الدولار الأميركي: إمبراطورية مجروحة أم لا يزال هو العملة الأقوى في العالم؟ — أخبار التجارة الدولية

جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا — في صباح متأخر من نوفمبر، وقبل يومين فقط من انعقاد قمة مجموعة العشرين 2025 في جوهانسبرغ، اجتمع محافظا بنكيّْن مركزيّين — الجنوب أفريقي والصيني — على بُعد نحو عشرين دقيقة لإطلاق نظام يأمل كثيرون أن يسهم في إخراج التجارة الدولية من ظل هيمنة الدولار.

في حفل أقيم في بنك الاحتياطي الجنوب أفريقي في بريتوريا ذلك اليوم، ربطت “ستاندارد بنك” — أكبر بنوك أفريقيا من حيث الأصول — لأول مرة على القارة مباشرةً بنظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود الصيني (CIPS). يعني هذا التكامل أن الشركات الأفريقية باتت قادرة على تسوية المدفوعات مع الصين مباشرةً بالرينمينبي من دون المرور بعملة وسيطة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي.

يُعدّ الدولار العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويُستعمل في أكثر من ثمانين في المئة من مجمل التجارة الدولية اليوم.

لكن في السنوات الأخيرة اتسعت دائرة الحديث عن بدائل للورقة الخضراء، لا سيما في دول الجنوب العالمي، بقيادة مجموعة البريكس التي تضمّ، إلى جانب جنوب أفريقيا، البرازيل وروسيا والهند والصين كمؤسسين. وانضمت إليها في السنوات الأخيرة دول مثل مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات.

كجنوب أفريقيا، انخرطت البرازيل أيضاً في نظام CIPS، ومع ذلك تزيد حالياً من استخدام الريال واليوان لتسوية تجارتها الثنائية مع الصين — كما في تجارة فول الصويا — متجاوزةً الدولار.

دول أخرى تميل كذلك إلى التعامل بالعملات المحلية؛ فقد تاجر كلٌّ من الهند والإمارات بالروبية والدرهم، فيما سَوّت الصين والإمارات تجارة الغاز الطبيعي المسال باليوان. كما أجرت الصين معاملات باليوان مع دولٍ مثل الأرجنتين والعراق والسعودية. وتحولت الصين وروسيا بدرجة كبيرة نحو تسوية تجارتهما الثنائية بالعملات المحلية، جزئياً كحلٍ لتجاوز العقوبات الغربية. وقد جرى تسوية معظم تجارة الصين النفطية مع إيران وروسيا بالرينمينبي. وزادت الهند وروسيا من استخدام الروبل والروبية في تعاملاتهما الثنائية.

وتدفع مجموعة البريكس أيضاً قدماً بمشروع عملة رقمية مشتركة اسمها “بريدج” إن نجحت، فستتيح لأعضائها التجارة متجاوزةً كلّاً من الدولار ونظام الاتصالات المصرفية سويفت (SWIFT) — شبكة الرسائل التي تستخدمها البنوك لتسهيل المدفوعات الدولية والتي تتأثر كثيراً بتشريعات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ورغم أن نظام بريدج لم يُفعّل بعد، من المتوقع أن يُعرض نموذج عمل له خلال قمة البريكس هذا العام في الهند.

يقرأ  منحت الجائزة الرئاسية للعمل التطوعي إلى ١٩ فائزًا من الأفراد والمنظمات

يرى المحللون أن التجارة الثنائية التي تسمح للدول بوضع شروطها الخاصة ليست جديدة على الاقتصاد الدولي، ولذلك فإن هذه المساعي ليست مفاجئة أو مبتكرة بالكامل. ومع ذلك، تتزايد وتيرتها مع تزايد الحوافز للابتعاد عن الاعتماد الكلي على الدولار.

عامل صرافة يعد الدولار الأمريكي في أبوجا، نيجيريا [ملف: أفولابي سوتوندي/رويترز]

تكاليف خفية تفيد الوليات المتحدة

في حين هيمنت الولايات المتحدة تاريخياً على التجارة العالمية بصفتها الاقتصاد الرائد، فقد تضاءل هذا النفوذ خلال العقد الماضي مع تقدم الصين، وخصوصاً في دول الجنوب العالمي التي تمثل نحو 85 بالمئة من سكان العالم وما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

في أفريقيا، كانت الصين مصدر غالبية واردات القارة في 2024، تلتها الاتحاد الأوروبي والهند والولايات المتحدة، وفقاً لقاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة (Comtrade). ولهذا السبب، يقول محللون، تبدو التجارة الثنائية بالعملات المحلية أو التكامل مع CIPS منطقية اقتصادياً.

تقول سانوشا نايدو، محللة سياسات خارجية في معهد الحوار العالمي بجنوب أفريقيا: “في كل مرة تُجرى فيها معاملة بالدولار ثمة تكلفة خفية تعود لصالح الولايات المتحدة.” وتضيف أن الدول حول العالم بدأت تسأل بحق: لماذا علينا أن ندفع لتلك التكلفة؟

بدلاً من أن تتحول عملة المشتري المحلية إلى دولار ثم تُحوّل إلى عملة البائع، مما يعرض الطرفين لخسارة جزء من عوائدهما، باتت الأموال تنتقل الآن مباشرةً.

لكن، كما يوضح داني برادلو، أستاذ في مركز تطوير المنح الدراسية بجامعة بريتوريا، تواجه التجارة بالعملات المحلية تحديات؛ وهي أقلّ ما تكون متعلقة بالإمكانات وأكثر ارتباطاً بالجانب العملي.

فمع أنّ بإمكان دولتين الاتفاق على التداول بأي عملة يختارانها، يبقى سؤال ما إذا كان كل طرف سيرغب في الاحتفاظ بكميات كبيرة من عملة الطرف الآخر دون ضمان وجود تعاملات متكررة. فعلى سبيل المثال، إذا أرادت دولتان بينهما معاملات قليلة — مثل بوتسوانا والمكسيك — تبادل بضائع، فسيكون أكثر عملية لهما تحويل البولا والبيزوس إلى دولارات للتعامل مع الطلب على الدولار بدلاً من الاحتفاظ بكميات كبيرة من عملة الطرف الآخر.

وتشير شيرلي يو، المديرة العامة لشركة ACME للاستشارات الماكرو والمديرة لمبادرة الصين-أفريقيا في كلية لندن للاقتصاد، إلى أن “البنية التحتية الداعمة لتسوية التجارة بالعملات المحلية يجب أن تكون قائمة أولاً لضمان الاعتماد الواسع لهذه المعاملات”. وإلى جانب CIPS، تلفت إلى نظام BRICS Pay (نظام رسائل ومدفوعات لامركزي مصمم لدول البريكس) ومشروع mBridge (منصة عملات رقمية متعددة للبنوك المركزية)، والتي تُيسّرها تكنولوجيا البلوكتشين. وتقول: “البنية التحتية التكنولوجية بحد ذاتها تمكّن الدول من التجارة بالعملات المحلية من دون المرور بسويفت أو استخدام الدولار كوسيط”، غير أن هذه الأنظمة ما تزال بحاجة إلى مزيد من البناء والتوسع.

يقرأ  جيش الدفاع الإسرائيلي يعلن مقتل قائد من «نخبة» حماسالذي تسلّل إلى إسرائيل في ٧ أكتوبر

ومع الارتفاع النسبي في عدد المعاملات بالعملات المحلية، لا تزال تشكّل نسبة ضئيلة من مجمل التحويلات التي تمر عبر سويفت والدولار؛ فالعملة الصينية لا تشارك حتى الآن بأكثر من أقل من عشرة بالمئة من التجارة العالمية. بينما تُستخدم عملات أخرى مثل اليورو على نطاق عالمي، تبيّن بأن «الرينمينبي (اليوان) يُستخدم على نطاق أوسع لتسوية التجارة مقارنةً باليورو».

حوافز للتغيير
ما تغير وتزايد بشكل ملحوظ ليس قيمة العملة فحسب، بل «الحوافز لتبديل النظام وتطوير بدائل» كما يوضح برادللو من جامعة بريتوريا، ويظهر ذلك بوضوح في ارتفاع كبير بأسعار الذهب.

لم تعد الدول تنظر إلى الدولار الأميركي كاحتياطي آمن ومستقر بالكامل؛ بل صارت تدير مخاطرها وتتحوط ضده، حسبما تقول نايدو. وارتفاع أسعار الذهب والفضة يعكس هذا التراجع في الثقة بالدولار.

يربط كريس ويفر، محلل استثماري في مؤسسة Macro‑Advisory المتخصّصة بإيورياسيا، جزءَاً من هذا التوجّه بالتقلبات السياسية داخل الولايات المتحده، ولا سيما عدم قدرة الرئيس السابق على إضفاء اليقين، بالإضافة إلى الضَّرائب العامة والديون الضخمة.

حتى دون وجود إدارة محددة، يرى كثيرون في العالم — وحتى في الغرب — أن دور الدولار يمثل مشكلة هيكلية، لأن نظاماً يعتمد اعتماداً مفرطاً على عملة واحدة يعرض الجميع لهشاشة تجاه السياسات النقدية والاقتصادية الأميركية. من ثم، فإن الانتقال إلى نظام أكثر تنويعاً أو تدويلًا، يخلو من سيطرة دولة واحدة، قد يكون مقبولاً أكثر على نطاق عالمي.

هل هذا يعني نهاية الدولار الأميركي؟ معظم المحللين لا يذهبون إلى ذلك. يتوقع ويفر أن يبقى الدولار العملة المرجعية العالمية — في تسعير النفط والمواد مثلاً — والاحتياطي الرئيسي لدى البنوك المركزية. في الوقت الراهن لا توجد بدائل عملية تحلّ فعلاً مكان الدولار كعملة.

يقرأ  رفع مستوى الثقافة المالية لدى الموظفين عبر التعلم الإلكتروني

مع ذلك، لا تسعى دول الجنوب العالمي والدول الأعضاء في مجموعة البريكس بالضرورة إلى استبدال الدولار تماماً، بل تريد تنويع آليات تسوية التجارة وخلق أنظمة بديلة أو مكمّلة لتفادي الاعتماد على سويفت أو على منظومة هيمنتها غربية تمكّن الولايات المتحدة من ممارسة نفوذ واسع. رغم ذلك، حتى هذه البدائل ستستند غالباً إلى الدولار كعملة مرجعية.

في المقابل، ستبذل الولايات المتحدة كل ما بوسعها للحفاظ على هيمنة الدولار: من خلال تشريعات مثل قانون Genius الذي يؤسِّس إطاراً لإصدار والإشراف على «العملات المستقرة» المقوَّمة بالدولار. فالعملة الأميركية تُعد عنصراً أساسياً في القوة الوطنية والأمن القومي، ومن ثم سيُدافع عن مكانتها بتكلفةٍ عالية.

تراجع بطيء للدولار
بالنسبة لنايدو، الجدل الجاري أكبر من مجرد القيمة النقدية «الصلبة» للدولار؛ إنه يتعلّق بصعود وهبوط الأمم وبكيفية نضوب الهيمنة بعد سبعين إلى ثمانين عاماً تقريباً. ترى أن الدولار، مثل الإمبراطورية الأميركية، «قوة مهيمنة جريحة». عندما تشعر قوة مهيمنة بأنها مهدّدة، فإن سلوكها يصبح خطراً وغير متوقع.

لقد كانت ركائز القوة الأميركية الأربعة — الأمن والمالية والمعرفة والإنتاج — متجذرة بالدولار. ومع تزايد تحفظ الدول إزاء الدولار وظهور نظم دفع بديلة، تضعف هذه الركائز. لذلك، بينما لن يُستبدَل الدولار فجأة، فهو يمر بتراجع تدريجي «بطيء الاحتراق» قد يكون أخطر وأكثر تداعياً من انهيار مفاجئ.

وعلى المدى الطويل البعيد، إذا فقدت دول ثقةً كبيرة في الاقتصاد والقيادة السياسية الأميركية والدولار نفسه، فسيكون زياد استعمال اليوان الصيني عاملاً قد يخفف من هيمنة الدولار، لا سيما في دول الجنوب. يتوقع بعض الخبراء أن التوسع في خفض الاعتماد على الدولار سيزداد بين دول الجنوب، لاسيما إثر أحداث جيوسياسية حديثة في فنزويلا والتوترات مع إيران. لكن التحوّل الكمي في بنية العملة العالمية سيحدث على مدى زمني طويل وبشرط حصول تغييرات هيكلية وسياسية واقتصادية واسعة النطاق، ولن يكون أمراً مفاجئاً أو سريعاً.

في المقابل، ستستمر الولايات المتحدة في استخدام أدواتها الاقتصادية والتشريعية والدبلوماسية لحماية موقع الدولار، مما يجعل المشهد المقبل تنافسياً ومعقّداً، لكن ليس حاسماً في الأمد القصير.

أضف تعليق