تعمّق تخفيضات موظفي الأونروا في غزة مع تشديد إسرائيل قيود وصول المساعدات الحيوية

غزة — بعد ثمانية عشر عاماً قضاها تعليمًا في مدرسة تُديرها الأونروا، أغمي على مريم شعبان (الاسم مُغير لأسباب أمنية) عندما علمت أنها من بين ستمائة موظف فصلوا من أعمالهم، في أحدث سلسلة صدمات مدمِّرة تَنبعث من حرب إسرائيل الإباديّة على القطاع المحاصِر.

في مطلع يناير أعلن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حزمة إجراءات تقشّف قاسية، بينها خفض الرواتب المحلية في غزة بنسبة عشرين بالمئة، تقليص ساعات العمل، وإنهاء عقود موظفين كانوا خارج غزة ووُضعوا سابقًا في إجازة «استثنائية».

بحسب رسالة وجّهها المفوض العام للأونروا فيليبو لازاريني إلى الموظفين المتضررين، قالت الوكالة إنها مُجبرة على اتخاذ هذه التدابير نتيجة عجز مالي حاد في موازنة 2026 يُقدَّر بنحو 220 مليون دولار.
ويهدد هذا العجز قدرة الوكالة على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية الجوهرية، بما فيها رواتب الموظفين واستمرار البرامج الإنسانية الأساسية.

مريم، البالغة من العمر 52 عاماً، والمتزاحة حاليًا إلى مصر مع زوجها المصاب، التحقت بالأونروا عام 2007 معلمة في إحدى مدارسها بجباليا شمال غزة. كحال معظم سكان القطاع، دفعت ثمنًا باهظًا خلال حرب إسرائيل الإباديّة.
نزحت مع عائلتها من جباليا إلى النصيرات في وسط غزة، ولجأت إلى بيت شقيقها، إذ تعرّض منزلهم في ديسمبر 2023 لهجوم جوي مباشر أودى بحياة 15 شخصًا وأصاب عشرات آخرين. من بين الضحايا كانت ابنة مريم البالغة 22 عاماً، وشقيقها وأسرته بأكملها.

الاستهداف الإسرائيلي للأونروا
شهدت الحملات الإسرائيلية المستمرة لتقويض سمعة الوكالة وتفكيك عملها تصعيدًا غير مسبوق. تتهم إسرائيل مرارًا الوكالة بالمرونة أو التواطؤ مع فصائل فلسطينية مسلحة، من دون تقديم أدلة يمكن التحقق منها، وهي اتهامات أنكرتها الأونروا بشدة، مؤكدة أنها تتخذ إجراءات تأديبية ضد أي موظف يَثبُت تورُّطه في مخالفات.

في 2025، أقرّ الكنيست الإسرائيلي تشريعًا effectively يمنع عمل الوكالة في مناطق تعتبرها جزءًا من «السيادة الإسرائيلية»، بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة، بزعم أنها تشكل تهديدًا أمنيًا. رفضت الأونروا القانون بوصفه غير قانوني واعتبرت أنه يضعها في مواجهة مباشرة مع السلطات الإسرائيلية.
وسَجَّلت الوكالة حتى هذا الشهر وفاة أكثر من 380 من موظفيها في غزة نتيجة هجمات إسرائيلية منذ أكتوبر 2023.

يقرأ  أحد مؤسِّسي «بن آند جيري» يغادر الشركة وسط خلاف مع يونيليفر حول غزةأخبار الأعمال والاقتصاد

في وقت سابق من هذا الشهر دفعت إسرائيل بالجرافات وشرّدت جزءًا من مقر الأونروا في القدس الشرقية، بحسب لازاريني، الذي قال إن الهجوم جاء «في أعقاب خطوات أخرى اتخذتها السلطات الإسرائيلية لمحو هوية لاجئ فلسطين». بوصفها وكالة أممية، تحظى الأونروا بوضع قانوني دولي، وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مطلع يناير من أنه قد يلجأ بالموقف إلى محكمة العدل الدولية إن لم تُلغَ القوانين المستهدفة وتُعاد الأموال والممتلكات المصادرة.

«بأي قانون يحدث هذا؟»
أصيبت مريم بجروح طفيفة في الهجوم، كما أصيب خمسة من أولادها، بينما أصيب زوجها إصابة بالغة في الرقبة. في أبريل 2024 غادرت غزة مرافقَة لزوجها لتلقيه العلاج في مستشفى مصري، واضطرت لترك بقية أطفالها في القطاع، بينهم جرحى.
قالت مريم في اتصال هاتفي للأخبار: «كأن الذهاب للعلاج والهروب من الموت صار جريمة نعاقَب عليها». وأضافت باكية: «أليس كافياً أن أمضيت كل هذا الوقت في الحداد على أبنائي الجرحى، بعيدًا عنهم وقلقة عليهم أثناء مرافقتي زوجي للعلاج؟ زادوا من جراحنا بطردنا من وظائفنا. بأي قانون يحدث هذا؟»

بالنسبة لمريم والعديد من العاملين الذين نزحوا خارج غزة أثناء الحرب، كان الضربة أشد لأنها تلَت قرارًا في فبراير 2025 بوضعهم في إجازة «استثنائية» رغم أن كثيرين استمروا في التعليم عن بُعد. قالت أم لثمانية: «كل أولادي مصابون ولديهم صفائح معدنية في أطرافهم. عانوا كثيرًا بعد توقّف راتبي».

في الأسبوعين الماضيين امتدّت الأزمة إلى الموظفين المتبقين داخل القطاع بعد قرار الوكالة خفض رواتبهم بنسبة عشرين بالمئة، ما عمّق معاناتهم الإنسانية في ظل ظروف غزة الكارثية. ويَأتي العجز المالي مع تراجع التبرعات الدولية التي كانت تشكّل لوقت طويل العمود الفقري لموازنة الأونروا، لا سيما بعد تجميد بعض الدول المانحة مساهماتها إثر اتهامات إسرائيلية ضد عدد من موظفي الوكالة.

يقرأ  غواتيمالا: الرئيس يعلن حالة طوارئ لمدة ٣٠ يوماً إثر أعمال شغب في السجون — أخبار السجون

تُقدّم الأونروا خدمات حيوية لملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يشكلون نحو 70٪ من سكان غزة، في مجالات التعليم والصحة والمساعدات الاجتماعية، ولها دور محوري في الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار وسط الحروب المتكررة والقيود على المعابر.
الدكتور مصطفى الغول، طبيب أسنان عمل مع الأونروا 29 عاماً ويرأس نقابة الموظفين، يقود حاليًا احتجاجات ضد القرارات الأخيرة [عبدالحكيم أبو رياش/الجزيرة].

لماذا غزة أولاً؟
سادت غضب واسع واحتجاجات بين موظفي الأونروا في غزة، داخل القطاع وخارجه، معتبرين أن الإجراءات تستهدف غزة بشكل غير متناسب مقارنة بمناطق عمل الوكالة الخمس الأخرى: الضفة الغربية والقدس والأردن ولبنان وسوريا. تساءل مصطفى الغول، الذي يعمل مع الوكالة منذ 29 عاماً، لماذا وقع الخيار على غزة — المنطقة الأكثر دمارًا ومعاناة — لتكون الضحية الأولى.
قال وهو يقف أمام مقرهم المتضرر جزئيًا في مدينة غزة: «بدأت كل الإجراءات من غزة، كما لو أن غزة لم تكن مُثقلة بالموت والخراب والجوع أصلًا».

عن ستمائة موظف فلسطيني فصلوا وكانوا خارج غزة، لاحقًا جرى قطع رواتبهم ومدخراتهم دون سابق إنظار، حسب الغول: «بعضهم مرضى وبعضهم مصابون بالسرطان. بعضهم كانوا في إجازة رسمية. بعضهم فقد عائلته بأكملها. البعض سافر لعلاج حفيد، ثم يُعاقَب بالطرد وحرمانه من حقوقه».

«غزة تحتاج من يداوي جراحها. غزة تحتضر. ترى الخيام والموت والدمار في كل مكان.» «غزّة بحاجة إلى رحمة، لا إلى تسريحات الموظفين ولا إلى تجفيف شرايين المعونة»، ناشد الغول قيادة الأونروا.

جيهان الحرازين مع زوجها وأولادها الثلاثة في خيمتهم غرب مدينة غزة، بعدما نزحوا إثر تدميرر منزلهم.

«الأونروا كانت العمود الفقري لبقائنا»

التحذيرات النقابية من تبعات خفض دعم الأونروا باتت تظهر جلية في حياة المشردين اليومية داخل غزة، خصوصاً في ميادين التعليم والصحة والأمن الغذائي.

يقرأ  سامية صولوهو حسن — رئيسة تنزانيا — تتعهد بفتح تحقيق في الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات

تتجسد هذه الانعكاسات في شهادة جيهان الحرازين (28 عاماً) أم لثلاثة أطفال، نزحت في مدينة غزة واعتمدت عائلتها تقريباً كلياً على خدمات الوكالة.

«كانت الأونروا العمود الفقري لبقائنا: في الصحة والتعليم والغذاء. كانت توفّر كل شيء»، قالت ذلك للجزيرة.

لكن الواقع تغيّر جذرياً منذ اندلاع الحرب، إذ توقفت مساعدات الغذاء التي تعجز الأونروا عن توزيعها منذ أشهر. «الآن ليس هناك شيء»، تضيف جيهان في وصف مأساوي لانقطاع السلات والإمدادات.

منذ أكتوبر 2023، واجهت كل المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها الوكالات الأممية، عراقيل متواصلة في إيصال المساعدات إلى غزة. وفي مرات عدة اتهم لازاريني إسرائيل بأنها تستخدم المساعدات الإنسانية «كسلاح» لتعميق معاناة المدنيين.

«حرب على العمل الإنساني» في غزة

أمجد شوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة، قال للجزيرة إن الأونروا تمثل «العمود الفقري للعمل الإنساني في الأراضي الفلسطينية»، مؤكداً أن دورها يتجاوز تقديم الخدمات ليصل إلى الجوهر السياسي لقضية اللاجئين، كإحدى آخر ركائز الاستقرار الاجتماعي والإنساني في غزة.

«تحمل الأونروا قضية مركزية لشعبنا، هي قضية اللاجئين نفسها. أُنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة وعملت لعقود»، أضاف شوا.

وأشار إلى أن الوكالة تواجه «تحريضاً إسرائيلياً مستمراً» إلى جانب قيود إسرائيلية على عملها في الأراضي المحتلة، لا سيما في غزة، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

وحذر من أن إضعاف الأونروا يخدم أجندة إسرائيلية تهدف إلى طمس حق الفلسطينيين في العودة والتعويض، وهو هدف سعت إليه حكومات إسرائيل المتعاقبة.

وربط شوا تقليص ميزانيات الوكالة بحملة أوسع ضد العمل الإنساني في غزة، مشيراً إلى أن إسرائيل تواجه إدانات دولية واسعة بعد صدور قرار بحظر عشرات المنظمات الدولية التي كانت تعمل على تقديم مساعدات إنسانية منقذة للحياة في القطاع.

«هناك حرب تُشن على العمل الإنساني، ومنها على الأونروا، ونحن ندفع ثمن التزامنا بالقانون الإنساني الدولي؛ قانون يرفض الاحتلال الإسرائيلي الالتزام به.»

أضف تعليق