الولايات المتحدة تعتزم إقامة مراسم توقيع، يوم الخميس، لتأسيس «مجلس السلام» الذي اقترحه الرئيس دونالد ترامب، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.
ترامب، الذي يلتقي قادة دوليين خلال المنتدى هذا الأسبوع، يعرض المجلس كمرحلة تالية من خطة إدارته المؤلفة من عشرين بنداً وآلية للإشراف على إعادة إعمار غزة، التي دمرتها حتى الآن حرب وصفها التقرير بأنها حرب إبادة شنتها إسرائيل على الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023. مع ذلك، يثير نص الميثاق المؤسسي تساؤلات جوهرية: فوثيقة المجلس الرسمية المكوّنة من إحدى عشرة صفحة لا تذكر غزة صراحةً حتى مرة واحدة، بل تقترح صلاحية واسعة لمنظمة دولية جديدة «تهدف إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة حكم قانوني موثوق، وتأمين سلام دائم في مناطق تأثرت أو هددها النزاع».
بنيان المجلس الإداري تقنيٌّ مكوّن من ثلاث طبقات: مجلس السلام العام، ومجلس تنفيذي، ورئيس يملك صلاحيات واسعة. وفق بيان البيت الأبيض، ثمة «مجلس تأسيسي تنفيذي» يقع في القمة، بينما يصوت مجلس السلام على الميزانيات والسياسات والتعيينات العليا، ويتولى المجلس التنفيذي المكوّن من سبعة أعضاء تنفيذ المهام الموكلة إليه.
من بين أعضاء المجلس التنفيذي أُدرج اسم رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق توني بلير، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وصهر ترامب جاريد كوشنر. ويتولى ترامب رئاسة المجلس، مع سلطة نهائية في تفسير الميثاق وحق النقض على قرارات محورية، بما في ذلك إسقاط العضوية أو إجراءات المجلس التنفيذي.
أوضح البيت الأبيض أن أعضاء المجلس سيشرفون على محافظات عمل محددة تُعدّ حاسمة لاستقرار غزة ونجاحها الطويل الأمد، مثل بناء قدرات الحكم، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمار، وتأمين تمويل واسع النطاق وتعبئة رؤوس الأموال. وتحت المجلس التأسيسي يوجد «المجلس التنفيذي لغزة» الذي يُكلف بالتنسيق الإقليمي ويحظى بدعم ممثلين من دول عربية، وتتمثل مهمته في مساندة «الحكم الفعّال» في القطاع. وفي أدنى الهرم لجنة وطنية لإدارة غزة ستُعرَف باسم «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» ويقودها علي شعث، نائب وزير سابق في السلطة الفلسطينية.
إلى جانب هذه الهياكل المدنية ثمة ركيزة عسكرية يقودها الجنرال الأمريكي جاسبر جفرز كقائد لقوة «الاستقرار الدولية» التي تشمل صلاحيات تتضمن «نزع السلاح الدائم» — وقد وردت هذه التسمية في نص الإعلان الرسمي.
العضوية في المجلس محصورة بالدول التي يدعوها الرئيس، وتمثّل الدول الأعضاء عادة برؤساء دول أو مسؤولين حكوميين كبار، مع إلزام المساهمين بالتقيد بقوانينهم الوطنية عند دعم العمليات. تنص البنود العامة على أن مدة العضوية ثلاث سنوات، غير أن هذه القاعدة لا تنطبق على الدول التي تسهم بأكثر من مليار دولار في السنة الأولى، إذ تكفل لها مقعداً دائماً.
بعد الإعلان بوقت قصير، وُجهت دعوات إلى عشرات الدول. وأضافت عشرات العواصم أنها تسلمت الدعوات—من بينها حلفاء مقربون للولايات المتحدة مثل المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وأستراليا—فيما شملت القوائم كذلك دولاً تُعد منافِسة كالولايات المتحدة والصين وروسيا. وقد أكدت إسرائيل مشاركتها بعد موافقة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
انقسام المواقف واضح: بعض الدول أبدت استعدادها للمشاركة، بينما تريثت أخرى، ويعزو مراقبون التردد إلى خشية من أن يُستغل ميثاق المجلس الواسع لتجاوز أو حتى استبدال الهيئات الدولية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة. هذا ما يفسر الحذر الواسع الذي سجّلته دعوات الانضمام حتى الآن.
ما نعرفه حتى الآن يختصر صورة مؤسسة دولية مقترحة بصلاحيات شاملة وبهيكلية مدنية وعسكرية متزامنة، يقودها رئيس يشغل منصباً سياسياً ذا نفوذ كبير، وتبقى تفاصيل التنفيذ ودرجة التوافق الدولي حول شرعية ودور هذه الآلية محل مراقبة واهتمام دولي واسع. أعلن مكتب نتنياهو يوم الأربعاء أنه سيشارك في المبادرة، رغم صدور أمر توقيف بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم ارتُكبت في غزة. وجاء قرار المشاركة بعد أن كان مكتبه قد أعرب سابقًا عن اعتراضات على تركيبة اللجنة التنفيذية التي تضم، من بين أعضاء آخرين، تركيا كدولة إقليمية منافسة.
تشارك نتنياهو بالرغم من مذكرة 2023 للجنائية الدولية التي تتهمه بالإشراف على جرائم ضدّ الإنسانية في غزة، وهو ما من شأنه أن يفاقم المخاوف حول حيادية هيئة المجلس، لا سيما مع الدور المحوري الذي يلعبه ترامب في تشكيل عضويتها وتحديد مسارها.
باكستان أكدت بدورها يوم الأربعاء قبولها المشاركة، وقالت وزارة خارجيتها في بيان إنها تأمل أن يؤدي إنشاء هذا الإطار إلى خطوات ملموسة نحو تنفيذ وقف إطلاق نار دائم، وتكثيف المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، وإعادة إعمار غزة.
وأعلنت وزارة خارجية مصر أيضًا أن رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي سينضم إلى المجلس. ومن الدول الأخرى التي وافقت على الانضمام الإمارات، والمغرب، والأرجنتين، والمجر، وروسيا البيضاء.
أندرياس كريغ (أستاذ مشارك في دراسات الأمن بكلية كينجز لندن) يرى أن دوافع الدول المنضمة إلى مجلس السلام ترتكز إلى «الوصول والقدرة على التأثير». فالبلدان تريد خطًا مباشرًا إلى البيت الأبيض، ومقعدًا في غرفة اتخاذ القرار حيث تُحدد العقود والممرات والمعابر والجداول الزمنية، وفرصة لصياغة مفهوم «ما بعد حماس» قبل أن تتبلور الوقائع على الأرض؛ كما أن المشاركة تُعد بمثابة «شراء تأمين» ضد الاستبعاد المستقبلي.
فيليبو بوني، محاضر أول في السياسة والدراسات الدولية بجامعة أوپن (Open University) في بريطانيا، قال إن الدول المدعوة أمامها خيار حاد: إما الانضمام إلى المجلس وبالتالي تقويض الأمم المتحدة، أو الرفض ومواجهة احتمال فرض رسوم أو عقوبات من الولاات المتحدة.
أي الدول رفضت الانضمام؟
على الأقل أربع دول أكدت رفضها: فرنسا، والدنمارك، والنرويج، والسويد. وأكد رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون القرار للصحفيين في دافوس يوم الأربعاء.
الدنمارك تواجه ضغوطًا من واشنطن بشأن غرينلاند؛ إذ اقترح ترامب مرارًا أن تكتسب الولايات المتحدة الإقليم شبه الذاتي الدنماركي، ملوِّحًا باستخدام القوة إذا رفض كوبنهاغن — مع أن خطابه في المنتدى الاقتصادي العالمي قال إنه لن يلجأ إلى القوة.
لماذا تتردد دول في الانضمام إلى المجلس؟
عدة دول في الشرق الأوسط، وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا — بما في ذلك الهند وإندونيسيا ومصر واليابان وتايلاند — وُجهت إليها دعوات لكنها لم تتخذ قرارها بعد. كما أن معظم الدول الأوروبية، بمن فيهم حلفاء واشنطن كالمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا، لم تُعلِن موقفًا واضحًا. كما أن الصين وروسيا لم تؤكد مشاركتها.
بوني يرى أن هذا التردد ليس مستغربًا: كثير من هذه الدول تدافع عن مبادئ وقواعد الأمم المتحدة كأساس للعلاقات الدولية. وبكين بدورها طرحت إطارها للحكم العالمي عبر مبادرة الحوكمة العالمية (GGI) التي أعلنها الرئيس شي جين بينغ في 2025، لذا من المرجح أن تتحرك بحذر تجاه خطة ترامب.
في خان يونس بدا أطفال فلسطينيون نازحون يلعبون وهو مشهد يذكّر بتبعات الصراع على المدنيين.
كريغ أضاف أن الدول التي تختار البقاء خارج المجلس ستسعى مع ذلك للحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن من خلال قنوات ثنائية، والتعاون الدفاعي، والتبادل التجاري، ودعم إنساني سري. وفي الوقت نفسه، ستستمر في التأكيد على أن أي عملية تتضمن قوات وسلطة قانونية ينبغي أن تمر عبر الأمم المتحدة لمنحها غطاءً وتقليل الانطباع بأنها مشروع أمريكي بحت.
ماسود خان، السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، قال إن توجيه الدعوة لبلاده يعكس اعترافًا دوليًا متزايدًا بمكانة إسلام آباد، لكنه حذر من أن نجاح المبادرة يعتمد أكثر على السياسة منه على البنية المؤسسية. وأضاف أنه طالما ظل النفوذ السياسي لترامب قائمًا، فالبنية المرجحة أن تعمل، لا سيما وأن المستويات العليا من المجلس تضم شخصيات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا به.
بدأ ترامب ولايته الثانية قبل عام من الآن ومن المتوقع أن يبقى في السلطة حتى يناير 2029، أي أطول بسنة من ولاية تفويض المجلس المحددة لدى الأمم المتحدة. وبوني قال إن أي دولة مستعدة لدفع مليار دولار مقابل مقعد دائم ستتخذ قرارها بدافع سياسي أكثر مما هو اقتصادي: إما تحدي التعددية ونظام القواعد الدولي الذي تُعد الأمم المتحدة مركزه، أو الاستمرار في الامتثال له ورفض تقديم الدعم للقيادة الأمريكية بموجب هذا الإطار الجديد.
كريغ اقترح أن بعض الدول الغنية قد ترى قيمة في الدفع مقابل النفوذ، لكنها ستتقدم بحذر. فمثلاً اليابان قادرة على ذلك لكن من المتوقع أن تتوخى الحيطة تجاه نموذج «الدفع مقابل الدخول» الذي قد يضعف أعراف الأمم المتحدة؛ والهند قادرة كذلك، لكنها نادرًا ما تدفع للانضمام إلى ناد يملكه طرف آخر ما لم يكن العائد ملموسًا وفوريًا.
هل يمثل مجلس السلام بديلاً عن الأمم المتحدة؟
أهم المخاوف أنه قد يتحول منافسًا للأمم المتحدة، المؤسسة التي ظلت حجر الزاوية للدبلوماسية الدولية لعقود رغم إخفاقاتها وتجاوزات وقواعدها من قِبل دول قوية. ومع ذلك، رفض خان فكرة أن فشل الأمم المتحدة في التحرك الحاسم في غزة يعني انهيارًا مؤسسيًا قائلاً إن «الأمم المتحدة مُنعَعت من العمل». «لم يَخْتَرْ الامتناع عن التحرك»، قال ذلك مُشيرًا إلى استخدام الولايات المتحدة المتكرر لحقّ الفيتو الذي شلّ عمل مجلس الأمن.
كان ترامب ناقدًا لاذعًا للأمم المتحدة خلال ولايته الأولى (2017–2021)، وفي عودته الثانية إلى البيت الأبيض خفّض التمويل عن عدد من الهيئات المرتبطة بالمنظمة.
لكن بوني لفت الانتباه إلى أن ميثاق الامم المتحدة رسّخ مبادئ مثل تكافؤ حقوق الدول الكبيرة والصغيرة بعد الحرب العالمية الثانية، بينما يبدو ميثاق مجلس السلام في جوهره قائمة قواعد للانضمام إلى نادٍ «لا تبدو فيه مثل هذه المبادئ حاضرة».
وقال كريغ إن المخاوف من أن يؤدي مجلس السلام إلى تجريد الأمم المتحدة من جوهرها «في محلها». وأضاف: «لا حاجة إلى إلغاء الأمم المتحدة لتفريغها من المضمون. يمكن سحب الانتباه، وتجفيف مصادر التمويل، وإرساء عادة تنتقل فيها القرارات الكبرى إلى هيئات مؤقتة يراشها الفاعلون الكبار».
وأشار إلى أن مقترح ترامب لمجلس السلام ينطوي على هذا الخطر بالتحديد.
«الأمم المتحدة لا تزال تحتفظ بما يصعب على المجلس تقليده: عضوية تكاد تكون شاملة، ومكانة قانونية، وآليات وكالات قادرة على العمل على نطاق واسع. والخطر أن يحوّل المجلس المنظمة إلى مزوّد خدمات يتلقى التعليمات بدل أن يضع الشروط».
وأضاف: «إذا أرادت عواصم أخرى بقاء الأمم المتحدة على المسرح الرئيسي، فستقاوم الانضمام إلى المجلس، وتموّل قنوات المنظمة، وتتعامل مع المجلس كأداة مؤقتة مرتبطة بغزة بدلاً من اعتباره نموذجًا لإدارة النزاعات العالمية».