من داخل الغرفة مع دونالد ترامب في دافوس — كيف بدا المشهد؟

كنتُ في القاعة حين دخل الرئيس ترامبّ، ولا يفوّتُ المرء وصفُ الحفاوة التي قُدّمَت له في البداية: وقوف وتصفيق حارّ. المشهد بدا مبشِّراً عند الافتتاح، لكن خلفه كان هناك فوضى مروعة عند البوابات، مع زحام محموم ونفورٍ لعددٍ كبيرٍ من الحضور — حتى رُؤساءُ دولٍ أُخِرُوا عن الدخول.

الأمن كان مكثفاً لدرجة لا تُصدَّق، فلم يُسمَح لبعضٍ من أشهر الحاضرين بالدخول أو الخروج بسهولة. وبعد دقائق من إلقائه للكلمة بدا الرئيس متزناً، أورد عباراتٍ ودّيةً عن رغبتِه في أن “تفعل المملكة المتحدة أموراً عظيمة”، فبدت الجلسة للمرة الأولى أقرب إلى خطبةِ عمٍّ حكيمٍ منه إلى مؤتمرٍ اقتصاديّ يضع القواعدَ الجديدةَ للاقتصاد العالمي.

وبينما تباعدَ الخطاب عن النبرةِ المهدِّدة التي اعتدناها على وسائل التواصل الاجتماعي فيما يخصُ قرينلاند، ظلّ السؤال يلحّ: أيُّ ترامبٍ نواجه؟ وهل وصلته الانتقاداتُ التي طالت بعض خطاباته؟ عند دخولي أخبرني بعض الحاضرين عن حادثةٍ مُذهلةٍ الليلة الماضية، حين قال وزيرُ التجارة هيوارد لوتنيك للحضور إن اقتصاد أوروبا “موتى”، فقام جزءٌ من الجمهور وخرج مطالباً؛ بدا أن الرئيس سعى اليوم لتفادي تكرار مثلِ ذلك المشهد.

الخطاب أخذ منحى قاتماً

في البدء بدا أن ترامبّ يجرب وجهاً دبلوماسياً؛ تكلم بلطف عن الحلفاء الغربيين الذين اضطربوا بسبب تغريداته، واعترف تقريباً بأنه ليس من الحكمة التطرق مجدداً إلى مسألة قرينلاند التي كرّر الحديثَ عنها. لكنّ التحوّل جاء سريعاً، كما لو أنه لم يستطع مَقاوَمَة نفسه: تذكّر دورَ الولايات المتحدة في مساندةِ غرينلاند سابقاً وودّها للدنمارك، ثم توالت التعليقات الساخرة إلى حدّ الإهانة عندما قال إنّ أرجاء القاعة “لَكانت تتكلّم بالألمانية” لولا وجود أمريكا.

ثم أعلن أنه يطلب مفاوضاتٍ فوريةً لضمّ قرينلاند — تسويةٌ تفاوضيةٌ كما قال، بلا عنفٍ، لكن مع شرط حصول الولايات المتحدة على “الملكية الكاملة”. “نريد هذه الأرض” ليبني عليها “أعظم قبةٍ ذهبيةٍ بُنيت على الإطلاق”؛ ووجّه تحذيراً إلى رئيس وزراء كندا مارك كارني بشأن تصريحاتٍ سابقة، مع تأكيده أيضاً أن استخدام غرينلاند سيكون لِدفاعِ كندا. وكرر العبارة اللافتة: “أطلب قطعةَ جليد … طلبٌ صغيرٌ جداً.” كان من المدهش سماعُ هذا الكلام يُقال علناً.

يقرأ  اندلاع اشتباكات في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد ساعات من مراسم توقيع اتفاق السلام التي حضرها ترامب — أخبار الصراع

ردود فعل متباينة في القاعة

كانت المجريات في جبال الألب عالية المخاطر: أمنٌ مشدَّد، رهاناتٌ مرتفعة، وتوتّرٌ واضحُ لدى وصولِ من يسعى لأن يكون شريفَ النظام العالمي، حاملاً قواعدِه الجديدة. التفاعل داخل القاعة كان متبايناً: محاولات الرئيس للدبلوماسية كسبت له تصفيقاً مجامِلاً، لكنّ بعضَ الفقرات — من اتهاماتٍ بانتقاص نزاهة الانتخابات إلى ازدرائه لبعض خطب القادة في دافوس — تركت آخرين في حالةِ اندهاش.

على الرغم من تعهده بعدم غزو غرينلاند، صُدم كثيرون من محاولاته لإقناع أوروبا بتسليم الإقليم. وصف حاكم ولاية كاليفورنيا الديموقراطي غافن نيوسوم الخطابَ بعبارة “تاكو الثلاثاء”، في إشارةٍ ساخرةٍ لسلوك يُظهر تملّص الرئيس. ورأى البعض أن ترامبّ تراجع تحت ضغط ردود الفعل القوية من الرئيس ماكرون ومارك كارني. وفي المقابل قال سيناتور جمهوري بارز، توماس تيليس، إن سعيَ الرئيس لضمِّ غرينلاند حتى بوسائل تفاوضية لن يحظى بدعمٍ من الكونغرس.

هكذا، بينما حاول التهدئة وتهدئَةَ النبرة، لم يتخلّ عن مهاجمة الحلفاء، حتى بشخصنة الهجوم على قادةٍ معينين. وبالرغم من وعوده بعدم الغزو، ظلّ يَصرُّ على أن غرينلاند ستكون جزءاً من “أمريكا الجديدة” وأن العالمَ ينبغي أن يَشكرَه على ذلك. انتهى الخطابُ بسلامٍ ظاهريّ، لكن أثره سيتردّد طويلاً في أروقة السياسة والنقاش العام.

أضف تعليق