دمشق تئنّ من ويلات الحرب وتتوق إلى الوحدة بعد أن أيقظت الهدنة بارقة أمل، لكن أسئلة الإدماج والاستقرار تبقى ملحّة
استمع إلى هذا المقال | ٤ دقائق
تنفّست دمشق الصعداء ليلة الإعلان عن هدنة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تقودها أكراد، في ليلة 18 يناير، حين تزيّنَت السماء بالألعاب النارية وازتّت أبواق السيارات وتجمّع الناس في ساحة الأمويين يرقصون فرحًا.
كانت التوقعات أن القتال الذي تجدد في الأسابيع الماضية بشمال سوريا قد انتهى، وأن البلاد اجتازت إحدى القضايا الكبرى التي ظلّت تفرّقها منذ الإطاحة بالرئيس بشار الأسد. كما عبّرت سارية شميري عن أمنية عامة: «شعور جميل… نتمنى أن تتّحد سوريا بأسرها».
وما لبث الفرح أن تبدّد سريعًا.
فقد استؤنفت الاشتباكات في صباح اليوم التالي، بعد ضغط عسكري سريع من الحكومة أجبر قائد قسد مظلوم عبدي على القبول بشروط أقلّ تفضيلاً: انسحابات من الرقة ودير الزور نحو الشرق باتجاه الحسكة، هدنة جديدة، ومهلة أربعة أيام لادماج قسد في مؤسسات الدولة.
الغضب من قسد
مع اقتراب نهاية تلك المهلة، تبلور استياء في دمشق ومناطق أخرى خارج سيطرة قسد بعد خمسة عشر عامًا من الانقسام. لم تعد قسد في نظر كثيرين تُرى فقط كمكوّن حارب «داعش» في ذروة الحرب، بل كقوة أنشأت سلطة موازية بدعم قوى أجنبية مثل الولايات المتحدة، أبقت أجزاء واسعة من البلاد خارج متناول الحكومة المركزية.
في المقاهي وفي سيارات الأجرة والمصالح الحكومية اتسع لغة الاتهام: تُحمّل قسد مسؤولية تأخير إعادة التوحيد، واحتكار موارد النفط والزراعة في الشمال الشرقي، والاحتماء بالدعم الأميركي بينما تكابد بقية البلاد حِملَ العقوبات والانهيار والحرب. وكَبّدت المعارك المتجددة لدى كثيرين القناعة أن الشدّ والجذب لن ينتهيا إلا بالقوة أو الخضوع، مع بقاء رغبة واضحة لدى عدد لا يستهان به في حل سلمي. كما قال الجزار شيخموس رمزي: «الحوار أساس السلام… الحل على طاولة التفاوض، والعنف لا يلد إلا عنفًا».
انتظار قلق
ثمة تيار من القلق يوازي الحماسة لإعادة توحيد الأراضي. فصراع مطوّل قد يجذب فاعلين إقليميين، ويزعزع مناطق حدودية هشة، أو يوقظ توترات مجتمعية في الشمال الشرقي حيث تتعايش عشائر عربية وأكراد وآخرون في منطق هشة بعد سنوات من التحالفات المتقلّبة.
يسأل السكان خصوصًا عن معنى الادماج على أرض الواقع: هل سيندمج مقاتلو قسد في قوات وطنية أم سيُهمّشون أو تُلاحقهم جهات قضائية؟ هل تُفكّك الإدارات المحلية بين ليلة وضحاها؟ وهل تملك الدولة المركزية المرهقة منذ سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية القدرة الفعلية على حكم واستقرار مناطق لم تَتحكّم بها أكثر من عقد من الزمن؟
حتى الآن، تطغى حالة من نفاد الصبر؛ فقد رُحّبت الهدنة ليس كخاتمة بل كخطوة نحو حلّ طال انتظاره لدى كثيرين. وتُعرض تقدّمات الحكومة بوصفها استعادةً للسيادة لا فتوحة فصلاً جديدًا من الصراع.
في دمشق تتردّد كلمة «وحدة» بكثرة، لكنها وحدة مشكّلة من تعب ومرارة ورغبة حثيثة في إغلاق أحد آخر الجبهات المعلقة في الحرب الطويلة على سوريا.