استمع إلى هذا المقال | ٥ دقائق
أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء بما وصفه «إنجازاً استثنائياً». استعاد الجيش الإسرائيلي جثمان ران غفيلي، وهو إسرائيلي توفي في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، من مقبرة فلسطينية في شمال غزة. عرض التلفزيون الإسرائيلي لقطات لجنود يرددون نشيداً عبريّاً في الموقع، واعتبرت وسائل إعلام غربية العملية لحظة «شفاء وطني».
في غزة، تسبّبت عملية الاسترجاع في بثّ الخوف والألم والموت. قتلت القوات الإسرائيلية أربعة فلسطينيين قرب المقبرة ونكّلت بمئات القبور الفلسطينية. باتت مئات العائلات الفلسطينية مضطرة الآن للبحث وتجميع رفات أحبائها، واضطرت أربع عائلات إلى حفر قبور جديدة.
ما رُوّج له عالمياً باعتباره «عملية عسكرية عادية» لم يكن إلا جريمة جسيمة بموجب القانون الدولي. إن تدنيس القبور يشكل انتهاكاً لنصّ أساسي من بنود اتفاقية جنيف التي تفرض احترام الجثث والقبور.
في السياق الفلسطيني، يعدّ الهجوم على المقابر شكلاً آخر من أشكال العقاب الجماعي؛ رسالة واضحة مفادها أن الشعب الفلسطيني سيُحرَم حتى من الكرامة في مماته.
وليس هذا أول اعتداء يرتكبه الاحتلال على موتى الفلسطينيين.
على امتداد الحرب، شُنّت هجمات وجرت جرف ونبش لمقابر في مختلف أنحاء قطاع غزة. وبحلول يناير ٢٠٢٤، أفادت شبكة CNN بأن ما لا يقل عن ١٦ مقبرة فلسطينية في غزة قد تم تدنيسها. بررت إسرائيل أفعالها بادعاء استخدام حماس للمقابر لأغراض «عسكرية». وكشفت صور الأقمار الصناعية ومشاهد ميدانية عن تسوية مقابر بأكملها، وتحويل بعض مواقعها إلى مواقع عسكرية.
لكن حجة الضرورة العسكرية لتبرير تدنيس المقابر لا تصمد. فمواقع الدفن الفلسطينية في الضفة الغربية تتعرض أيضاً لهجمات متكررة. فقد اقتحم مواطنون إسرائيليون في وقت سابق من هذا الشهر مقبرة إسلامية في القدس ودمروا قبوراً. وفي يناير ٢٠٢٣ تعرّضت مقبرة مسيحية تضم رفات قيادات مسيحية بارزة للتدنيس أيضاً.
وليس المقصود بالمهاجمة أماكن الراحة فحسب؛ بل إن جثث الفلسطينيين نفسها تُستهدف. ففي العام الماضي أعاد الجيش الإسرائيلي مئات الجثث إلى غزة، وكان كثير منها يحوي علامات واضحة على التعذيب؛ فيما بُترت بعضها لدرجة فقدان الهوية، ما اضطر الجهات المحلية إلى دفنها في قبور جماعية.
وفي حالات أخرى، حجزت السلطات الإسرائيلية جثثاً فلسطينية عن ذويها كوسيلة أخرى من طرق العقاب الجماعي. ولا تزال إسرائيل تحتجز جثثاً تعود إلى حرب ١٩٦٧. وفي ٢٠١٩ أذنت المحكمة العليا الإسرائيلية رسمياً للدولة بالاحتفاظ بجثث لأغراض «مفاوضات».
كل ذلك — التدنيس، النبش، التشويه، الحجز والتقنين القضائي لهذه الممارسات — هدفه محو ذاكرة الموتى ومنع ذويهم من ممارسة حقّهم في الحداد وإغلاق ملف الفقدان. إنه عقاب وإهانة؛ حتى في الموت لا يجد الفلسطينيون أمناً ولا سكينة.
كل هذه الجرائم ضد موتى الفلسطينيين لم تحظَ بجزء يسير من تغطية الإعلام التي حظي بها دفن أسرى إسرائيليين أُعيدوا من غزة. لم تُنشر للروايات الإنسانية المكثفة، ولا لقصص الصور الواسعة، ولا للتقارير عن الاحتفالات الرسمية، ما نُشر عن الضحايا الفلسطينيين الذين تم انتشال رفاتهم وتدنيسها.
لم تُسجل تقارير عن العائلات الفلسطينية التي ذهبت إلى المقابر لتشهد فظاعة رؤية بقايا قبور أحبائها مبعثرة. ولم تثمر عن معاناة هؤلاء أي تعاطف عالمي يذكر.
لقد شهدنا وتجرّعنا أنواعاً لا تُحصى من الجرائم المروعة التي ارتكبتها إسرائيل، وما زاد من فداحتها هو الصمت الدولي الذي رافقها.
مؤسف أن نضطر لتذكير العالم بأن المقابر أماكن مقدسة ومحمية بموجب القانون الدولي، بما في ذلك المقابر الفلسطينية.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال هي آراء المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة سياسة التحرير في قناة الجزيرة.