لماذا انضمت إسرائيل إلى «مجلس السلام» الذي اقترحه ترامب رغم اعتراضاتها؟ الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي اقترحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمستقبل غزة، بعد أيام من معارضته بعض عناصر الهيكل متعدد الطبقات الذي عرضته واشنطن للإشراف على الأراضي الفلسطينية.

ومع أن هذا التقلب الظاهر أثار انتقادات من فلسطينيين وأنصارهم، نظراً للدور المركزي لنتنياهو في الحرب الشاملة على غزة منذ أكتوبر 2023، والتي أودت بحياة أكثر من 71,450 شخصاً، إلا أن كثيرين يرون أن وراء ما بدا تناقضاً في المواقف الإسرائيلية حسابات استراتيجية مدروسة. يواجه نتنياهو أيضاً أمر توقيف صادر عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب مزعومة في الأراضي الفلسطينية.

يرى محلّلون أن مقاربة نتنياهو قبل أيام من قبوله المقعد في المجلس الدولي، عندما أعلن معارضته لمجلس تنفيذي لغزة قائلاً إن تركيبه «لم يُنسق مع إسرائيل ويتعارض مع سياستها»، هي جزء من لعبة تكتيكية أكبر.

وقد أعلن البيت الأبيض أن أعضاء «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، ومن ضمنهم ممثلون عن دول صديقة لإسرائيل وشخصيات مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصهر ترامب جاريد كوشنر، «سيركزون على محفظة محددة حاسمة لاستقرار غزة ونجاحها طويل الأمد»، وتشمل «تعزيز القدرات الحوكمية، العلاقات الإقليمية، إعادة الإعمار، جذب الاستثمار، التمويل واسع النطاق، وتعبئة رؤوس الأموال».

ومع استعداد نتنياهو للجلوس إلى جانب هؤلاء على طاولة واحدة، تواصل القوات الإسرائيلية في الوقت نفسه منع دخول الأشخاص الذين كُلّفوا بعملية إعادة الإعمار إلى القطاع.

ويذهب محلّلون إلى أن قرار الحكومة الإسرائيلية بالموافقة على الانضمام قد يكون من ضمن استراتيجية محسوبة لتقويض محاولات الحكم المستقبلي في غزة. فبينما يشارك جميع أعضاء المجلس في التصويت، يملك ترامب، بصفته رئيساً للمجلس، حق النقض، وهو ما قد يفتح الباب أمام إسرائيل للتفاوض والضغط على قرارات المجلس.

يقرأ  مبيعات دار كريستيز تصل إلى ١٠٧٫٤ مليون دولار خلال أسبوع الفن في باريس

قال رامي خوري، زميل في الجامعة الأميركية في بيروت، للجزيرة إن «إسرائيل لا تملك حقّ النقض»، وأضاف: «لكن ترامب برهن بوضوح أنه سيعقد صفقات… إسرائيل ستعترض، ثم وفي النهاية ستتراجع وتقبل بالصفقة، كما حصل للتو مع مجلس السلام». وخلاصة خوري أن ترامب «صفقي ويسعى لإغلاق الملف للتركيز على إيران»، بينما نتنياهو «مخطط صهيوني طويل الأمد يسعى لكسب الوقت».

وقد اعترضت إسرائيل سابقاً على إدراج تركيا وقطر في المجلس ووصفت ذلك بخط أحمر، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية. ونقل عن زعيم المعارضة يائير لابيد أنه قال في الكنيست لنتنياهو إن ترامب أعلن تشكيل المجلس «دون علمك»، واتهم رئيس الوزراء بالضعف قائلاً: «أُعيدت دعوة مضيفي حماس في إسطنبول والدوحة… لإدارة غزة». ورد نتنياهو قائلاً «لن يكون هناك جنود أتراك أو قطريون في غزة»، معترفاً بوجود «خلاف» مع واشطن بشأن المجلس الاستشاري.

استراتيجية «التعطيل»

بينما ركز الخلاف الدبلوماسي حتى الآن على أسماء أعضاء المجلس، فإن المأزق الحقيقي هو عملي، بحسب محلّلين. فقد نقلت صحيفة هآرتس أن إسرائيل ترفض السماح للجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة — وهي لجنة مكونة من 15 خبيراً فلسطينياً مستقلين سياسياً ومكلفة بإعادة الإعمار وتحت إشراف مجلس السلام — بالدخول إلى قطاع غزة عبر معبر رفح. وكان من المقرر أن تتولّى هذه «التقنيّون» إدارة الشؤون المدنية للقطاع هذا الأسبوع.

وعلى السطح تبدو اختلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول غزة والمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي تُعدّ هذه اللجنه جزءاً منها. لكن المحلّلين يؤكدون أنه بالرغم من الخطاب الحاد، لا يوجد شقّ حقيقي في علاقة الحليفين.

قال مهند مصطفى، خبير في الشؤون الإسرائيلية، للجزيرة: «لا أسميها مواجهة بل تباين». وأوضح: «نتنياهو لا يستطيع أن يقول ‘لا’ لترامب بصورة مباشرة، لذلك ستستخدم إسرائيل أدوات لتعطيل عمل اللجنة… تقييد حركتها وإبقاء معبر رفح مغلقاً».

يقرأ  لماذا يُحاكم مسلمون في الهند لقولهم «أحب محمد»؟ | تقارير الإسلاموفوبيا

الهدف الإسرائيلي النهائي هو فصل المرحلة الإنسانية الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار عن المرحلة الأولى المتعلقة بالانسحاب. «سيقولون للجميع: استمرّوا في لجانكم، لكننا لن ننصرف»، توقع مصطفى. «هم الآن يوسّعون السيطرة على نحو 55 إلى 60 في المئة من مساحة قطاع غزة».

إعادة الإعمار مقابل الأمن: تهديد ‘الأبراج العالية’

ورغم أن إعادة إعمار غزة تحظى بأولوية في خطة السلام، فإن الجيش الإسرائيلي يثير مخاوف أمنية بشأنها. نقلت هآرتس عن مسؤولين عسكريين قولهم إن مخططات إعادة الإعمار، وبخاصة فكرة «أبراج عالية» في غزة الجديدة، ستمنح ناطحات سحاب تطل على مستوطنات وقواعد إسرائيلية جنوبية، وهذا أمر «غير مقبول» من منظورهم.

وبالاستناد إلى تبريرات كهذه، تجمّد إسرائيل عملياً إعادة الإعمار قبل أن تبدأ، عبر اشتراط عملية نزع سلاح منفصلة لا توجد جهة دولية راغبة أو قادرة على تنفيذها. ويعكس ذلك، بحسب مصطفى، «سخرية رؤية الولايات المتحدة التي تصطدم بالواقع الإسرائيلي».

«تخيّلوا بناء كتلات سكنية في منطقة لا تزال إسرائيل تسيطر عليها عسكرياً. قد تبدأ اللجنة بإدارة هذه المناطق… لكن بموافقة أمنية إسرائيلية»، أضاف مصطفى.

نمط الامتثال مقابل تعويضات

يرى خوري أن لعبة «الحدّ الأقصى من الضغط» التي تبدو أن إسرائيل تلعبها هي نمط تاريخي امتدّ لأكثر من 75 عاماً، حيث تُقدِم على التنازل لمطالب الولايات المتحدة فقط بعد أن تستخرج تعويضات وضمانات كبيرة. واستشهد بانسحابات من سيناء عام 1979 ولبنان عام 2000 كنماذج: «فعلت إسرائيل ما أرادته الولايات المتحدة… لكنها نالت ضمانات لمستويات غير مسبوقة من المساعدات والدعم في الأمم المتحدة وتعاونات دفاعية استراتيجية».

ومن خلال خلق أزمة حول إشراك تركيا وقطر — أو حول بناء أبراج سكنية عالية — قد يكون نتنياهو يهيئ الأرض لطلب ضمانات أمنية جديدة، أو ربما الحصول على أسلحة متطورة، مقابل السماح لعمل مجلس السلام.

يقرأ  ذعر في هوليوود — باراماونت ونتفليكس يتصارعان للسيطرة على وارنر براذرز

الضغوط المحلية المتصاعدة

نتنياهو لا يفاوض ترامب فحسب؛ بل يقاتل أيضاً من أجل بقائه السياسي داخل إسرائيل. أظهر استطلاع قناة 13 أن 53 في المئة من الإسرائيليين يعتبرون مشاركة تركيا وقطر في مجلس السلام «فشلاً إسرائيلياً». وهاجم وزير المالية بيتسلئيل سموتريتش الخطة الأمريكية ووصفها بأنها «خطة سيئة لإسرائيل». وادعى، وفق صحيفة معاريف، أن دولاً مثل المملكة المتحدة ومصر معادية للأمن الإسرائيلي، واستمرّ في المطالبة بالحكم العسكري على غزة و«هجرة طوعية» لسكانها بدلاً من الانسحاب الإسرائيلي.

قال مصطفى: «نتنياهو في دوامة سياسية. يضغط عليه المعارضون والمستوطنون الذين يريدون العودة إلى غزة، والأمريكيون».

العد التنازلي للانتخابات

المتغير الأخير هو التقويم الانتخابي الإسرائيلي، مع احتمال إجراء انتخابات في أكتوبر 2026. وحسب مصطفى، «إذا انسحبت إسرائيل من غزة دون أن تُسَلَّح حماس، سيُعتبر ذلك فشلاً»، مضيفاً أن نتنياهو سيفضل مصلحته الانتخابية الشخصية على إرضاء ترامب.

وعلى الرغم من أن نزع سلاح حماس وارد في اتفاق وقف إطلاق النار، لم يحدد بعد موعداً رسمياً لذلك، ما أثار استياء ترامب المتزايد الذي قال الأسبوع الماضي إنه سيدفع نحو «نزع تسليح شامل» لحماس، وكتب على وسائل التواصل: «كما قلت سابقاً، يمكنهم أن يفعلوا ذلك بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة».

الخلاصة، بحسب خوري، أنه في حين أن الرأي العام الأمريكي يتجه نحو الاشمئزاز من المجزرة في غزة ويجبر واشنطن على الانتباه، فإن إسرائيل مرعوبة من فقدان «الهيمنة الأمنية الوحيدة» على القطاع. «يخشون تكرار ما حدث في لبنان، لأن ذلك قد يتكرّر في الضفة الغربية وشرق القدس. لذا سيستخدمون كل الوسائل التي استخدموها طوال مئة عام للمماطلة.» (الجزيرة)

أضف تعليق