لماذا تعجز النيوليبرالية عن بناء سلام دائم — الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

خلال العام الماضي، اتبع رئيس الولايات المتحده نهجاً واسع النطاق في ما وصفه بـ«صنع السلام» على امتداد مناطق مختلفة من العالم. وسمة بارزة في هذا المسعى هي الثقة القوية بأن الحوافز والتهديدات الاقتصادية قادرة على حل النزاعات. وفي أحدث تجليات ذلك، قدّم فريق إدارته مخططات تنموية اقتصادية كجزء من وساطة سلام تتعلق بحرب إسرائيل الإبادة في غزة، والحرب في أوكرانيا، والنزاع بين إسرائيل وسورية.

قد يبدو لوهلة أن مقاربة ترامب «التجارية» للسلام استثنائية، لكنها ليست كذلك. الاعتقاد المعيب بأن التنمية الاقتصادية تحل النزاعات كان سمة متكررة في مبادرات السلام النيوليبرالية الغربية في الجنوب العالمي خلال العقود الماضية.

الاحتلال الفلسطيني مثال واضح.

عند انطلاق «عملية السلام» في أوائل التسعينيات، روّج وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شمعون بيرس لمفهوم «السلام الاقتصادي» كركيزة لها. رسم رؤية «الشرق الأوسط الجديد» كترتيب إقليمي جديد يضمن الأمن والتنمية الاقتصادية للجميع، من خلال إحاطة إسرائيل بمركزية اقتصادية في العالم العربي عبر بنية تحتية إقليمية من نقل وطاقة ومناطق صناعية. حل بيرس للصراع «الإسرائيلي–الفلسطيني» كان الإدماج الاقتصادي الفلسطيني، مع وعود بوظائف واستثمارات وارتفاع في مستوى المعيشة.

حُجته كانت أن التعاون والتنمية الاقتصادية سيولدان الاستقرار والمصلحة المشتركة بين طرفي النزاع. لكن الواقع سار في اتجاه معاكس. ومع تعمّق الاحتلال عقب اتفاقيات أوسلو المتوسطة والرعاية الأمريكية، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، تصاعد الغضب الشعبي الفلسطيني حتى انفجر في موجة الانتفاضة الثانية.

وأُعيد اختبار هذه المقاربة النيوليبرالية على يد الرباعية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا) ومبعوثها توني بلير في 2007، في وقت كانت فيه الاقتصاديات الفلسطينية منهارة، فقدت نحو 40% من ناتجها المحلي الإجمالي خلال ثماني سنوات وغدت نحو 65% من السكان تحت خط الفقر.

يقرأ  رؤساء الحاخامات يدعون إلى حملة تطعيم عامة بعد وفاة أربعة أشخاص جراء الحصبة

اقتراح بلير جاء على شكل عشرة مشاريع اقتصادية «سريعة الأثر» وجمع تمويل غربي لها، متقاطعاً مع سياسات رئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك سلام فياض، فيما عُرف لاحقاً بـ«فياضية».

بُيعت الفياضية للفلسطنيين كمسار إلى الدولة عبر بناء مؤسسات ونمو اقتصادي. ركز فياض على تحقيق مكاسب اقتصادية قصيرة الأمد في الضفة الغربية المحتلة، وفي الوقت نفسه أعاد بناء جهاز أمني فلسطيني يستجيب لمتطلبات الأمن الإسرائيلي.

غير أن هذا النموذج لم يواجه السبب الجذري للركود الاقتصادي الفلسطيني: الاحتلال الإسرائيلي. حتى البنك الدولي حذّر من أن الاستثمار دون تسوية سياسية تنهي السيطرة الإسرائيلية سيفشل على المدى المتوسط والطويل. ومع ذلك، استمر الزخم تجاه هذه المقاربة.

استفاد منها فئة فلسطينية ضيقة، لكنها لم تعمّ الفقراء أو العمال العاديين: عناصر أمنية حظيت بوصول مميز إلى مؤسسات مالية، ومقاولون مرتبطون بالأسواق الإسرائيلية، وقلة من المستثمرين الكبار. أما المستوى المعيشي للغالبية فبقي هشا ومهدداً.

بدلاً من إعداد الفلسطينيين لتحقيق دولة، استبدلت الفياضية التحرر بالإدارة، والسيادة بالتنسيق الأمني، والحقوق الجماعية بالاستهلاك الفردي.

أما هذه المقاربات الاقتصادية لحل النزاع فأنّما منحت إسرائيل وقتاً أطول لترسخ مشروعها الاستعماري وتوسيع مستوطناتها على أراض فلسطينية.

الخطة الاقتصادية الأحدث لغزة، التي قدّمها مستشار ترامب وزوج ابنته جاريد كوشنر، تبدو غير قادرة أيضاً على جلب ازدهار حقيقي للفلسطنيين. يعكس المشروع ديناميكيتين متضادتين: يضع في الصدارة فرص الربح والاستثمار لطبقات أوليغارشية عالمية وإقليمية، بينما يتجاهل بشكل منهجي الحقوق الوطنية والإنسانية الأساسية للشعب الفلسطيني.

يُؤطَر الأمن حصرياً حول مصلحة القوة المحتلة، ويُحوّل الفلسطينيون إلى مقطّعات أمنية ومراقبة—عمالة مُنقّاة من هويتها الاجتماعية والوطنية ومُجردة من الطابع السياسي.

تتعامل هذه المقاربة مع الناس كأفراد منفصلين لا كمجتمعات تاريخية أو أمم ذات مطالب وطنية راسخة. وفق هذا المنطق، يُنتَظَر من الفرد أن يتنازل عن مقاومة الظلم وعمليات النزع والاقتلاع بمجرد أن يحصل على وظيفة أو يتحسّن دخله.

يقرأ  المرحلة الثانية من خطة غزة: الولايات المتحدة تناقش نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيلي — أخبار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

وهذه الاستراتيجيات تفشل في بناء السلام ليس في فلسطين فحسب.

في مرتفعات الجولان المحتلة، اقترحت الولايات المتحدة توسيع المنطقة منزوعة السلاح وتحويلها إلى منطقة اقتصادية مشتركة تتضمن منتجعاً للتزلج. يبدو أن هذا النهج لا يهدف فقط إلى الضغط على سورية للتخلي عن حقوقها السيادية على الأرض، بل إلى إعادة صياغة المشروع كمشروع أمني يخدم أساساً مصالح إسرائيل. وفي إطار كهذا، ستؤدي الولايات المتحدة دور الضامن الأمني، لكن تحالفها الوثيق مع إسرائيل يثير تساؤلات جدية حول حياديتها ونواياها الحقيقية.

وفي أوكرانيا، طرحت الولايات المتحدة فكرة منطقة اقتصادية حرة في أجزاء من إقليم دونباس تُشترط فيها انسحاب القوات الأوكرانية، ما يسمح لموسكو بتوسيع نفوذها من دون مواجهة عسكرية مباشرة، ويخلق منطقة عازلة تصبّ في المصالح الأمنية الروسية.

دونباس تاريخياً كانت قاعدة صناعية لأوكرانيا، وتحويلها إلى منطقة اقتصادية حرة سيحرم أوكرانيا من مصدر اقتصادي بالغ الأهمية. كما لا توجد ضمانات بأن الجيش الروسي لن يتقدم بعد الانسحاب الأوكراني ويستولي على الإقليم بأكمله.

هذه «الحلول» النيوليبرالية للنزاعات في غزة ودونباس والجولان محكوم عليها بالفشل، كما فشل ما سبق من مبادرات اقتصادية في فلسطين خلال تسعينيات وألفينيات القرن الماضي.

المشكلة الأساسية أن الولايات المتحدة لا تستطيع تقديم ضمانات موثوقة بأن هذه المناطق ستبقى مستقرة بما يكفي ليحصل المستثمرون على عوائد آمنة لاستثماراتهم. ذلك لأن هذه المقترحات تتجاهل الواقع السياسي والثقافي، والأهم من ذلك، المصالح الوطنية للشعوب التي تسكن تلك المساحات. وبناءً عليه، لن يلتزم مستثمر جاد ومستقل برأس مال في مثل هذا الإطار.

الأمم ليست مجموع مستهلكين أو قوة عمل فحسب؛ بل هي أشخاص متشاركون في هوية ومطالب وطنية مشتركة.

ينبغي أن تتبع الحوافز الاقتصادية التسوية السياسية، لا أن تسبقها. أي إطار لحل النزاع يتجاهل الحقوق الجماعية والقانون الدولي محكوم عليه بالفشل. يجب أن تضع التسويات السياسية هذه الحقوق في صلب أولوياتها، وهو مطلب يتعارض جوهرياً مع منطق النيوليبرالية.

يقرأ  خبراء الأمم المتحدة: يجب إنهاء الخناق المالي الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية

الآراء المعبر عنها في هذا المقال تعكس رأي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الجزيرة التحريرية.

أضف تعليق