قطاع النفط السوري المدمَّر بالحرب يواجه طريقًا شاقًا نحو التعافي بحسب محللين

استيلاء الحكومة السورية على حقول نفط وغاز رئيسية في الشمال الشرقي أثار أملهـا بإحياء قطاع الطاقة المتداعي بعد سنوات من الحرب والعقوبات الدولية. أدى الاتفاق الذي تضمن تنازل قوات سوريا الديمقراطية المدربة أميركياً عن السيطرة على محافظات دير الزور والرقة والحسكة إلى انتقال إدارة هذه الاحتياطيات الحيوية إلى دمشق، مع استلام مواقع بارزة منها حقل العمر – الأكبر في البلاد – ومجمع غاز كونوكو.

رغم الدلالة الرمزية والسياسية لهذا الاسترداد، يواجه المسار نحو استئناف الإنتاج عوائق تقنية واقتصادية جسيمة: بنية تحتية تالفة، معدات متآكلة، ونقص تمويل وطواقم فنية مؤهلة. كما يؤكد خبراء القطاع أن ترجمة السيادة إلى إنتاج فعلي ستكون تدريجية ومعقدة فنياً. يقول أحمد الضحّيك، خبير نفط وغاز مقيم في قطر، إن الخزانات تعرضت لاستخراج غير منظّم ولأضرار في المعدات، في حين أن خطوط الأنابيب ومحطات المعالجه تتطلب إعادة تأهيل شاملة. بالمقابل، يعد الغاز أكثر سهولة نسبياً من حيث استعادة الإنتاج لارتباطه المباشر بتوليد الكهرباء وقلة احتياجه لرأسمال ضخم، ما يجعله أولوية محتملة في المراحل الأولى.

احتياطيات سوريا من الوقود الأحفوري تقدر بنحو 2.5 مليار برميل نفط و8.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. قبل اندلاع النزاع كانت البلاد قادرة على تلبية حاجاتها المحلية من الطاقة وحقق إنتاجها قبل الحرب نحو 380 ألف برميل نفط يومياً وما يقرب من 25 مليون متر مكعب غاز يومياً، مساهماً بنسبة 20–25% من إيرادات الدولة. لكن الإنتاج تراجع بشكل حاد خلال سيطرة داعش، فهبط إلى حوالي 40 ألف برميل يومياً في 2015، واستمر في الانخفاض بعد هزيمة التنظيم ليبلغ بين 15 و30 ألف برميل يومياً بحلول 2019. على المدى الطويل قد تُتاح فرص لإعادة التأهيل والاستكشاف، غير أن ذلك سيستغرق وقتاً ويتطلب استقراراً سياسياً وإطاراً تنظيمياً واضحاً، كما تقول كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة Crystol Energy.

يقرأ  تتجه كريستين صن كيم إلى غاليري هيونداي— وتحركات بارزة أخرى في قطاع الفن

آفاق الاستثمار الأجنبي تبدو معقّدة لكنهـا متاحة في ظل تخفيف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا لمعظم العقوبات رداً على التغير السياسي الذي شهده النظام في ديسمبر 2024، ما يفتح الباب أمام عودة شركات كانت محورية قبل الحرب. قبل النزاع كانت شراكة بين الشركة السورية للنفط وشركات دولية مثل شل الصينية والهندية تمثل الجزء الأكبر من الإنتاج. حديثاً أفاد المدير التنفيذي للشركة السورية للنفط بأن شل أعربت عن نيتها الانسحاب الكامل من حقل العمر، بينما لم تصدر الشركة البريطانية تعليقاً رسمياً. كما كانت شركات مثل توتال أنرجيز وغلفساندز وسينوشيم وسونكور نشطة في السابق حتى توقفت أعمالها بفعل العقوبات.

وقعت المؤسسة السورية للطاقة مذكّرات تفاهم واتفاقات أولية مع عدد من الشركات الأجنبية في الأشهر الماضية، منها كونوكو فيليبس الأميركية ودانا جاس الإماراتية والشركة العربية للحفر السعودية وUCC القطرية. وإقليمياً تم الإعلان عن اتفاق لتعزيز التعاون الطاقي مع تركيا، بما في ذلك ترميم خط غاز يصل حلب بمدينة كيليس التركية، كما جرت مباحثات رفيعة مع ممثلين عن شركة شيفرون الأميركية في تكساس حول سبل تطوير الاحتياطيات.

هذه لحظة سياسية واقتصادية مفصلية: يتوقع محللون أن تسعى شركات مثل غلفساندز البريطانية لإعادة تشغيل آبار مجمّع 26 في الحسكة، في حين قد تبادر شركات مصرية متخصصة مثل إنبي وبتروجت إلى المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار. ومع ذلك، تحذر نخلة من أن الشركات الكبرى قد تتردد في العودة بسبب شكوك حول الأطر الحوكميّة وظروف الأمن، وقد يقتصر الاهتمام على مستثمرين أصغر وأكثر مخاطرة. الهشاشة المستمرة للوقف القتالي وإبلاغات عن معارك متجددة تزيد من هذه المخاوف.

خلاصة القول: لدى قطاع النفط والغاز السوري إمكانات حقيقية، لكن استعادته ستسير بوتيرة بطيئة ومحفوفة بالمخاطر وتعتمد بصورة حاسمة على السياسات والاستقرار الأمني وتوافر الاستثمارات والخبرة الفنية. استعادة الدولة للسيطرة على الأصول الرئيسية تمثل نقطة تحوّل سياسية واقتصادية مهمة، لكن الهيدروكربونات وحدها لن تكون كافية لقيادة تعافٍ شامل، وقد يستغرق بلوغ مستويات ما قبل 2011 سنوات حتى في أحسن الظروف.

يقرأ  انهيار أرضي يمحو قرية بأكملها في السودان الممزق بالحرب— بحسب جماعة متمردة

أضف تعليق