في خطابٍ متحرِّر موجَّه إلى قادة العالم في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا، قدَّم الرئيس ترمب سلسلة ادعاءات مثيرة للجدل. استمرّت كلمته أكثر من ساعة وضمَّت مزاعمٍ عدة فحصتها وحدة التحقّق في بي بي سي.
هل أعادت الولايات المتحدة جرينلاند إلى الدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية؟
لأسابيعٍ عديدة أعرب ترمب عن رغبته في ضمّ جرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك، وادّعى أنّها مسألة حيوية للأمن القومي الأميركي. في دافوس قال: «بعد الحرب العالمية الثانية أَعَدْنَا جرينلاند للدنمارك، يا له من غباء فعلناه». لكن الحقيقة أنّ جرينلاند لم تكن ملكًا للولايات المتحدة كي تُعاد. فقد قررت محكمة دولية في 1933 أن جرينلاند تابِع للدنمارك، وكانت تلك المحكمة سلفًا لـالمحكمه الدولية للعدالة. وفي عام 1941، وبعد استسلام الدنمارك لألمانيا، اتفقت الولايات المتحدة وممثلو الدنمارك على أن تتولّى الولايات المتحدة الدفاع عن جرينلاند لدرء خطر الاستيلاء النازي، ما أدّى إلى إقامة قواعد أميركية ونشر قوات، لكن هذا الاتفاق لم ينقل السيادة فأبقت جرينلاند على وضعها التابع للدنمارك.
هل تدفع الولايات المتحدة «عمليًا 100%» من إنفاق دفاع الناتو؟
وجّه الرئيس انتقادًا لحلف الناتو بالقول إن «الولايات المتحدة كانت تدفع ما يقرب من 100%» من تكاليف الحلف، وإن الدول «لم تدفع نسبة 2% والآن تدفع 5%». هذان الادعاءان غير دقيقين. على مدار السنوات الأخيرة شكّلت نفقات الولايات المتحدة حوالي 70% من إجمالي إنفاق دول الناتو؛ ومع تقدّم السنوات انخفضت النسبة إلى نحو 65% في 2024 وتُقدّر بنحو 62% في 2025، إذ التزمت جميع الدول الأعضاء للمرة الأولى بإنفاقٍ لا يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع. ما ذكره ترمب عن 5% يشير إلى هدفٍ طويل الأمد تسعى الحلف إلى تحقيقه بحلول 2035؛ حتى الآن لا توجد دولة عضو تصل إلى هذا المستوى، وأعلى معدلات الإنفاق كنسبة من الناتج المحلي كانت تقترب من 4.5% لدى بولندا في 2025.
هل لم تحصل الولايات المتحدة على أي شيء من الناتو؟
قال ترمب إن الولايات المتحدة «لم تحصل على أي شيء» من الحلف و«لم تطلب شيئًا أبدًا». لكن مبدأ الدفاع الجماعي هو أساس الناتو، وتنص المادة الخامسة على أن «الهجوم المسلّح ضد عضو يُعتبر هجومًا ضد الجميع». الولايات المتحدة هي العضو الوحيد الذي فعّلت المادة الخامسة بعد هجمات 11 سبتمبر، وتبرّع حلفاء الناتو بقوات ومعدّات للحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان؛ من بين هؤلاء الدنمارك التي تكبّدت واحدًا من أعلى معدلات الخسائر بالنسبة لعدد السكان بين الحلفاء، حيث نُشِر جنودها في مناطق ذات قتالٍ عنيف إلى جانب القوات البريطانية في إقليم هلمند.
هل لا توجد مزارع رياح في الصين؟
هاجم ترمب طاقة الرياح واصفًا إياها بـ«خدعة خضراء» وزعم، رغم صناعة العديد من التوربينات في الصين، أنه لم يعثر «على أي مزارع رياح في الصين». الواقع مغاير: لدى الصين أحد أكبر مجمّعات مزارع الرياح في العالم في مقاطعة قانسو، وحتى يمكن رؤيته من الفضاء. وتولّد الصين طاقة رياح أكثر من أي دولة أخرى؛ فبحسب Our World in Data أنتجت الصين نحو 997 تيراواط ساعة من الرياح في 2024، أي أكثر من ضعف إنتاج الولايات المتحدة.
هل تستأثر المملكة المتحدة بنسبة 92% من عائدات نفط بحر الشمال؟
وجّه ترمب نقدًا لسياسات بريطانيا الطاقية وزعم أن الدولة «تأخذ 92% من الإيرادات». لكن نظام الضرائب المعمول به في حقول بحر الشمال لا يقتصد بالمبالغ على مستوى الإيراد، بل على مستوى الأرباح: تدفع شركات النفط والغاز ضريبة شركات قياسية بنسبة 30% إضافةً إلى نسبة إضافية 10% على الأرباح، وفي نوفمبر 2024 رفعت الحكومة ضريبة الأرباح الاستثنائية (windfall tax) من 35% إلى 38%، ما يرفع العبء الضريبي الكلّي على أرباح النفط في بحر الشمال إلى نحو 78% — وهو احتساب على الأرباح لا على الإيرادات — وكانت هذه الضريبة الاستثنائية قد طُرحت ردًا على ارتفاع فواتير الطاقة ومن المقرر أن تنتهي في 2030.
هل أمن ترمب استثمارات بقيمة 18 ترليون دولار للولايات المتحدة؟
تحدّث الرئيس أيضًا عن حجم الاستثمارات التي جلبتها إدارته، قائلاً إنه «حصّل تعهّدات قياسية بقيمة 18 تريليون دولار» وكرر لاحقًا أن «18 تريليون دولار مستثمرة». سبق له أن قدّم مزاعم مقابلة (مثل 17 تريليون في أكتوبر)، لكن لا توجد دلائل منشورة تدعم أرقام بهذا الضخامة. تتوفر صفحة على موقع البيت الأبيض تُحدَّث لتتتبّع «الاستثمارات الجديدة في التصنيع والتكنولوجيا والبنية التحتية الأميركية»، لكنها لا تؤسس لبيانٍ واضح يبرّر مجموعًا بهذا الحجم.
تُفيد هيئة الإذاعة البريطانية بأن إجمالي الاستثمارات خلال عهد ترامب يصل إلى نحو 9.6 تريليون دولار (حوالي 7.1 تريليون جنيه إسترليني).
أكبر بند في هذه القائمة هو استثمار بقيمة 1.4 تريليون دولار (نحو 1 تريليون جنيه إسترليني) مخصّص لقطاع التصنيع والصناعة من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة — وهو مبلغ هائل يضع الصناعة في طليعة أولويات المستثمرين الأجانب. (ملاحظة: الاستثثمار المذكور مُعلن بأن يمتد على مدار العقد المقبل.)
تذكر صفحة سفارة الإمارات في واشنطن أن الدولة “تعمل مع إدارة ترامب على ضخ استثمار تاريخي بقيمة 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل”، في تأكيد رسمي على نية الشراكة الاقتصادية.
غريغ أوكليرر، الإحصائي في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، قال لبي بي سي فيريفاي إن متابعة البيت الأبيض “تشمل تعهّدات قد لا تُترجم إلى واقع — فمثلاً يبدو أن صفقة التجارة مع الاتحاد الأوروبي مجمدة الآن بسبب التوترات المتعلقة بغرينلاند”.
لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي أعلنت من جهتها تعليق التصديق على الاتفاق “حتى تقرر الولايات المتحدة إعادة الانخراط في مسار التعاون بدلاً من المواجهة”، في خطوة تعكس تواضع الثقة وحذر الاتحادات الأوروبية.
وأضاف أوكليرر أن الزيادة الأخيرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الولايات المتحدة واضحة، غير أن ثمار سياسة الدفع نحو الاستثمار التي تتبعها إدارة ترامب قد تستغرق عدة سنوات قبل أن تتضح نتائجها بشكل قاطع.
تقرير: توم إدجنتون، لوسي جيلدر، مات مورفي، نيكولاس باريت وأنثوني روبن.