مكاسب إقليمية لصالح دمشق
كانت التمددات الإقليمية في شمال‑شرق سوريا — حيث استولت القوات الحكومية على مدينتي الرقة ودير الزور من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية — مكسباً واضحاً للرئيس السوري أحمد الشراء. منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تجري مفاوضات مع قسد بشأن دمج الممثل الكردي الرئيسي في سوريا داخل القوات المسلحة السورية، وقد اعتمد الشراء مزيجاً من الأساليب السياسية والعسكرية، فأصدر في خطوة رمزية مرسوماً يمنح حقوقاً جديدة للأكراد بينما واصل في الوقت نفسه مواجهة عسكرية مع بعض تشكيلات القسد.
تحول موقف الولايات المتحدة، التي كانت تدعم قسد لفترة طويلة كشريك في مكافحة تنظيم الدولة، إلى تأييد الشراء والقوات السورية بعد هذه التطورات، ما عزز مكانة دمشق إقليمياً ودبلوماسياً.
وقف النار والاتفاقات
أضعفت التقدّمات الأخيرة كثيراً من أوراق ضغط قسد. كما وصف روب جايست بينفولد، أستاذ في كينغز كوليدج لندن، لعملية استيلاء الحكومة على المناطق الأكثر غنى بالموارد والديموغرافيا العربية ثم تحفيز شبكات قبلية للتمرد ضد حكم قسد بأن «الأمر انتهى إلى حد كبير لقسد» بعد حملة محدودة لكنها محكمة سياسياً وعسكرياً.
عندما سقط النظام في ديسمبر 2024 ترددت قسد في التحالف مع السلطة الجديدة في دمشق، لكن المفاوضات بين قائدها مظلوم عبدي (مظلوم كوباني) وأحمد الشراء أسفرت في 10 مارس 2025 عن اتفاق مبدئي على دمج قوات القيادة الكردية ضمن القوات الحكومية. بقيت تفاصيل التنفيذ قيد النقاش، إذ رفضت قسد التخلي عن المكتسبات التي بنتها خلال أربعة عشر عاماً من القتال، وكانت تطالب بصيغ من اللامركزية أو حكم ذاتي محدود في الشمال‑الشرقي.
تصاعدت التوترات وظهرت اشتباكات حديثة في حلب تلتها انسحابات لقسد من أحياء على ضفاف الفرات، وتقدمت القوات الحكومية نحو الشمال‑الشرق لتستعيد أراضٍ منها الرقة ودير الزور. تم الاتفاق على هدنة يوم الاثنين ولكن الاشتباكات استمرت الثلاثاء في منطقة الحسكة، مع مخاوف لدى الأكراد في الداخل وفي الشتات من عمليات توغل جديدة للقوات الحكومية.
المسار الذي بدا متفقاً عليه أخيراً ينص على بقاء قيادة قسد مسيطرة على ثلاث فرق كردية داخل البنية العسكرية السورية، فيما يندمج بقية المقاتلين كأفراد في صفوف الجيش. ويبدو الآن أن سيناريو الاندماج الفردي هو الأكثر قابلية للتنفيذ. وللخبراء مخاوف أمنية كبيرة من فحص وتنقية أعداد قد تصل إلى 50–80 ألف مقاتل، كما قال المحلل لبّيب نحّاس، ما يجعل عملية التدقيق تحدياً أمنياً هائلاً.
حقوق الأكراد
قبل هذه التطورات كانت قسد تتفاوض مع دمشق على نقاط أساسية تشمل الدمج السياسي والعسكري وسقفاً من الحكم الذاتي أو اللامركزية والاعتراف بحقوق الأكراد. في 16 يناير، وعلى وقع قتال محتدم بين القوات الحكومية وقسد في حلب، أصدر الشراء مرسوماً اعترف بموجبه باللغة الكردية «لغة وطنية»، وأعادت بموجبه الجنسية إلى كل السوريين الأكراد، وأقرت عطلة رسمية لعيد النوروز وحظرت التمييز العرقي أو اللغوي — وهي تنازلات استجابت لمطلب مركزي لطالما طرحته قسد.
تاريخياً ظل الأكراد أقلية مضطهدة في عهد النظام السابق، وكانت لغتهم وهويتهم مجحفة وغير معترف بها رسمياً. وصف أبايضا غدّبان، باحث في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، هذه الخطوة بأنها تاريخية وعناصرها الثقافية واللغوية استجابت لشكاوى تراكمت لعقود، كما أعاد هذا المرسوم زخم المفاوضات التي دارت لأكثر من عام.
أعلن الشراء هدنة لمدة أربعة أيام مع قسد، وقال إن القوات الحكومية ستنسحب من مدن ذات أغلبية كردية مثل الحسكة والقامشلي إذا تم التوصل إلى اتفاق يسمح لتلك المدن بإدارة أمنها ذاتياً. مع ذلك يرى عدد من المحللين أن اعتراف دمشق بحقوق الأكراد جاء في إطار مناورة سياسية مرتبطة بالحصاد العسكري، لا كمبدأ دائم ومن دون شروط، كما لفت توماس مكغي من المعهد الأوروبي للجامعة في فلورنسا.
وبعد الإعلان عن المرسوم شنت القوات الحكومية عملية عسكرية في دير حافر شمال شرق حلب، عقب انسحاب قسد من أحياء الشيخ مقصود وشارفيا في المدينة. وأثرت المعارك على سمعة قسد بين أوساط من الأكراد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحولاً جماعياً لصالح دمشق. كما قال فلاديمير فان ويلجنبرغ، محلل شؤون الأكراد في أربيل، إن المزاج الكردي تجاه الحكومة لن يتغيّر جذرياً طالما لم يُقرّ اعتراف حقيقي بصيغ للحكم المحلي التي تطالب بها الأحزاب الكردية الرئيسية.
الفاعل الدولي: الولايات المتحدة وتركيا
تراقب فواعل دولية هذه التطورات عن كثب. يبدو أن تركيا من أكبر الرابحين في آخر سلسلة من الأحداث، نظراً لأن أي تغيير في التوازن بين دمشق وقسد قد يسهم في إعادة تشكيل مناطق النفوذ والضغوط الأمنية على حدودها. هناك أيضاً متابعة دقيقة من واشنطن وحلفائها، الذين قد تضطر سياساتهم للتماشي مع واقع ميدان متحول.
الخلاصة: مكاسب دمشق العسكرية والسياسية قلّصت قدرة قسد على المناورة ودفعت باتجاه صيغ دمج تبدو اليوم أكثر قدرة على الحدوث، في حين يبقى ثمن ذلك إعادة ترتيب دقيق للحقوق والضمانات السياسية والأمنية لمنع تجدد الصراع والمخاف على المجتمعات المحلية. حذرت الدولة قوات سوريا الديمقراطية في أوائل يناير قائلة إن «صبرها ينفد» تجاه الجماعة.
«أنقرة رحبت بوقف إطلاق النار وباتفاق الاندماج الكامل، وهذا طبعاً يصب في المصلحة التركية»، قال ماكغي. «وفي نهاية المطاف، فيما يتعلق باندماج قوات سوريا الديمقراطية مع الإدارة الذاتية، لطالما تشاركت تركيا ودمشق نفس الخطوط الحمراء العامة».
ثمة نقاش أيضاً حول المقاتلين الأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار كان على القوى تلك—بحسب نهّاس—طرد أي أفراد أو عناصر «مرتبطة أو متحالفة مع حزب العمال الكردستاني».
ثم هناك الولايات المتحدة، التي سهّلت التوصل إلى وقف إطلاق النار نظراً لعلاقتها الوثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية ومع دمشق. لدى الولايات المتحدة حالياً نحو 900 جندي في أجزاء تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وقال محللون إنه من غير المرجح أن تُسحب هذه القوات، بحسب تقييمات صادرة عن القياد الأمريكية.
لكن في ظل إدارة ترامب شهدت العلاقات بين واشنطن ودمشق دفءً ملحوظاً.
الشارعـا، الذي كان يُعتبر «إرهابياً» من قبل الولايات المتحدة عندما سقط نظام الأسد عام 2024، زار البيت الأبيض في نوفمبر 2025، في انعطافة لافتة لا تُقاس إلا بمرور أقل من عام. وبعد ذلك بمدة وجيزة انضمت سوريا إلى التحالف المناهض لداعش.
عقب مكالمة هاتفية مع الشارعا، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بياناً يؤيد وحدة سوريا و«مكافحة الإرهاب».
لم يكن كل المسؤولين الأميركيين راضين عن هذه التطورات. نشر السناتور ليندسي غراهام، الحليف المقرب لترامب، على منصة “إكس” يوم الثلاثاء دعمه لقوات سوريا الديمقراطية.
«لا يمكنك توحيد سوريا باستخدام القوة العسكرية كما يحاول قائد الحكومة السورية أحمد الشارعا»، كتب غراهام. «التحرك العسكري ضد أعضاء قوات سوريا الديمقراطية محفوف بالمخاطر».
قد يقلق غراهام وآخرون إزاء تقارير عن هروب 39 محتجزاً من تنظيم الدولة من سجون كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية سابقاً، أو—من ناحية أخرى—ادعاءات قوات سوريا الديمقراطية بأن قوات الحكومة قتلت مقاتلات كرديات.
لكن الرأي العام في الولايات المتحدة يبدو أنه يتجه بشدة لصالح دمشق. بعد ظهر يوم الثلاثاء نشر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك على منصة “إكس” أن الولايات المتحدة تقف الآن إلى جانب الشارعا وتختار دمشق على حساب قوات سوريا الديمقراطية.
«أكبر فرصة للأكراد في سوريا الآن تكمن في مرحلة ما بعد الأسد تحت حكومة جديدة يقودها الرئيس أحمد الشارعا»، كتب باراك. «هذا يُغيّر الأساس المنطقي لشراكة الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية: الغاية الأصلية من وجود قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية لمواجهة داعش على الأرض باتت إلى حد كبير منتهية، إذ إن دمشق الآن مستعدة ومهيأة لتولي مسؤوليات الأمن، بما في ذلك السيطرة على مرافق الاحتجاز والمخيمات.»