البنتاغون يقلل من خطورة تهديد الصين ماذا يعني ذلك لحلفاء الولايات المتحدة؟ — تقرير توضيحي

الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها الدفاعية

وفق استراتيجية الدفاع الوطني 2026 الصادرة عن البنتاجون، لم تعد الولايات المتحدة تعتبر الصين التهديد الأمني الأبرز، إذ تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة التركيز على نصف الكرة الغربي بعد عقد من السياسة الخارجية التي كانت تعتبر بكين أكبر تهديد للمصالح الامريكية والاقتصاد الأمريكي.

حمل الاستراتيجية رسالة واضحة إلى الحلفاء: على دول مثل كوريا الجنوبية أن تتحمل نصيبها العادل من عبء الدفاع الجماعي. هذا يتناغم مع خطاب ترامب الداعي إلى أن تزيد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ من إنفاقهم الدفاعي وتعزيز قدراتهم لردع التهديدات القادمة من روسيا وكوريا الشمالية.

ما الجديد في الاستراتيجية؟

الوثيقة التي تتألف من 34 صفحة تعلن تحولاً جوهرياً في وجهة وزارة الدفاع: اعتبارات أمن “الوطن ونصف الكرة الغربي” تصبح الشاغل الأول. تُرشد الوثيقة السياسة الدفاعية بأربعة أولويات مركزية: الدفاع عن الوطن، تقليل اعتماد الحلفاء على الوجود العسكري الأميركي، تقوية قواعد الصناعة الدفاعية الوطنية، وردع الصين عن طريق “القوة لا المواجهة”.

نحو نهج مراهن على القوة

يؤكد البنتاجون أن التعامل مع الصين سيكون عبر بناء القدرة والردع وليس عبر سياسة احتواء تقليدية. وتوضح الوثيقة أن “ليس من واجب الولايات المتحدة، ولا يصب في مصلحتها، أن تتدخل في كل مكان بمفردها أو أن تعوّض عن تقصير الحلفاء الناجم عن خيارات قياداتهم غير المسؤولة”. بدلاً من ذلك، ستعطي واشنطن أولوية للتهديدات التي تمس مصالح الأميركيين مباشرة.

نقاط جغرافية وأنظمة دفاعية

تشير الخطة إلى تقديم “وصول عسكري وتجاري” لمواقع استراتيجية مثل جرينلاند، والعمل على إنشاء منظومة دفاع صاروخي لأميركا الشمالية أطلق عليها الإدارة اسم “القبة الذهبية”. كما أثارت عمليات خطف مزعومة، مثل اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير، تساؤلات حول الالتزام بالقانون الدولي وتأثيره على العلاقات عبر الأطلسي، فيما دافعت الإدارة عن تلك الإجراءات باعتبارها ضرورية لحماية الأمن والاقتصاد الامريكي.

يقرأ  أُقيل جنرال أميركي بعد تقرير عن مواقع نووية إيرانية أثار غضب ترامب — أخبار دونالد ترامب

قراءة أوروبا والشرق الأوسط وآسيا

النسخة غير المصنفة من الاستراتيجية تتضمن صوراً عديدة لوزير الدفاع والرئيس وتهاجم بصورة متكررة إدارة الرئيس السابق جو بايدن. تحت إدارة بايدن كانت القوى “المراجعة” كالصين وروسيا تعتبر التحدي المركزي، أما الآن فصارت أوروبا أقل أولوية نسبيًا على جدول واشنطن، مع مطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم التقليدي، مع دعم أميركي مهم لكنه مقصور.

تؤكد الوثيقة أن اقتصاد ألمانيا، على سبيل المثال، يفوق اقتصاد روسيا بكثير، وبالتالي فإن حلفاء الناتو الأوروبيين “في موقع قوي لتحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا، بدعم أميركي حاسم ولكن محدود”. ويشمل ذلك قيادة جهود دعم أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي.

في الشرق الأوسط، جددت الاستراتيجية موقف واشنطن الرافض لصعود نووي إيراني ووصفت إسرائيل بـ“الحليف النموذجي”، مع الإشارة إلى أن البيت الأبيض يرى فرصة لتعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها وتعزيز المصالح المشتركة استناداً إلى جهود إدارة ترامب السابقة لتحقيق استقرار بالمنطقة.

تأثير التغيير على الحلفاء

أوروبياً، دفع التخفيض النسبي للأولوية واشنطن إلى مطالبة الحلفاء بتحمل مزيد من أعباء الدفاع؛ والعديد من دول الناتو كانت قد زادت بالفعل إنفاقها الدفاعي وقدمت ضمانات أمنية لأوكرانيا.

في شرق آسيا، اعتبرت الوزارة أن هناك تهديداً عسكرياً مباشراً من كوريا الشمالية، وأن قواتها النووية باتت تشكل خطراً متزايداً على “الوطن”. يقيم نحو 28,500 جندي أميركي في كوريا الجنوبية بموجب معاهدة دفاعية تهدف لردع تهديدات الشمال، وقد رفعت سيول ميزانية دفاعها بعد ضغوط من الولايات المتحدة لتقاسم العبء.

تشير الاستراتيجية إلى أن كوريا الجنوبية “قادرة على تولي المسؤولية الأساسية لردع كوريا الشمالية، مع دعم أميركي حاسم لكنه أكثر محدودية”، مما قد يفضي إلى تقليص وجود القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية كجزء من إعادة توازن انتشار القوات.

ردود وتحليلات

قال محللون جيوسياسيون إن الاستراتيجية تتماشى مع توجه إدارة ترامب لدفع الحلفاء لتولي مسؤولية أكبر عن أمنهم؛ فالعلاقة الأمنية التي تسعى الإدارة إليها تقوم على تحميل الحلفاء عبئاً أثقل ودفعهم للمساهمة بمزيد من الموارد والالتزامات. في المقابل، ستحتاج حلفاء أمريكا في منطقة الهند والمحيط الهادئ إلى وعي أعمق بدورهم في تشكيل بنية الأمن الإقليمية ومستقبلها. ستبقى الولايات المتحدة حاضرة، وستحافظ على حضور شمولي، لكنها لن تتحمل فواتير النفقات بالأساليب نفسها كما في الماضي، قال بانت، نائب رئيس مؤسسة أوبزرفر للأبحاث.

يقرأ  حوّلني السجن إلى شخصٍ شديدِ الحذرِ

تنتقد كوريا الشمالية باستمرار الوجود العسكري الأميركي في كوريا الجنوبية والتدريبات العسكرية المشتركة، التي يؤكد الحلفاء أنها دفاعية بينما تصفها بيونغ يانغ بأنها بروفة لغزو.

وقالت وزارة الدفاع الوطني في سيول يوم السبت إن القوات الأميركية المتمركزة في البلاد تُشكّل “جوهر” التحالف، مضيفة: «سنتعاون عن قرب مع الولايات المتحدة لمواصلة تطويره في هذا الاتجاه».

قال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ: «من غير المعقول أن تكون كوريا الجنوبية — التي تنفق 1.4 ضعف ناتج كوريا الشمالية المحلي على الدفاع وتمتلك خامس أكبر جيش في العالم — غير قادرة على الدفاع عن نفسها. الدفاع الوطني القائم على الاعتماد على الذات هو المبدأ الأهم في ظل بيئة دولية تزداد اضطراباً».

أدلى لي بتلك التصريحات بعد زيارة للصين هذا الشهر في إطار مسعى لتحسين العلاقات مع أكبر شريك اقتصادي لسيول، الذي يمثل الوجهة الكبرى لصادراتها ومصدرًا رئيسياً لوارداتها. تسعى سيول لبلورة علاقات أوثق مع بكين التي تمتلك نفوذاً على كوريا الشمالية وزعيمها.

ماذا عن تايوان؟

عند الإعلان عن الوثيقة الاستراتيجيه للدفاع الوطني في عهد بايدن عام 2022، ذُكِر أن التحدي الأكثر شمولاً وخطورة للأمن القومي الأميركي هو سعي الصين القسري والمتزايد العدوانية لإعادة تشكيل منطقة المحيطين الهندي والهادئ والنظام الدولي بما يتناسب مع مصالحها وتفضيلاتها السلطوية. وأشار جزء من تلك الاستراتيجية حينها إلى طموحات بكين بشأن تايوان.

قال البنتاغون قبل أربع سنوات إنه «سيدعم قدرات تايوان الدفاعية غير المتماثلة بما يتناسب مع التهديد الصيني المتطور وبما ينسجم مع سياسة الصين الواحدة».

تعتبر الصين تايوان إقليماً منشقاً وهددت باستخدام القوة إذا اقتضت الضرورة. وفي خطاب بمناسبة رأس السنة، تعهّد الرئيس شي جين بينغ بتحقيق «إعادة توحيد» الصين وتايوان، واصفاً هذا الهدف الطويل الأمد بأنه «لا يمكن إيقافه». وأجرت القوات الصينية تدريبات حربية في مضيق تايوان الذي يفصل بين الجانبين.

يقرأ  هل انحرفت إسرائيل عن المسار؟الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

في نسخة هذا العام من الوثيقة، لم تذكر وزارة الدفاع الأميركية تايوان بالاسم.

وقال الوثيقة: «أمن وحرية وازدهار الشعب الأميركي مرتبطون مباشرة بقدرتنا على التجارة والانخراط من موقع قوه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ»، مضيفة أن وزارة الدفاع ستسعى إلى «الحفاظ على توازن عسكري مريح في منطقة المحيطين»، التي وصفتها بأنها «مركز الجاذبية الاقتصادي العالمي»، لردع التهديدات الصينية.

وأضافت أن الولايات المتحدة لا تسعى للهيمنة أو الإهانة أو خنق الصين، بل «لضمان ألا تتمكن الصين أو أي طرف آخر من أن يهيمن علينا أو على حلفائنا». وبدلاً من ذلك، تريد الولايات المتحدة «سلاماً كريماً، بشروط تُفضّل الأميركيين لكن يمكن للصين أيضاً قبولها والعيش تحتها»، مشددة على أنها ستردع الصين بـ«القوة، لا بالمواجهة».

وقالت الوثيقة أيضاً: «سنبني دفاع إنكاري قوي على طول سلسلة الجزر الأولى»، ودعت إلى حث وتمكين حلفاء وشركاء إقليميين أساسيين للقيام بدور أكبر في دفاعنا الجماعي.

أشار بانت إلى أنه سيكون من الخطأ أن تقرأ الصين هذا على أنه انسحاب أميركي من حلفائها، وأضاف أن هناك تياراً في سياسة ترامب الخارجية يرى أن على أميركا أن تسعى إلى توازن قوى مستقر في منطقة المحيطين حيث لا تكون الصين القوة المهيمنة.

«وأعتقد، لذلك، أنه إذا قرأت الصين هذا على أنه تراجع في التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها، فلن يتماشى ذلك حقاً مع روح هذه الاستراتيجية الدفاعية.»

أضف تعليق