضية مثل غرينلاند على مدى طويل سيكون أمرًا عسيرًا.

حقوق الصورة في الأعلى: Getty Images و Getty/Bloomberg/Lightrocket.

BBC InDepth هو المكان على الموقع والتطبيق لأفضل التحليلات، التي تقدم رؤى جديدة تتحدى الافتراضات وتقارير معمقة حول أبرز القضايا الراهنة. إيما بارنيت وجون سيمبسون يختاران لكم أكثر القراءات التحليلية إثارة للتفكير كل سبت. اشترك في النشرة هنا.

أضف تعليق