مدينة غزة — يقضي خالد أبو جرّار أيامه محاولاً تأمين علاج لزوجته التي شُخّصت حديثاً بسرطان الكبد، وهو يعلم أن نقلها للعلاج خارج القطاع بات ضرورة ملحة. الرجل، البالغ من العمر 58 عاماً، من بلدة بيت حانون شمال غزة، لكنه نزح مع أسرته قبل عام ونصف إلى غزة المدينة، حيث يواجه حقيقة أن العلاج المتقدم يتطلب عبوراً إلى الخارج، لا سيما عبر معبر رفح.
قصص موصى بها
من هنا تأتي يأسه الشديد لفتح معبر رفح، الذي كان سابقاً البوابة الرئيسية لقطاع غزة إلى العالم الخارجي. أغلقته إسرائيل طوال معظم العامين الماضيين أثناء حربها التي وصفتها جهات عديدة بأنها إبادة جماعية، وأسفرت عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني.
ينظر خالد الآن إلى الادارة الجديدة لغزة — فريق من التقنيين الفلسطينيين بإشراف ما يعرف بـ«مجلس السلام» التابع للرئيس الأمريكي — أملاً في تحقيق تغيير ملموس. اجتمعت اللجنة الوطنية لادارة غزة (NGAC) للمرة الأولى الأسبوع الماضي في القاهرة، لتتولى إدارة شؤون غزة اليومية بدلاً من حركة حماس، في إطار المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار التي أعلنت الولايات المتحدة عن بدءها.
يريد خالد أن يرى نتائج ملموسة، أولها فتح معبر رفح، لكنه يظل متشككاً. قال لـ(المصدر): «آمل أن تكون لجنة ذات صلاحيات حقيقية، لا كلمات على ورق، وإلا فستكون لجنة فاشلة». تشككه مبرر؛ فإسرائيل واصلت الهجمات على غزة وقتلت أكثر من 400 فلسطيني منذ بدء الهدنة، وأعلنت معارضتها للّجنة مراراً، بل أصدرت أخيراً أوامر بإغلاق بعض المنظمات الإنسانية الدولية التي تقدّم رعاية طبية وغذاء حيوياً في القطاع.
«على الأرض لا يتوقف القصف أبداً»، قال خالد من داخل ملجأ أقيم في مبنى المجلس التشريعي السابق بغرب مدينة غزة، وهو يتابع أخبار اللجنة. «في وسائل الإعلام يتكلمون عن انسحابات وإعادة إعمار، لكن الواقع على الأرض هو استمرار القصف من الشمال والجنوب، والأمور تبدو أكثر تعقيداً».
بانتظار حلول
إقامة خالد في مبنى حكومي ليست استثنائية؛ آلاف النازحين تحصنوا في مبانٍ كانت مقارّاً للإدارة أو في مبانٍ نجت جزئياً من الاستهداف الإسرائيلي. هذا الواقع يبرز صعوبة المهمّة التي تواجهها اللجنة وأي إدارة تحاول الحكم في غزة: هل سيتمكن التقنيون من كسر القيود التي تفرضها إسرائيل؟ وهل سيستطيعون تحسين حياة الفلسطينيين المنهكين من التهجير والفقدان؟
يُعرض تشكيل اللجنة كهيكل «محايد سياسياً» مكوّن من عناصر غير حزبية ذات خبرات إدارية وتقنية، برئاسة علي شعث، نائب وزير سابق في السلطة الفلسطينية. لكن كثيرين من الفلسطينيين يرون أن نجاحها يعتمد أقل على تركيبتها وأكثر على قدرتها على العمل في بيئة تهيمن عليها إسرائيل ولا ترغب في السماح بإعادة إعمار حقيقية.
المحلل السياسي عاهد فَروانة استشهد بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي وصف فيها المرحلة الثانية بأنها «رمزية»، ورأى في ذلك دليلاً على عدم نية إسرائيل التعاون. وقال لـ(المصدر): «حتى الآن الأمور غير واضحة، لأن نجاح اللجنة يعتمد على التنفيذ الجاد لالتزامات المرحلة الثانية». كثير من التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى — مثل وقف الهجمات، والانسحاب الكامل من مناطق محددة، وفتح معبر رفح — لم تُنفَّذ. ويتوقع فَروانة أن تستمر إسرائيل في انتهاك الهدنة وتوسيع مناطقها العازلة بحجج مثل عدم تسليم جثّة إسرائيلية واحدة لا تستطيع حماس الوصول إليها بسبب كميات الركام الناتجة عن الهجمات.
«لو كان هناك ضغط أمريكي حقيقي، لكان هناك تغيير وتنفيذ ملموس للمرحلة الثانية»، أضاف، محذراً من أن ترك الأمر لنتنياهو وحده لن يثمر نتائج يُعتدّ بها.
القيود الإسرائيلية
تنفي المسؤوليات الإسرائيلية وجود قيود على كمية المساعدات الداخلة إلى غزة، لكن الواقع الميداني يشهد استمرار عوائق وتحديات تعوق وصول الإغاثة والخدمات الأساسية، وتبقي آلاف المدنيين في حالة طوارئ دائمة، تبحث عن ملاذات آمنة ورعاية طبية، بينما تتوق العائلات كعائلة خالد إلى فرصة حقيقية للخروج لتلقي العلاج الذي قد ينقذ حياة أحبائهم. تشير المنظمات الدولية والسكان الفلسطينيون المحليون إلى تأخُّر في الموافقات على التصاريح، وإجراءات تفتيش مطوَّلة تُبطئ الوصول وتقيِّد دخول السلع التي تحتاجها غزة بشدّة، بما في ذلك المواد غير الغذائية والمواد الثقيلة اللازمة للبنية التحتية.
طالبت الأمم المتحدة والوكالات الإغاثية مراراً بفتح المعابر وتسهيل دخول المساعدات، مشدّدة على أن الوضع الإنساني في غزة يظل كارثياً، وأن حصة كبيرة من المساعدات المتفق عليها لم تدخل منذ تطبيق وقف إطلاق النار.
أدى الإغلاق المستمر لمعبر رفح، على وجه الخصوص، إلى جعل غزة تعتمد تقريباً بالكامل على نقاط دخول بديلة مثل كرم أبو سالم (كرم شالوم)، التي تخضع لإجراءات تفتيش معقدة وللسلطة الأمنية الاسرائيلية الكاملة.
في ظل هذه العقبات تتعقّد المناقشات بشأن الإدارة الجديدة لغزة، إذ ترتبط صلاحية أي لجنة لإدارة الخدمات وإعادة الإعمار ارتباطاً مباشراً بقدرتها على العمل ضمن قيود حركة المواد.
أسماء منون تنتظر بفارغ الصبر تحسُّناً في الأوضاع.
أسماء (45 عاماً) من مخيم جباليا في شمال غزة، أم لخمسة أبناء، فقدت أحدهم خلال الحرب. تعيش الآن مع زوجها محمد – الذي أصيب أثناء القتال – في درج مبنى تضرر جزئياً في مدينة غزة، وتكاد قطعة من القماش المشمع توفر لهم مأوىً هزيلاً.
تفسّر هذه الظروف سبب عدم سماع أسماء في البداية خبَر تشكيل اللجنة الإدارية الجديدة وحديث بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار. «غالباً هاتفي لا يكون مشحوناً، والإنترنت غير متوفر»، تقول. «عادة نسمع الأخبار من أهل المخيم، وتنتشر الأحاديث بينهم.»
كانت أسماء قد غادرت جنوب غزة حيث كانت مهجّرة، إلى جباليا في محاولة للعودة إلى منزلها، لكن القصف والرصاص المستمرين – ومن بين ذلك طلقة تقول إنها قتلت امرأة في الخيمة المجاورة – أنهوا تلك المحاولة وأوضحوا أن الأمن ما يزال بعيد المنال.
وقف إلى جانبها زوجها محمد (سنه 49)، وكان أمله واضحاً بشأن اللجنة الجديدة: تنظيم دخول وتوزيع المساعدات وإدارة غزة بعد الفوضى التي مرت بها. «نسمع الكثير، لكن الواقع أننا في نفس المكان الذي كنا فيه منذ عامين»، قال.
«الوضع في غزة ليس صعباً فحسب، بل يفوق الوصف. بالكاد نستطيع الصمود. منذ أشهر لم نتلقَّ مساعدات أو طروداً غذائية أو خيام. الأمور فوضوية، وإسرائيل مهتمة بهذه الفوضى، وتستخدم المساعدات وسيلة للعقاب.»