سخريات ترامب بدأت تفقد تأثيرها لدى كثير من قادة أوروبا

ألقى دونالد ترامب خطاباً مطوّلاً في منتدى دافوس بسويسرا، جاء متشعّب الأفكار وضمنه مقولة استفزازية: «بدوننا، الآن لكنتم تتكلمون الألمانية». والنبرة الاستعلائية هذه بدت أكثر إساءة حين جاءت وجهاً لوجه أمام من يُفترض أنهم أصدقاؤه وحلفاؤه الأوروبيون — أو بالأحرى «أصدقاء» مزعومون.

من بروكسل إلى برلين إلى باريس اعتبر كثيرون خطابه مهيناً ومتعجرفاً ومليئاً بالمغالطات. طرح ترامب فكرة أن أوروبا تحيد عن المسار الصحيح، وهي رسالة كرّرها سابقاً، لكنها تكتسب وزناً مختلفاً حين تُلقى على أرض أوروبا وفي مواجهة قادة وشعوب تُعد حلفاء تاريخيين للولايات المتحدة.

شهد الخطاب تسجيلاً واضحاً للتخفيف من مخاوف مباشرة لدى بعض الأوروبيين: استبعاد الرئيس استخدام القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند قوبل بارتياح واسع. ومع ذلك يبقى الإشكال الجوهري أنه يعبر عن رغبة في امتلاك أرض يؤكد أصحابها أنها ليست للبيع.

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن عقب الكلمة إن «طموح الرئيس لا يزال قائماً»، وأن تصريحات ترامب عن الشأن العسكري «إيجابية بمعزلها». وفي عاصمة غرينلاند نوك، أصدرت السلطات كتيّب إرشاديّاً لسكان الإقليم عن سبل التصرف في حال حدوث «أزمة»، ووصف وزير الاكتفاء الذاتي بيتر بورغ هذا المستند بأنه «بوليصة تأمين» فيما لم تتوقع الحكومة الحاجة إلى تفعيله.

في خطابه لم تَرِد تلميحات تراجعية بشأن تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية اعتبرها معرقلةً لطموحاته في القطب الشمالي؛ ولا ذُكر رسمياً اقتراح ضريبة نسبتها 10% المقرر تطبيقها بداية فبراير. وبدا واضحاً أن أي أمل أوروبي في تهدئة هذه الأزمة العابرة للأطلسي تبخّر عندما بدأ الرئيس يعرض مبرراته الصارمة للاستحواذ على الجزيرة.

تجاهل ترامب التأكيدات الأوروبية على سيادة غرينلاند، وقدم اقتنائها كصفقة معقولة بالنظر إلى الدعم العسكري الذي قدمته الولايات المتحدة لأوروبا لعقود. وصرّح بأن الولايات المتحدة «أخطأت بإعادة» غرينلاند بعد تأمينها في الحرب العالمية الثانية — في حين أن غرينلاند لم تكن يوماً جزءاً من الولايات المتحدة.

يقرأ  لمحة موجزة عن تاريخ تكنولوجيا التعليم— تيتش ثوت

عاد ترامب إلى لحنه المألوف عن تقاعس أعضاء الناتو الأوروبيين تجاه الالتزامات. وانتقد الدنمارك بالذات عندما استشهد بسقوطها أمام ألمانيا عام 1940 «بعد ست ساعات من القتال»، متناسياً أن الدنمارك كانت شريكاً هاماً في التحالفات اللاحقة، لا سيما في أفغانستان حيث دفعت ثمناً باهظاً وفقدت 44 جندياً — وهي خسارة نسبية تفوق معظم الحلفاء بعد الولايات المتحدة — كما فقدت عناصرها مع القوات الأمريكية في العراق. كما وقف كثير من حلفاء الناتو إلى جانب الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر 2001.

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون محطّ تعليقات وسخريات عديدة، سواء بسبب ظهوره بنظارات شمسية لأسباب طبية أو بسبب لهجته «الصلبة» في المنصة. قال ترامب إنه يحِبّ ماكرون ثم أضاف ساخراً: «صعب التصديق، أليس كذلك؟» لكن هذه المزحة بدأت تفقد بريقها لدى كثير من القادة الأوروبيين الذين أمضوا عاماً يحاولون التودّد والتملق وإيجاد أرضية مشتركة، فكانت النتيجة مواجهةً لأكبر تهديد يواجههم حتى الآن.

تردّدت أنباء عن عقد قمة طارئة للاتحاد الأوروبي في بروكسل حيث اختار كبار الساسة الأوروبيين لغة أشدّ تجاه السياسة الأمريكية. الكرة الآن في ملعب أوروبا: هل تصعد الردّ من خلال الاعتماد على التدابير المضادة مثل الرسوم المضادة واستعمال «بازوكا التجارة» الأوروبية، أم تتريث حتى الأول من فبراير لترى إن كان ترامب سينفّذ تهديداته فعلاً؟

افتتح ترامب خطابه الذي امتدّ ساعة و12 دقيقة بالتباهي قائلاً إن «الناس في الداخل سعداء جداً بي». بعد هذه الجولة الاستثنائية من ديمقراطية ترامب، صار من الصعب العثور على هذا الشعور بالحب داخل أوروبا التي يزعم الرئيس أنّه يعشقها.

أضف تعليق