مجلة جكستابوز — نيكولا بارتي: «السمكة الميتة» في كارما، نيويورك

في معرض “السمك الميّت”، يستعرض نيكولا بارتِي ممارسته من خلال لوحات زيتية على نحاس، كل منها إعادة صياغة مصغّرة لتركيبة سابقة. وبينما ينسخ نفسه يعبر بارتِي أيضاً عن التقليد الطويل في تاريخ الفن المتمثل في تكرار نسخ لوحات الأساتذة: من لوحة فرانسيسكو غويا “طبيعة ساكنة مع سمك بريم ذهبي” (1808–1812) ينتزع دراسة مباشرة بالفاستيل على الكتان. هذه الدراسة ألهمت بدورها لوحة طبيعة ساكنة زيتية على نحاس من عند بارتِي، والتي صارت أساس الجداري الفاستيلي عند ذروة المعرض. هذا التجميع من الأسماك الميتة يلفّ الزمن حول نفسه، مخرِجاً الماضي الى الحاضر.

باب منخفض مقوّس يدعو الزائرين الى الغرفة الأولى للمعرض. جدرانها المطلية بلون ركوكوني باهت تشكّل مسرح الأحداث لشخصيات مرسومة تُعيد أدواراً مضت. على غرار “Boîte-en-valise” لمارسيل دوشامب (1935–1941)—حقيبة تحتوي على نسخ مصغرة من أعمال الفنان الكبرى—يعمل المعرض كنوع من خزانة العجائب، مقدمًا نماذج من ثلاثة عشر عاماً من حياة بارتِي. في هذه الإعادات المصغّرة للتركيبات السابقة، يترجم بارتِي التدرّجات الناعمة لألوانه الممزوجة باليد إلى ضربات زيتية دقيقة على النحاس. ومن خلال طقس إعادة الرسم هذا، ينخرط الفنان في تقاليد التعبّد المرتبطة باللوحات المذبحية والتريبتيخات في عصر النهضة، تلك التي شكلت جوانب مختلفة من ممارسته—من استخدامه لألواح مقوّسة وأبواب مقوسة إلى اختياره للنحاس كأساس: فالمعدن كان الأوفر رواجاً في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، حين استعان به الفنانون لابتكار صور توقيرية.

تشهد هذه الرجعية المصغّرة على إعادة اختراع مستمرة لتصنيفات الرسم الأكاديمي التقليدية كالبورتريه والطبيعة الساكنة والمنظر الطبيعي. تشذّ بورتريهاتُه عن أي توقع للواقعية، إذ تُجسَّد البشرة بألوان غريبة ومخيفة أحياناً، كالأحمر القاني والأخضر زبد البحر. هذه التماثيل النصفيّة تدمج أحياناً عناصر مجازية مثل الفطر والثعابين التي تبدو كأنها تندمج مع مضيفيها. وفي لوحات الطبيعة الساكنة يجعل بارتِي الأجساد الجامدة شبيهة بالبشر: في لوحة “طبيعة ساكنة (نسخة نحاسية)” (2025) تتدلى الكمثرى فوق بعضها كمن أُجهد، وفي أخرى تقف أجسامها الملساء ذات ألوان الجواهر منتصبة متنبهة. في مناظرٍ أخرى—التي تُجسِّد آفاقاً متخيّلة لا أماكن محددة—يستخدم بارتِي لونا خيالياً وشكلاً مبالغاً فيهما ليغريب الطبيعة والزمان معاً؛ فسُوقٌ مرجانية حمراء في لوحة “أشجار (نسخة نحاسية)” (2025) تبرز على خلفية زرقاء مسطحة بصورة مريبة تقطع ظلالها. وفي تجسيدات أكثر تعبيريّة لبيئات مخترعة، مثل “جبال” (2023)، يخلق بارتِي مشاهدَ بدت مألوفةً وغريبة في آن واحد، ممتدةً خارج عالمنا الطبيعي ومربوطة به في الوقت عينه.

يقرأ  الأمم المتحدة تدين إسرائيل بعد الهجوم على قوات حفظ السلام في لبنانأخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

قوس آخر يقود الزائرين الى فضاء ثانٍ ويؤطر منظر الجداري الضخم للفاستيل “السمك الميّت” (2026). تستحضر هذه التركيبة الموضعية الزوالية عبر هشاشتها وموضوعها: مستندة الى تفسير بارتِي الزيتي على النحاس للوحة غويا “طبيعة ساكنة مع سمك بريم ذهبي”، يصوّر الجداري خمسة أسماك بعيون خاوية مرمية في كومة على حقل تجريدي من لون مخملي. منذ نشأتها في أوائل القرن التاسع عشر فسَّر النقادُ لوحةَ المعلم الإسباني كتأمّل في فانٍيته الخاصة وفي مجازر حرب شبه الجزيرة التي هزّت إيمانه. عبر ثلاث تكراراته لـ”طبيعة ساكنة مع سمك بريم ذهبي” يَكثف بارتِي في معرض واحد مسيرة النسخ وإعادة النسخ التي امتدت قروناً لِلوحات الأساتذة القدامى حتى تجاوزت مؤلفيها الأصليين. عالم بارتِي عالمُ مفارقة زمنية وإعادة اختراع، حيث يطفو الماضي ليظهر من جديد في الحاضر.

أضف تعليق