ريتشارد فاينمان: بين المعرفة والفهم
بقلم فريق TeachThought
من هو ريتشارد فاينمان؟
ولد ريتشارد فاينمان عام 1918، وهو فيزيائي نظري حاز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965 عن إسهاماته في ميكانيكا الكم. درس في معهد ماساتشوستس للتقنية حيث نال البكالوريوس عام 1939، ثم أكمل دراساته في جامعة برينستون وحصل على الدكتوراه عام 1942. شغل منصب مساعد باحث في برينستون (1940–1941)، ثم أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة كورنيل (1945–1950)، ولاحقًا أستاذًا في معهد كاليفورنيا للتقنية (Caltech) ابتداءً من خمسينات القرن العشرين.
لم يقتصر أثر فاينمان على البحوث النظرية فحسب؛ فقد اشتهر أيضًا بقدرته الاستثنائية على تبسيط الأفكار المعقدة وشرحها بروح مرحة ووضوح نادر. تميزت طرقه التعليمية بالفهم العميق للمبادئ الأساسية وبأسلوب عملي يُلهم المعلّمين والطلبة على حد سواء. يظل إرثه تذكيرًا بأهمية الفضول والخيال والتفكير النقدي.
مقتطف من محاضرة: «قيمة العلم»
في محاضرة ألقاها في نيويورك عام 1955 أمام جمعية المعلمين العلميين الوطنية، تطرق فاينمان إلى الفرق الجوهري بين المعرفة و«الفهم» الفلسفي للنظرية العلمية. قال: أفكار نيوتن عن المكان والزمان كانت متوافقة مع التجربة إلى حد كبير، لكن تفسير حركة عطارد تطلب تغييرًا جذريًا في جوهر النظرية. القوانين النيوتونية، بسطوتها وكمالها، كانت تُنتج نتائج حاسمة، ومن أجل الحصول على اختلاف طفيف في نتيجة ما، لا بد أن تكون النظريّة الجديدة مختلفة تمامًا—لا يكفي إدخال شوائب على شيء كامل، بل يجب أن يكون لدينا «شيء كامل آخر».
الفلسفات العلمية، في هذا السياق، ليست مجرد كلام؛ بل هي طرق ذهنية لحمل القوانين في العقل حتى نستطيع استنتاج النتائج بسرعة. بعض العلماء يقولون: لا تهتم بالفلسفة، خمن المعادلات فقط، المهم أن تحسب وتطابق التجربة. هذا النهج مفيد لأنه يمنع التحيز أثناء التخمين، لكنه أيضاً قد يغفل أن الفلسفة قد تساعدنا على التخمين ذاته. من الصعب حسم أي المسارين أفضل.
للتوضيح استشهد فاينمان بمثال الفلكيين المايا: كانوا قادرين على حساب ظواهر فلكية—كسوفات، مواقع القمر والزهرة—بدقة كبيرة عبر الحسابات الرقمية فقط، من دون حديث عن طبيعة الأجرام أو أنها تدور. إن كان شاب عرض نموذجًا مفاهيميًا مفاده أن هناك أجسامًا صلبة تدور في السماء، فسيجيب الفلكي: أما دقتنا في التنبؤ أفضل من نموذجك، فلماذا تهتمّ بالفكرة؟ ثمة ميل قوي لدى الناس لرفض الأفكار الجديدة لأن النماذج القديمة تعطينا إجابات دقيقة حالًا.
لكن من جهة أخرى، تأتي الاختراعات الكبرى من التخمين بمبادئ جديدة. مثال آينشتاين: أضاف مبدأ تكافؤ العطالة والجاذبية—أنك في سيارة متسارعة لا تميز ذلك عن التواجد في حقل جاذبي—فتبيّن أن بإضافة مثل هذا المبدأ إلى مجموعة مبادئ أخرى يمكن اشتقاق قوانين الجاذبية الصحيحة.
كيف تعرف أنك على حقّ؟
في منهج «خمن—احسب النتائج—قارن مع التجربة» أهم خطوة هي معرفة متى تكون فعلاً على حق. ليس مطلوبًا فحص كل النتائج لمعرفة ذلك؛ يمكن إدراك الحقيقة من جمالها وبساطتها. إذا خمنت شيئًا وبعد حسابات بسيطة لم يظهر أنه خطأ واضح، وإذا كانت الفكرة أبسط مما كانت، فغالبًا أنك على الطريق الصحيح. المبتدئون والهاوون يقدّمون خيالات بدت بسيطة لكنها خاطئة فور التدقيق؛ أما بعض الطلاب الجادين فيقترحون نماذج معقدة تبدو صحيحة، لكن الحقيقة عادةً أبسط مما نتوقع.
نحتاج إلى خيال واسع، لكن خيال موقود بقيود صارمة: يجب أن ينسجم أي تصور جديد مع ما هو معروف بالفعل، مع أن يختلف في توقعاته في مواضع أخرى كي يصبح مثيرًا للاهتمام—وفي تلك الفجوة عليه أن يتفق مع الطبيعة.
اكتشاف نظرية بديلة
إذا استطعت ابتكار وجهة نظر للعالم تتوافق مع كامل نطاق الملاحظات الحالية لكنّها تتنبأ اختلافًا في نطاق آخر، فستكون قد حققت اكتشافًا عظيمًا. هذا صعب للغاية—قريب من المستحيل—أن تُصوغ نظرية تتفق مع كل الاختبارات المعروفة وتختلف في نتيجة ما في نطاق جديد، حتى إن اتضح أن نتائجها لا تطابق الطبيعة. ابتكار فكرة جديدة يتطلب خيالًا استثنائيًا.
نصّ المحاضرة مقتطف بتصرف.
نص الفيديو بفضل مستخدم Reddit: Reltpid