هل أعادت الولايات المتحدة غرينلاند إلى الدنمارك؟ ترامب يتجاهل التاريخ في دافوس أخبار دونالد ترامب

خطاب ترامب في دافوس: مطلب غرينلاند والتمييع مع آيسلندا

أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطاب ألقاه الأربعاء في دافوس بسويسرا تمسّكه بالمطالبة بـغرينلاند، مصرًّا على أن ذلك مطلب تفاوضي لن يتضمن — بحسب قوله للمرة الأولى — استخدام القوة. وركز ترامب على ما وصفه بـ«استراتجية» الرسوم الجمركية كأساس لتكتيكاته في المساومة، مشيرًا إلى الموقف الجيوسياسي لغرينلاند بين الولايات المتحدة وروسيا والصين كسبب رئيسي لرغبته في الحصول على الإقليم.

تاريخ وحقيقة السيادة
استعاد ترامب سردًا لتاريخ الولايات المتحدة مع غرينلاند والدنمارك، وقال إن «أمريكا أنقذت غرينلاند خلال الحرب العالمية الثانية ومنعت أعداءنا من الحصول على موطئ قدم في نصف الكرة الغربي». هذا الادعاء جزئي الدقة: بعد غزو ألمانيا للدنمارك تولت الولايات المتحدة مسؤولية دفاع غرينلاند وأقامت وجودًا عسكريًا هناك لا يزال قائمًا اليوم، وإن بدرجة أقل من ذي قبل. لكن ما لا يصح قوله هو أن الولايات المتحدة «أعادت» غرينلاند للدنمارك بعد الحرب، لأن واشنطن لم تكن تملك الإقليم أصلاً كي تعيده.

تؤكّد الآراء المتخصصة، وكذلك السجل القانوني، أن وضع غرينلاند كجزء من مملكة الدنمارك لم يكن موضع نقاش لأكثر من قرن. يعود التمكين الاستعماري الدنماركي لغرينلاند إلى عشرينيات القرن الثامن عشر، وفي 1933 حسمت محكمة دولية نزاعًا حدوديًّا مع النرويج وأكدت أن الدنمارك تمتلك صك السيادة على كامل غرينلاند منذ يوليو 1931. وبعد اعتماد ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، أدخلت الدنمارك غرينلاند عبر تعديل دستوري ومنحته تمثيلًا برلمانيًا في 1953، وأعلنت للأمم المتحدة انتهاء أي وضع استعماري من هذا النوع؛ وقَبلت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا التغيير في نوفمبر 1954، وصوتت الولايات المتحدة ضمن الدول المساندة لوضع غرينلاند الجديد.

يقرأ  نتنياهو يوافق على الانضمام إلى «مجلس السلام» التابع لترامب

التحرّك نحو الحكم الذاتي
منذ ذلك الحين شهدت غرينلاند انتقالًا تدريجيًا وثابتًا نحو مزيد من الحكم الذاتي: نال الناشطون السياسيون الغرينلانديون حكمًا محليًا في 1979 وأسسوا برلمانًا خاصًا؛ واليوم تُعد غرينلاند دائرة ضمن الدولة ذات السيادة الدنماركية، وتمثلها نائبان منتخبان في البرلمان الدنماركي.

اللبس بين غرينلاند وآيسلندا
أُشير في الخطاب إلى «آيسلندا» أربع مرّات بدلًا من غرينلاند، وصرّح ترامب قائلًا: «سوق الأسهم تراجعت البارحة بسبب آيسلندا»، وأضاف أن الهبوط كان بسيطًا مقارنة بالصعود الذي سيأتي. ردت الأسواق الأمريكية سلبًا على تصريحات ترامب حول غرينلاند في اليوم السابق لخطابه، بانخفاض يقارب 2 في المئة في قيمتها.

لا توجد لدى ترامب تصريحات عن نية ضم آيسلندا — وهي دولة مستقلة يعيش فيها نحو 400 ألف نسمة وتقع شرق غرينلاند —، ومن ثم بدا الخلط لفظيًا في كلماته محط انتقاد من وسائل الإعلام. عقب الخطاب، انتقدت المتحدثة باسم البيت الأبيض صحافيًّا زعم أن ترامب «خلط بين غرينلاند وآيسلندا» مرات عدّة، وقالت إن ملاحظات ترامب المكتوبة وصفت غرينلاند بأنها «قطعة جليد» لأنها كذلك. أما ترامب فقد أطلق على غرينلاند وصفًا مماثلًا لكنه ذكر «آيسلندا» أيضًا في مواقف منفصلة.

أهميّة آيسلندا الاستراتيجية
تقليديًّا حافظت آيسلندا على روابط وثيقة مع الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية عندما دُعي الجنود الأمريكيون إليها، وكانت آيسلندا عضوًا مؤسسًا لحلف الناتو في 1949، ووقّعت مع واشنطن اتفاقية دفاع ثنائية في 1951 لا تزال سارية. موقعها بين المحيط المتجمّد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي، عند الفتحة البحرية بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، يجعلها نقطة اختناق بحرية استراتيجية لِشمال أمريكا وأوروبا على السواء، رغم عدم امتلاكها جيشًا نظاميًّا.

في 2006 أنهت الولايات المتحدة وجودها العسكري الدائم في قاعدة كيفلافيك الجوية جنوب ريكيافيك، لكن القوات الأمريكية ما تزال تتبادل الوجود بشكل دوري. المدنيون الآيسلنديون يتولون الآن مهامًا مهمة لحلف الناتو مثل مراقبة الغواصات وتشغيل أربع محطات رادارية على أطراف البلاد، وتساهم آيسلندا ماليًّا في صناديق ائتمان الناتو وتُرسِل عددًا محدودًا من الخبراء الفنيين والدبلوماسيين لعمليات الحلف.

يقرأ  ذروة زخة شهب البرشاويات — نحو ٦٠ شهابًا في الساعة

تصريحات ومسؤولون
اختيار ترامب السابق لمرشح سفير لدى آيسلندا، النائب الجمهوري السابق بيلي لونغ، أثار جدلًا بعد أن سُمع وهو يمزح بأن آيسلندا «ينبغي أن تصبح ولاية أمريكية بعد غرينلاند» وأنه سيتولى منصب الحاكم — وهو ما اعتذر عنه لاحقًا في مقابلة مع صحيفة Arctic Today. وعيّن ترامب جيف لاندري، حاكم ولاية لويزيانا، مبعوثًا أمريكيًّا لغرينلاند.

تداعيات وردود فعل محلية
سيلجا بارا ر. أومارسدوتير، أستاذة العلاقات الدولية التي تشغل اليوم منصب رئيسة جامعة آيسلندا، قالت لصحيفة تامبا باي تايمز إن الاهتمام المتجدد بأمن آيسلندا — خصوصًا في ظل مخاوف من التوسع الروسي بعد غزو أوكرانيا — «ملموس جدًا على المستوى السياسي». وقال محللون في آيسلندا، نصف ما يقولون مزاحًا، إن أفضل سلوك لتجاوز عصر ترامب كان البقاء خارج دائرة الانتباه، وهو ما لم تنجح غرينلاند في تحقيقه.

«يمكن القول إن سياسة آيسلندا تجاه الولايات المتحدة كانت محاولة للبقاء تحت الرادار»، قالت بيا إليزابيث هانسون، مديرة معهد الشؤون الدولية في جامعة آيسلندا.

أضف تعليق