غزة — عندما أعلن ستيف ويتكوف عن «المرحلة الثانية» من الهدنة بدا الكلام كأنه الخبر الذي انتظرته هذه المدينة بفارغ الصبر. طريقة النطق ببساطة — «المرحلة الثانية» — حملت في طياتها وعداً بأن الأمور قد تكون على وشك الانعطاف نحو الأفضل.
لكن خلال أقل من 24 ساعة جاءت خطوة أخرى: البيت الأبيض كشف عن تشكيلة «مجلس السلام» الجديد، المكلف بالإشراف على لجنة فنية لإدارة الشؤون اليومية في غزة ما بعد الحرب. ومن المُعلن أن اللجنة ستتولى قيادتها الدُّكتور علي شعث، وهو مسؤول فلسطيني سابق يُعرض كجزء من خطةٍ تتطلع إلى إعادة إعمار واستقرار طويلَيْيْن.
على الورق، يبدو الأمر تحركاً منظماً، هيئة، وخطة لمستقبل بعد الحرب.
على الأرض في غزة، لا يسود شيء من هذا النوع من الاطمئنان. هنالك شك كبير — وأكثر من مجرد شك.
يجد كثير من الفلسطينيين صعوبة في تقبل أن تضم جهةٌ مكلَّفة بإعادة إعمار غزة أفراداً دعموا إسرائيل علناً، في وقت ما تزال أنقاض الدمار تحيط بكل زاوية، ولم يُحاسَب أحد على ما جرى.
البنايات ما تزال خرائب. العائلات ما تزال تنهار من الحزن. أحياء بكاملها اختفت. في ظل هذا المشهد، تبدو أحاديث الحكم وإعادة الإعمار معزولة عن الواقع.
بالنسبة للعائلات التي فقدت منازلها وأحباءها وإحساسها بالأمان، فإن التناقض صار أمراً لا يمكن تجاوزه بسهولة. من الصعب أن تطلب من الناس أن يثقوا بمستقبل صممه أشخاص لم يمسّهم ألم الحاضر أو يتحمّلوا مسؤولية ما حصل.
بالنسبة لمن تتميز حياتهم اليومية بصوت الطائرات المسيرة وهجمات جوية مفاجئة، لم يتغير شيء فعلياً.
الآباء ما زالوا يفكرون في أين سينام أولادهم الليلة. العاملون في الإغاثة ما زالوا يخططون طرقهم ليس بحسب حاجات الناس إنما بحسب الطرق التي قد تضمن بقائهم أحياء. العائلات ما زالت تتسمر في الليل، مترقبة أن تستمر السكينة أم أن القتال سينفجر مجدداً.
كل هذه التصريحات الرسمية؟ تبدو بعيدة مئات الأميال عما يجري على الأرض. قد توجد «المرحلة الثانية» في بيان صحفي، لكن لحياة معظم الناس هناك شعور جامد لم يتحرك.
الهدنة لا تُحسّ بالكلمات أو العناوين. تُحسّ بما اختفى: الصمت المفاجئ، ارتخاء في الصدر، الليالي التي لا تنتهي بقفزة مفاجئة. هذا ما ينتظره الناس. ليس الوسم ولا الإنجاز الإعلامي، بل التغيير ذاته.
بعد شهور من الخسارة والإرهاق، من الطبيعي أن يتمنّى الناس أن يتحسّن الوضع فعلاً. الدبلوماسيون يتشبثون بفكرة التقدّم، والحكومات بحاجة لأن تُظهر أن هناك حركة. لكن الذين يعيشون هذه الواقع؟ كل ما يريدونه هو ثبات. يريدون أن يعرفوا أن الغد لن يكون أسوأ من اليوم، وأن يستيقظوا من غير أن يرتعشوا.
والشعور الآن غير موجود. الوعود متذبذِبة، الجداول الزمنية تتأخر، والكثير من الالتزامات تتلاشى في الخلفية. لأولئك الذين يعيششون هذا الواقع، لا يبدو الأمر كسلام في تقدم؛ بل كأن كل شيء معلق بخيط رفيع قاب قوسين أو أدنى من الانقطاع. مجرد تسميتها «المرحلة الثانية» لا يمنح أي شعور بالأمان.
وهناك ألم أهدأ ينبع من امتداد الأمل حتى أصبح رفيعاً. عندما لا تتطابق الكلمات الرسمية مع الحياة الواقعية، يتعلم الناس خفض توقعاتهم. الأمل يتحول إلى شيء هش تحتفظ به النفس لكن لا تثق به كثيراً، لأن خيبة أمل أخرى ستكون موجعة. إعلان التقدّم قبل أن يشعر به أحد لا يبني ثقة، بل يقوضها.
المسألة ليست رفض الدبلوماسية، بل المطالبة بالصراحة. إن كانت «المرحلة الثانية» تعني شيئاً فعلاً، فيجب أن تُحَسّ في الحياة اليومية: تشييع جنائز أقل، مستشفيات تعمل فعلاً، طرق لا تشعر وكأنها أفخاخ، وأيام لا يسكنها الخوف على الدوام.
السلام الحقيقي ينمو في تلك اللحظات الصغيرة والعادية: تمشي في الشارع دون أن تكون مستعداً للهرب، تنام الليل دون أن تخطط لكيفية الركض إذا ساءت الأمور.
حتى تظهر تلك اللحظات، تبقى «المرحلة الثانية» رمزية في غالبها. والرموز مهما كانت مفعمة بالأمل، لا تحمي أحداً. التغيير الحقيقي وحده يفعل ذلك.
لأولئك الذين يعيشون يوماً بيوم، السلام ليس إعلاناً آخر؛ يبدأ عندما يستطيعون أن ينجوا ليلة ويوقنوا أن الهدنة ستصمد صباح الغد.