في قرطبة بإسبانيا، وجد أقارب وناجون ورجال إسعاف أنفسهم أمام مشهد كارثي بعد تصادم قطارين فائقَي السرعة مساء الأحد، حيث كان فيكتور، زوج أخت ياميلي، بين الضحايا.
أدرك الطبيب إدواردو موران، الذي يعمل في مستشفى رينا صوفيا في قرطبة، منذ اللحظات الأولى أن الحادث خطير. هو وزوجته، وهما طبيبان، طُلِبا من نوبتهما بسرعة إلى المستشفى بعد ورود تقارير عن تصادم قطارين يسيران بسرعة كبيرة بالقرب من المدينة.
«كنا نُعِدُّ أقساماً مختلفة من المستشفى، ليس فقط غرفة الطوارئ، بل أيضاً وحدة العناية المركزة وغرف العمليات والأقسام العادية. كان الجميع على أهبة الاستعداد»، يقول إدواردو. ومع وصول المصابين تفاوتت الإصابات بين خدوش وجروح طفيفة إلى بتر أطراف؛ فُصلِّيت الحالات طبياً وفق أولويات الإسعاف: خضع بعضهم لعمليات فورية وآخرون للمراقبة والعلاج الداعم.
لم يرَ إدواردو في مسيرته الممتدة لعشرين عاماً تدفقاً بهذا الحجم من الضحايا، ومع ذلك يقول إن المستشفى لم يُغْلَق أو يُغْلَب على أمره، لكن الترقب كان سائدًا: «كنا نتوقع المزيد… للأسف، هناك كثيرون لم ينجُوا وماتوا على القضبان».
في غابة كثيفة على بعد نحو 36 ميلاً من قرطبة، تكوّن حشد من الحطام الملتف لعربتيّ القطارين المتصادمين، ويُشير المحقّقون إلى فراغ في مقطع مستقيم من السكة كأحد محاور البحث. حتى الآن أودى الحادث بحياة ما لا يقل عن 43 شخصاً، وخاضت كلاب البحث طريقها بين المقاعد الخالية والنوافذ المحطمة في محاولة لكشف مزيد من الجثث والأدلة، بينما لا تزال الأسئلة عن سبب أسوأ حادث سكة حديد شهدته إسبانيا منذ أكثر من عقد حائرة.
وبينما طالبت السلطات بالصبر، تردَّدت أنباء عن خروج قطار آخر عن القضبان بالقرب من برشلونة بعد أيام قليلة، لكنه لم يكن من طراز القطارات فائقة السرعة؛ تحطَّمت جدارَي حاجز على السكة إثر أمطار غزيرة. أثار هذا الحادث دعوة نقابة سائقي القطارات الإسبانية إلى إضراب احتجاجاً على «التدهور المستمر وغير المقبول في شبكة السكك الحديدية».
بالنسبة لعائلات المفقودين والقتلى في الجنوب، جاءت هذه التطورات لتزيد من حالة الغموض وعدم اليقين التي تعيشها.
خلال عصر السبت وليلته في قرطبة، أقام خوسيه مانويل مونيوز وأصدقاؤه حفلة مفاجئة بمناسبة عيد ميلاد ماريا كارمن أبريل فيغا، وهي معلمة عُرفت باسم «أبريل». بعد انتهاء الاحتفال، استقلت أبريل قطاراً متجهاً شمالاً إلى مدريد، وأرسلت شاكِرةً عبر مجموعة واتساب لأصدقائها؛ ثم تتابعت الرسائل المحمومة بعد الحادث للاطمئنان عليها. كانت أبريل جالسةً في إحدى العربات التي خرجت عن السكة واندفعت في مسار قطار مُقابل، وتأكدت وفاتها في اليوم التالي.
«صعب جداً وصف التباين في المشاعر»، يقول مونيوز وهو جالس في حدائق فيكتوريا الهادئة بجوار مشغله حيث يصنع إطارات الصور. «احتفلنا يوماً بحياة صديقتنا، ثم جاء يومان من التحقيق والقلق دون معرفة مصيرها، ثم صُدِمنا بتأكيد وفاتها». يصفها بأنها شخصية لطيفة وكريمة وحنونة، تحب الزهور وتسعى دوماً لمساعدة الآخرين، لكنه لا يلقي اللوم على أحد ويعتبر ما حدث حظاً سيئاً.
خارج المركز المدني لقرطبة، نصبَت خيمتان مؤقتتان حيث تُعطي عائلات المفقودين عينات حمض نووي أملاً في التعرف إلى ذويهم.
بسبب تغيير طفيف في خطط السفر في اللحظة الأخيرة، سافر فيكتور لويس تيران، زوج أخت جاملِت، على قطار أبكر فعلق بالحاث عندما كان متوجهاً جنوباً من مدريد إلى هويلبا. بات مؤكداً مساء الثلاثاء أن فيكتور، وهو مواطن بوليفي، من بين الضحايا الـ43. تقول ياميلي باحثةً عن إجابات: «هذا كل ما نريده. لأننا لم نعد نقدر على التحمل».
من المرجح أن الحقيقة الكاملة ستتطلب أسابيع، وقد قوضت مناشدات السلطات للصبر أحداث ثلاثة أيام مدمرة على شبكة سكك حديد إسبانيا.