ملعب كرة قدم فلسطيني يواجه إنذاراً نهائياً بالهدم من إسرائيل

أمرت السلطات الإسرائيلية النادي الرياضي بتفكيك ملعب كرة القدم وإلا ستقوم بهدمه قسرًا.

في مخيم عايدة قرب بيت لحم، يواجه نادٍ لكرة قدم الأطفال تهديدًا وشيكًا بالهدم رغم حملة دولية جارية لإنقاذه. يؤكد مناصرون أن الملعب يوفر فرصة نادرة لشبان فلسطينيين لممارسة الرياضة والتدريب، فيما تصرّ إسرائيل على أنه أُقيم من دون تصاريح قانونية.

في أرضٍ مقسومة بعمق، تُثار جدالات حول الهوية والدين وحق التواجد على كل شبر من الأرض؛ ولم تَسلم حتى ملاعب الأطفال الصغيرة من هذا الصراع. مؤخراً، أصبح شريط من العشب الصناعي الموضوع تحت ظل الجدار الخرساني الهائل الذي يفصل بين اسرائيل ومعظم الضفة الغربية المحتلة محورًا لهذا النزاع الرمزي، إذ حظي باهتمام دولي خارج نسبته لأنه يرتبط بالدين العالمي الآخر: كرة القدم.

في يوم زيارتنا اصطف عدد من الأطفال لأداء ضربات ترجيح تحت شمس الشتاء. بدأ بناء الملعب على حافة بيت لحم عام 2020، واليوم يستقبل أكثر من مئتي لاعب صغير من سكان مخيم عايدة المجاور، الذي تحتضنه شوارع ضيقة تذكر بأجيال نزحت أو أُجبرت على الرحيل خلال حرب 1948.

في الثالث من نوفمبر الماضي وجد الأطفال، في طريقهم إلى التدريب، إخطارًا مثبتًا على بوابة الملعب يعلن أن المنشأة غير قانونية، تلاه أمر هدم. قالت نايّا، الطفلة ذات العشر سنوات، وهي ترتدي قميص البرازيل ويحمل اسم نيمار على الظهر: «ليس لدينا مكان آخر لنلعب. نبني هنا أحلامنا، وإن هدموا ملعبنا فسيهدمون أحلامنا».

سألنا محمد، لاعب آخر، عن ردة فعله عند سماع نبأ التهديد: «حزنت. هذا الملعب غالٍ عليّ». المجتمع المحلي ردّ بنشاط؛ نشر فيديوهات على منصات التواصل، أطلق عريضة جمعت مئات الآلاف من التواقيع، وتلقى رسائل دعم دولية. يقول النادي إنه بعد مراجعات قانونية مُنح مهلة سبعة أيام، لكنها انتهت يوم الاثنين، تاركة أمامه خيارًا عسيرًا: تفكيك الملعب بنفسه قبل أن تتدخل إسرائيل قسرًا وتعرضهم لاحقًا لفاتورة الهدم، كما هي العادة في مثل هذه الحالات.

يقرأ  كوندو ينتقل من هاوزر آند ويرث إلى سبروث ماجرز وسكارستد

وجود الجدار الذي يمتد بمحاذاة أحد خطوط التماس لا يمثل سوى طبقة واحدة من عدة طبقات معقّدة تشكّل واقع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي يطالب الفلسطينيون بجعلها أساسًا لدولتهم المستقبلية. عسكريًا تسيطر إسرائيل على كامل الضفة الغربية، أما السيطرة الإدارية فمقسمة بين مناطق تُدار فلسطينيًا وأخرى تُدار إسرائيليًا، وفق خرائط أُعدّت كجزء من اتفاقات أوسلو في التسعينات، التي قسمت الضفة إلى مناطق أ و ب و ج، حيث بقيت منطقة ج—التي تشكل أكثر من ستين في المئة من المساحة—تحت السيطرة المدنية الإسرائيلية الكاملة مؤقتًا.

بيت لحم نفسها مصنفة منطقة أ، لكن الخرائط تُظهر أن إسرائيل تمارس سلطتها المدنية على مساحات واسعة من الريف المحيط وصولًا إلى أطراف المدينة. الجدار الذي بدأ بناؤه في أوائل القرن الحالي بحجة مواجهة موجة هجمات استشهادية أدت إلى مقتل مئات الإسرائيليين، يرى منتقدون أنه بات أداة لعقاب آلاف الفلسطينيين عزلتهم عن مصادر رزقهم ومزق مجتمعاتهم وفعليًا ضم أجزاء من أراضيهم.

ما هو على المحك في بيت لحم هو رقعة ضئيلة من الأرض على الجانب الفلسطيني من الجدار. كانت كافية لمخيم عايدة كي يبني ملعبًا ويتسع لاحتياجاته، لكن إسرائيل تصنّفها على الخرائط ضمن منطقة ج، رغم أن بناء الجدار تركها معزولة على جانب بيت لحم. تُظهِر صور الأقمار الصناعية أن الأرض كانت خالية في 2019 ثم بدأت تُعَدّ تدريجيًا لتأخذ شكل الملعب، محشورة بمحاذاة الجدار.

أمر الهدم يستند إلى أن البناء تم من دون تصاريح على قطعة أرض تخضع لسيطرة مدنية إسرائيلية كاملة. بالنسبة للفلسطينيين، ثمة سخرية مرّة في منعهم من بناء ملعب صغير على حدود مدينتهم داخل الجدار الذي يقيّد حركتهم. وفي الوقت الذي تُرفض فيه طلبات البناء وتُهدّم المنشآت الفلسطينية، تستمر إسرائيل بالموافقة على إنشاء مستوطنات إسرائيلية واسعة في منطقة ج، تُعتبر غير قانونية وفق القانون الدولي. في سبتمبر الماضي، وقع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتفاقًا للمضي قدمًا بمشروع استيطاني كبير يسع عشرين ألف مستوطن، يقع بين شرق القدس المحتل ومستوطنة معاليه أدوميم، وما إن يُتَمّ إنشاؤه إلا وسيقطع الضفة الغربية إلى نصفين، ما، بحسب الفلسطينيين، يقضي عمليًا على أي أمل في إقامة دولة لهم.

يقرأ  أفانتي ويست كوست: حملة جديدة تحول التركيز من الأماكن إلى الناس

الحكومة الإسرائيلية لا تخفي موقفها؛ قال نتنياهو عند توقيع الاتفاق: «لن تكون هناك دولة فلسطينية. هذا المكان لنا». ويتحدث بعض وزرائه صراحة عن ضم كامل للضفة الغربية. في بيت لحم يعتقد النادي—الذي يؤكد أنه حصل على إذن شفهي لبناء الملعب عام 2020—أن التهديد بالهدم يتجاوز مسألة قانونية بحتة. يقول محمد أبو سرور، أحد أعضاء مجلس إدارة مركز عايدة الشبابي: «الإسرائيليون لا يريدون لنا أي أمل ولا فرصة. الفكرة أنهم يجعلون الحياة صعبة عمداً. اللحظة التي نفقد فيها الأمل والفرص سنرحل. هذا التفسير الوحيد بالنسبة لنا».

تواصلنا مع الجهة الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون المدنية في الضفة الغربية؛ وعلى الرغم من إصدارها لأمر الهدم أُحيلنا بدلاً منها إلى الجيش الإسرائيلي الذي يشرف على تنفيذ قراراتها. وجاء في بيان من الجيش: «على طول السياج الأمني هناك أمر مصادرة ومنع للبناء؛ لذلك فالبناء في المنطقة تم بصورة غير قانونية». وبينما ينتظر أطفال عايدة ما ستؤول إليه الأمور، يأملون أن تكون لفتة الانتباه الدولية كافية لتغيير قرار السلطات. لكن في ظل استمرار النزاع الأوسع، يبقى مستقبل ملعب صغير واحد معلقًا في الميزان.

أضف تعليق