منذ أن بُني خط السرعة العالية قبل نحو ثلاثين عاماً، لم نعرف المشاكل؛ كان يعمل بكفاءة تامة وكان أمراً رائعاً، هكذا يقول ألبرتو مونتافيز مونتس، صاحب محل مقابل بلدية بلد كوردوبا، حيث تظلل الأعلام الإسبانية والأندلسية النصف سارية حداداً.
الآن تبدو الأمور مختلفة: “الأمر ليس ذعراً جماعياً، لكن يجعلك تتردد قليلاً قبل ركوب القطار، بلا شك.”
في أيام مأساوية قليلة فقط منذ تَصادمِ قطارينِ فائقَي السرعة في هذه المنطقة الجنوبية من إسبانيا، الذي أودى بحياة 45 شخصاً، بدا أن منظومة السكك الحديدية الإسبانية التي لطالما حُمّدت تنهار فجأة في أزمة عميقة.
أكثر من ذلك، خيّم الحزن على البلاد حيث أعلن عن ثلاثة أيام حداد وطني، بينما وجّه الرأي العام والأسرة الصحفية تساؤلات قاسية حول سلامة الشبكة.
إسبانيا، التي تأتي في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث طول خطوط السرعة العالية، تملك نحو 3,900 كيلومتر من خطوط AVE، وكانت حتى وقت قريب محطّ إعجاب عالمي لكفاءتها وسلامتها. في 2009، أشار الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما إلى خط مدريد-إشبيلية كمثال ناجح، قائلاً إن عدد المسافرين بين المدينتين بالقطار يفوق عدد المسافرين بالسيارة والطائرة معاً.
في تلك الفترة أيضاً بدأت مجموعة إسبانية العمل على رابط فائق السرعة عبر صحراء السعودية، ما عزز المكانة الدولية لإسبانيا في مجال السكك الحديدية. لكن هذه المكانة تعرضت لانتكاسة صادمة هذا الأسبوع.
الأحد الماضي انحرفت العربات الثلاث الأخيرة لقطار تديره شركة إيطالية خاصة (Iryo) عند سرعة عالية، وعلى مسار مستقيم، فانقضت في طريق قطار قادم تديره شركة الدولة (Renfe) الذي تكبد الصدمة الأكبر. وبعد يومين قُتل سائق متدرب عندما انهار جدار فوق قطار إقليمي قرب برشلونة إثر أمطار غزيرة، ما أدى أيضاً إلى انقلاب قطار. وفي اليوم نفسه اصطدمت قطار محلي بصخرة دون أن يسفر ذلك عن إصابات. أما يوم الخميس فتعرض عدد من ركاب قطار ضيق المسار لإصابات طفيفة بعد اصطدام رافعة بعربة.
امتنع سائقو القطارات في كاتالونيا عن العمل بعد حادثة قرب برشلونة، مطالبين بضمانات سلامة، مما أدى إلى توقف الخدمات المحلية لأيام. وفي سياق منفصل، أعلنت نقابة السائقين (Semaf) إضراباً وطنياً لثلاثة أيام في فبراير احتجاجاً على ما وصفته “تدهوراً مستمراً في الشبكة الحديدية”.
تم خفض حدود السرعة مؤقتاً على عدة خطوط فائقة السرعة بدافع الحذر، بينما كشفت وسائل الإعلام طيلة الأسبوع عن تأخيرات وتوقفات وحوادث سابقة تناولها المواطنون على منصات التواصل الاجتماعي، مع شكاوى عن رحلات مزعجة أو مقلقة.
“أعتقد أن القطارات لم تعد آمنة كما كانت”، تقول أولغا ماركيز، من سكان كوردوبا. زوجها مسافر منتظم إلى مدريد على نفس الخط الذي وقع عليه تصادم السرعة العالية، وقد تحدث كثيراً عن اهتزازات وأصوات أثناء الرحلة توحي بأن السكة ليست في أحسن حالاتها. “لا مانع لدي من ركوب القطار، لكن عندما يتعلق الأمر بزوجي، كل هذا يجعلني أفكر مرتين.”
التأخر الطويل بين وقوع التصادم واعتراف خدمات الطوارئ والإنقاذ بأن قطارين شاركا في الحادث، وليس قطاراً واحداً فقط، أثار استفسارات بشأن فعالية الاستجابة الطارئة لمثل هذه الكوارث.
تواصل الحكومة، والحرس المدني، ولجنة مستقلة التحقيق في حادثة الأندلس، وقد بدا أن احتمالات التخريب أو الخطأ البشري قد استُبعدت مبدئياً. وفي ذات الوقت، انخرط السياسيون والمحلّلون والمواطنون في نقاش واسع حول الأسباب المحتملة، مسلطين الضوء على نقاط ضعف عامة في الشبكة.
حجم الاستثمار في البنية التحتية الحديدية كان موضع تساؤل مكثف؛ والحكومة ذات التوجه الاشتراكي حاولت التحجيم من هذه الانتقادات بالإشارة، مثلاً، إلى استثمار 700 مليون يورو في تحديث خط مدريد-أندلسيا خلال السنوات الأخيرة، متضمّناً المقطع الذي وقع فيه الحادث. وصرّح وزير النقل أوسكار بوينتي قائلاً: “لسنا أمام مشكلة نقص صيانة، ولا أمام بنية تحتية متقادمة، ولا أمام نقص استثمار.”
أظهرت تقرير أولي للجنة التحقيق في حوادث السكك الحديدية (CIAF) أن آثار أخدود وُجدت على عجلات قطار Iryo وعجلات ثلاثة قطاراتٍ سابقة تشير إلى أن كسرًا في السكة قد حدث قبل مرور قطار Iryo عليها. ومع تحفظه، قال بوينتي إنه يشتبه في “مشكلة لم نرَ مثلها على شبكتنا من قبل”.
تشير أرقام صادرة عن وزارة النقل إلى زيادة حادة في إنفاق الصيانة منذ تسلم بيدرو سانشيز رئاسة الحكومة في 2018، لكن بيانات أخرى تعكس صورة مختلفة: فقد احتلت إسبانيا المرتبة الأخيرة في مؤشر نشرته جمعية السكك الحديدية الألمانية Allianz pro Schiene من حيث الإنفاق للفرد على بنية السكك الحديدية بين 14 دولة أوروبية عام 2024.
وصف سلفادور غارسيا-أييون، رئيس قسم الهندسة المدنية في جامعة بوليتكنيك كارتاخينا، شبكة السرعة العالية بأنها “جوهرة تاج البنية التحتية الإسبانية”. ومع ذلك، فإن تحرير قطاع السكك الحديدية عام 2020، الذي سمح بدخول شركات مثل Ouigo وIryo لتقديم خدمات السرعة العالية، قد عزز المنافسة وخفّض أسعار التذاكر، لكنه في الوقت نفسه وضع ضغوطاً إضافية على النظام. يستخدم نحو 22 مليون مسافر القطارات فائقة السرعة في إسبانيا سنوياً في الوقت الحالي، أي ما يقرب من ضعف العدد قبل تحرُّر السوق، و17 ضعف عدد المستخدمين عام 1992، السنة التي دُشّن فيها خط مدريد–إشبيلية.
يشير سلفادور غارسيا-أيون أيضاً إلى خطوط جديدة شُيِّدت خلال السنوات الأخيرة — من بينها إقليم غاليسيا في شمال غرب البلاد ومدينة بورغوس في الشمال، مع مسار جديد على طول الساحل المتوسطي قيد الإنشاء — والتي يطرح صيانتها تحديات كبيرة. كلُّ هذا، كما قال، جعل شبكة السكك الإسبانية «تفورُ من الاكتظاظ».
«التحدي ليس مجرد اقتناء فيراري؛ عليك أن تأخذ الفيراري إلى المرأب»، كما أضاف. «يجب الاستثمار في صيانة البنية التحتية القائمة».
لقد انخفضت موثوقية شبكة القطارات فائقة السرعة بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. في تموز/يوليو 2025، كانت قطاراتها متأخرة بمعدل 19 دقيقة، وفق بيانات رينف. كما شهدت سكك الحديد المحلية ارتفاعاً في الحوادث من قبيل التأخيرات والإلغاءات والمشكلات الفنية، التي تضاعفت أكثر من ثلاث مرّات منذ 2019 على شبكة سيركانياس المحلية في مدريد.
كاتالونيا، التي شهدت الحادثَين المزدوجَين يوم الثلاثاء، تعاني منذ زمن من أوجه قصور موثّقة جيداً في شبكة الضواحي رودالييس، وقد غذّت هذه العيوب التوترات السياسية مع مدريد على مدى العقد الماضي.
ربما لا غرو أن المآسي الأخيرة انزلقَت سريعاً إلى الساحة السياسية المنقسمة بشدّة.
زعم حزب اليمين المتطرف فوكس أن «السفر بالقطار في سبانيا لم يعد آمناً»، وهو ادعاء يتقاطع مع تكراره وصف البلاد بأنها شبيهة بدولة فاشلة. وفي المقابل، اتهم الحزب الشعبي (المعارضة الرئيسية) الحكومة بإخفاء معلومات حول تصادم القطار فائق السرعة.
اعترف رئيس الحكومة بيدرو سانشيث بأن الحادث في جنوب إسبانيا تسبَّب في أضرار «لا تُصلَح». ومع ذلك أصرّ على أن شبكة القطار فائق السرعة «مصدر فخر للبلاد». قبل وقت ليس ببعيد، لَكان قليلٌ من الإسبان يشكّك في هذا القول؛ أما الآن، فسيجد كثيرون صعوبة في الموافقة.