التغيير حتمي — ماذا ينتظر إيران بعد ذلك؟

الاحتجاجات في إيران خفتت وضوحاً بعد حملة قمع واسعة: عشرات الآلاف اعتُقلوا، وممتلكات من تُتهم بضمان الاضطرابات صودرت، وكثيرون يلاحقون بتهم «الإرهاب». السلطات، إلى حدّ الآن، استطاعت استعادة السيطرة الظاهرة على الشارع.

مع ذلك، في ظلّ الهدوء الظاهر تبقى ذات المظالم التي أشعلت الاحتجاجات دون حل، ما يضع طهران أمام خيارين صعبين: إما تقديم تنازلات كبيرة للحصول على تخفيف للعقوبات وإصلاح الاقتصاد، أو المجازفة بموجة اضطراب أكبر، كما يرى خبراء. يبدو ان البلاد واقفة عند مفترق طرق نتيجة اقتصاد منهك، شبكة إقليمية حليفة أضعف، وتهديد متصاعد لعمل أميركي محتمل.

«هذا الوضع ليس مستقراً — بل لا يمكن تحمله»، يقول علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية. «لا أتوقع انهيار النظام غداً، لكن البلد في حلقة هبوط، ومن الآن فصاعداً المسار الوحيد إذا رفض التغيير هو الأسوأ».

اندلعت المظاهرات أواخر ديسمبر بعدما تحوّل انهيار العملة إلى انتفاضة وطنية تطالب بالإطاحة بالنظام. ردّ السلطات سادته أعمال عنف من أشرس ما شهدته البلاد منذ ثورة 1979. وسائل الإعلام الرسمية ذكرت أن الضحايا بلغوا 3117 قتيلاً (منهم 2427 من المدنيين وقوات الأمن)، بينما تقول منظمات حقوقية مقرّها الولايات المتحدة إن الحصيلة أعلى من 4500 قتيل — ولم تتمكن الجزيرة من التحقّق المستقل من الأرقام.

الأزمة الاقتصادية
عقود من العقوبات الدولية إلى جانب سوء إدارة وفساد أدّت إلى انهيار قيمة الريال وتقلّص عائدات النفط. بلغ التضخّم العام الماضي ذروة تفوق 42% وفق بيانات صندوق النقد الدولي، مقابل نحو 6.8% في 2016 بعد الاتفاق النووي الذي وعد بتخفيف العقوبات. انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق في 2018 وأعاد فرض القيود. إلى ذلك، يُعاني الناس من انقطاعات متكرّرة في الكهرباء ونقصٍ حادّ في المياه، ما زاد من معاناة المواطنين اليومية ويعمّق جراح الاقتصاد المنهك والاقتصااد الوطني.

يقرأ  آن الأوان لتفكيك وزارة التربية والتعليم

للحصول على تخفيف للعقوبات، تحتاج طهران إلى تفاوض مع إدارة ترامب، ما يعني ضغوطاً على المرشد علي خامنئي لقبول تنازلات بشأن ركائز السياسة الخارجية: البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، ودعم شبكات الحلفاء الإقليميين — عناصر استراتيجية «الدفاع المتقدّم» التي تهدف إلى إبقاء القتال بعيداً عن الأراضي الإيرانية. أي تغيير جوهري في هذه المعادلة سيعني تحوّلاً عميقاً في بنية الأمن التي بنَها خامنئي. سابقاً أبدى المرشد بعض المرونة حيال ضبط جزئي للبرنامج النووي، لكن التنازل عن الصواريخ ومحور المقاومة كان يُعتبر خطاً أحمر.

قال محمد علي شباني، محلل إيراني ومحرّر موقع أمواج.ميديا: «لا يعرف إن كانت إيران مستعدة رسمياً لقبول قيود على هذه العناصر الثلاثة». وأضاف أن تهديدات ترامب بشن حملة قصف متجددة إذا استأنفت إيران التخصيب تركت خامنئي متردداً في اتخاذ قرار حاسم.

ترامب قال إنه يريد تفكيك البنية النووية الإيرانية بالكامل؛ خيار رفضته طهران مؤكدة أن تخصيبها لأغراض مدنية. في المقابل تعمل إيران على إعادة تكوين شبكة الدعم غير الحكومية بعد حرب الصيف الماضي مع إسرائيل، بحسب هاليريزا عزيزي الباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية. إسرائيل خلال السنوات الأخيرة أصابت مخزون الحلفاء وأضعفت قيادة حزب الله، وتحوّل الفاعلون غير الدوليين في العراق إلى شركاء سياسيين أكثر حذراً، وانحسر دور نظام الأسد في سوريا، كما تعرّضت إيران نفسها لهجوم إسرائيلي مباشر للمرة الأولى.

بعد الحرب دار نقاش حادّ داخل النخبة الإيرانية حول مدى جدوى الاعتماد على الفاعلين غير الدوليين؛ الرأي السائد اتجه إلى أن الأرض الإيرانية ضربت فقط بعد ضعف الحلفاء، فالمسار الآن هو تعزيز الشبكة — لكن بتعديلات. يتركز الآن الاهتمام على العمل مع مجموعات أصغر في العراق، إيجاد وسائل جديدة لتمرير السلاح إلى حزب الله، والاعتماد أكثر على الحوثيين في اليمن. من المبكّر الحُكم على تأثير الاحتجاجات وخطر ضربة أميركية على هذه الاستراتيجية، لكن القنوات الرسمية تشير إلى عدم حصول تغييرات ملموسة حتى الآن.

يقرأ  بعد معركة قانونية — شركة التسجيل: هيين وهايرين تعودان إلى أيدور

التحاور أم المواجهة؟
التفاوض مع الولايات المتحدة لم يُقَطَّع، ولم يُستبعد. في ذروة الاحتجاجات ارتفعت حدة التوتر بعدما ألمح ترامب إلى استعداد لضرب إيران رداً على حملة القمع، لكنّه خفّف من لهجته بعد ضغط من دول الخليج التي خشيت من زعزعة استقرار المنطقة. في منتدى دافوس قال ترامب إن «إيران تريد التفاوض وسنتحدث»، بينما كانت الولايات المتحدة تنقل أصولاً عسكرية إلى الشرق الأوسط ربما بهدف الضغط لفرض صفقة على طهران. قال ترامب يوم الجمعة إن أسطولاً ضخماً متجه نحو ذلك الاتجاه، وأضاف أن الأمر قد لا يتطلب في النهاية استخدامه.

غير أن أي تنازلات كبيرة من طهران قد تجعل استعادة صورة الأمان والشرعية أمراً بالغ الصعوبة. على مدى سنوات، ارتكز العقد الاجتماعي الضمني بين الشعب الإيراني والنظام على ضمان الأمن مقابل تراجع الحريات الاجتماعية والسياسية، لكن هذا العمود من الشرعية تبدَّر إثر الحرب مع إسرائيل العام الماضي، التي أودت بحياة ما لا يقل عن 610 أشخاص في إيران خلال اثني عشر يوماً.

ويبرز شاباني بأن “العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع في إيران تآكل عبر عقود، ومع انقطاعات الخدمات الأساسية خلال العام الماضي في ظل أزمات الكهرباء والمياه، باتت قدرة النظام على توفير الأمن موضع تساؤل”. وأضاف أن الجمهورية الإسلامية تواجه، لضمان بقائها، تحدياً أوسع يتمثل في إقناع الجمهور بما تستطيع أن تقدمه ولماذا يجب أن تستمر.

ويرى عزيزي أن التحول قد بدأ بالفعل، إذ تحولت القيادة السياسية تدريجياً من طابعها الديني إلى طابع عسكري مع تَحوُّلُ الحرس الثوري الأسلامي — القوة النخبوية التي تأسست بعد ثورة 1979 — إلى الفاعل الاقتصادي والسياسي الأكثر نفوذاً في البلاد.

“بعد وفاة أو رحيل خامنئي، لن نرى الجمهورية الإسلامية كما نعرفها”، قال عزيزي، مضيفاً أن السؤال المفتوح هو ما إذا كان ذلك سيمنح دفعة للشعب للخروج الى الشارع لبدء تغيير نظامي، أو سيؤدي إلى سيناريو شبيه بالتحول السوفييتي يعيد بروز المؤسسة الأمنية بصورة مختلفة، لكن التغيير حتمي.

يقرأ  الشرطة تعتقل مشتبهًا في الإرهاببموقع بناء في مدينة رعنانابعد مطاردة استمرت ساعة

أضف تعليق