تحذير: تحتوي المحادثة على تفاصيل قد يراها بعض القراء صادمة.
برنیا زارت عائلتها في اصفهان عندما اندلعت الاحتجاجات، ووصفـت ما شاهدته كأنّ الحيّ قد تحوّل إلى منطقة حرب بعد أن فتحت قوات الأمن النار على المتجمهرين ذخيرة حية. نتيجة انقطاع الانترنت الذي فرضته السلطات ودخوله أسبوعه الثالث، تعذر وصول كثير من شهادات الشهود إلى الخارج، لكن بعض الإيرانيّين الواصلين إلى خارج البلاد تمكنوا من رواية ما رأوا.
برنیا، المقيمة في لندن، أخبرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أنّها كانت في مدينة إصفهان الوسطى عندما انطلقت الاحتجاجات في طهران وانتشرت سريعاً إلى بقية المدن. خلال أيام قليلة امتلأت شوارع حَكِم نظاميّات نِظامية — في حيِّيّ حكيم نظامي وخاقاني — بمئات المتظاهرين من جميع الفئات العمرية. «كان هناك رجال ونساء من سبع سنوات حتى سبعين»، قالت. «في شارع واحد فقط كان هناك مئتا إلى ثلاثمئة شخص يهتفون: “الموت للحاكم المستبد” و”يحيا الشاه”».
إصفهان، التي شهدت احتجاجات وقمعًا متكرراً في الماضي، لم تشهد برأيها ما شابه ما وقع هذه المرة، التي كانت شرارتها الغضب من انهيار قيمة العملة. بدأت قوات الأمن برشّ الغاز المسيل للدموع ثم شكّلت صفوفًا وأطلقت طلقات خرطوش على المتظاهرين. «رأيت أشخاصاً يُطلَق عليهم النار ويسقطون، ورأيت الدم في الشارع»، قالت برنیا، مضيفة أنّها هربت عبر الأزقة فجرَبت سحبها امرأة إلى داخل عمارة حيث وجدت كثيرين من الجرحى.
«رأيت أرضية البهو مبللة بالدم، وفتاة ساقها مملوءة بالمقذوفات»، وصفت. تسجيلات فيديو تحقّقت منها بي بي سي في تلك الليلة تظهر أعداداً كبيرة من الناس في شوارع إصفهان، وبعض الشوارع أُغلقت بأعمدة إشارات مرورية وصفائح معدنية كبيرة في محاولة من المتظاهرين للحماية من النار. تظهر لقطات أيضاً اقتحام محتجين لأبواب مبنى البثّ الوطني (IRIB) الذي شبّت فيه النار لاحقاً.
في صباح الجمعة 9 يناير، قال علي خامنئي إنّ إيران لن تتراجع عن مواجهة ما وصفه بالعناصر المدمرة، قبل يوم من تهديد الرئيس الأمريكي آنذاك بضرب إيران «بقوة كبيرة» إذا بدأت السلطات بقتل الناس. عقب خطاب خامنئي، أرسلت الحرس الثوري رسائل نصّية إلى المواطنين تطلب منهم الابتعاد عن التجمعات في مناطق الاضطراب وتحذّر من التعاون مع «مرتزقة إرهابيين»، واعتبرت ذلك خيانة.
على الرغم من المخاطر، خرجت برنیا مجدداً للاحتجاج مساء الجمعة. وصفت جوّ الاحتجاجات بـ«أملٍ مشوبٍ بالخوف»: الوجوه تُظهر الخوف، وكنا نخشى المرور أمام القوات الأمنية أو التجمع بقرب بعضنا. وأضافت: «كنا نظنّ أنّ موتنا ربما يدفع ترامب للتدخل أسرع». في ذلك المساء اختلف المشهد: كان المتظاهرون يتجمعون في مجموعات صغيرة بالأزقة، وكل محاولة للتجمّع في الشارع الرئيسي كانت تتبعها أصوات إطلاق نار مباشرة تليها صرخات.
بسبب انقطاع الانترنت وامتناع كثيرين عن اصطحاب هواتفهم، لم تحصل بي بي سي على تسجيلات ليلة الجمعة. كما وصفت برنیا «فوضى تامة» في عيادة محلية تعالج الجرحى؛ خطوط الهاتف لم تكن تعمل، وعجز الناس عن التواصل مع عائلاتهم، وكثيرون رفضوا الذهاب إلى المستشفيات خوفاً من الاعتقال. «التمكنية الوحيدة التي كان بإمكان الممرضات فعلها هي تنظيف الجروح وإرسال المصابين إلى منازلهم. في اليوم التالي كان الهواء لا يزال معبأً برائحة الغاز المسيل للدموع، وكانت قوات الأمن منتشرة ونقاط التفتيش متناثرة في أرجاء المدينة».
غادرت برنیا إصفهان في ذلك اليوم وتوجّهت إلى طهران لتستقل رحلة عائدة إلى لندن. وصلت إلى طهران الساعة السادسة مساءً فكانت المحال مغلقة والناس في الشوارع. عند الثامنة مساءً بدأ الهتاف وسُمعت طلقات نارية. المطار كان مزدحماً وأُلغيت رحلات لشركات كثيرة، إلا أنّها وجدت في نهاية المطاف رحلة إيرانية غادرت بها.
منذ عودتها إلى المملكة المتحدة، تواصلت برنیا مع أصدقائها في إصفهان، وأبلغها مصدر أنّ أطباء مستشفى فيز للعيون أجروا حوالى 300 عملية جراحية لإزالة المقذوفات من أعين المصابين بإصابات ناجمة عن خرطوش. «كلما خرجت، ترى أشخاصاً ملثمين بضمادات على أعينهم»، نقلت عنهم. وأخبرها عدة عاملين في القطاع الصحي لبي بي سي أنّ المستشفيات تُراقَب وتخضع لسيطرة قوات الأمن، وأنّ المصابين بطلقات نارية يُعتقلون في إصفهان. كثير من الجرحى يصابون بالعدوى، وبعض الأطباء يحوّلونهم إلى جراحين في عيادات خاصة للعلاج.
فيما تقول السلطات إن نحو 3,000 شخص قتلوا خلال الاحتجاجات، أكدت مجموعة حقوقية مقرها الولايات المتحدة تُدعى HRANA حتى الآن أكثر من 4,600 وفاة، مع 9,700 حالة ما تزال قيد المراجعة، وما لا يقل عن 7,300 إصابة خطيرة — ورجح كثيرون أن الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك. برنیا الآن تستعد للمشاركة في تظاهرات المعارضة الإيرانية في بريطانيا، معتبرة أنّ دورها أن تكون صوتاً للمتظاهرين الذين صمتوا. أعربت أيضاً عن غضبها من تقارير إعلامية دولية تقول إن الإيرانيين والمعارضة ليسوا موحّدين: «الإيرانيون أظهروا ما يريدون في الشوارع ودفعت ثمناً باهظاً من أجله».