حذّر محلّلون ومراقبون داخل إسرائيل وفي الشّتات من أن الدولة الإسرائيلية ستنحدر وتفقد مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة إذا استمرت على المسار ذاته.
يقول المختصون إن مؤشرات عدة — من تصاعد الانقسام السياسي الداخلي، وتراجع ثقة المستثمرين محلياً ودولياً، إلى التحولات الديموغرافية الجذرية — تشير إلى أن انقسام أو تفكك شكل الدولة الحالي بات احتمالاً قائماً خلال العقود المقبلة.
كما شرح الاقتصادي السياسي شير هيفر: عندما نقول إن “الدولة الإسرائيلية ستتوقف عن الوجود” فنحن في الواقع نتحدث عن تحوّل جوهري في كيانها، لا عن اختفاء حرفي. على غرار ما حدث لجنوب أفريقيا بعد 1994 أو لألمانيا الشرقية بعد التوحيد عام 1990، قد تستمر حدود ومؤسسات باسم مختلف أو تحت ترتيب سياسي متغيّر.
الحُجة الجوهرية أن إسرائيل بصيغتها الحالية غير قابلة للاستمرار، وليس ذلك محصوراً بتعاملها مع الفلسطينيين فحسب، بل بالعُقد الداخلية فيها. كثير من العلمانيين الإسرائيليين يغادرون البلاد — بمن فيهم روّاد الأعمال الذين بنوا قطاع تكنولوجيا يُعدّ من الأفضل عالمياً — بينما تنمو الفئات الصهيونية الدينية والحريديم بسرعة، لكنها تسهم نسبيّاً بعائدات أقل للاقتصاد. هذه الهجرة تُجرد الدولة من جزء كبير من الإيرادات والاستثمارات الضرورية لدفع أجندة حكومة يمينية متطرفة، وفي الوقت نفسه تُثقل كاهل ميزانية الدولة بدعم مجتمع معتمد على الإعانات.
واحد من أكبر دوافع الرحيل هو الاستقطاب السياسي المتعمّق، الذي تفاقم بفعل الحرب ومحاولات تقليص استقلال القضاء، ومحاور العمل السياسية المتواصلة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ليس هيفر وحده من توّصل إلى هذا التشخيص؛ ففي 2024 أعلن يوجين كاندل، رئيس مجلس الاقتصاد الوطني سابقاً وحليف لنتنياهو، ورون تزور من معهد المستقبل الاستراتيجي، أن احتمال بلوغ إسرائيل مئويتها منذ 1948 ضئيل إذا استمر المسار ذاته.
حدّدا ثلاثة إعدادات اجتماعية كبرى: مجموعة يهودية علمانية ليبرالية، ومجموعة تطالب بدولة يهودية دينية، ومجموعة تدعو إلى دولة تمنح حقوقاً متساوية لليهود والفلسطينيين. وترى التحليلات أن الانقسام الفعلي الأبرز يقع بين المجموعتين الأوليين؛ إذ إن حرباً على الهوية والبيت المشترك تخلق تهديداً وجودياً يصعب كبحه من دون تغيير جذري في مواقف الأطراف كلها.
وبالنسبة إلى علماء آخرين، مثل السياسي الأمريكي إيان لاستيك، فإن هذا التحوّل قد تحقق فعلاً: إذ يصف إسرائيل اليوم بأنها لم تعد “دولة يهودية” بالمفهوم الذي يقصده معظم اليهود الإسرائيليين — أي دولة تمنح امتيازات لليهود مع المحافظة على واجهة ديمقراطية ليبرالية — بل بالدولة الفصلية (أبارتهايد) التي تشمل الجميع المقيمين بين نهر الأردن والبحر المتوسط.
يؤكد هيفر أن إسرائيل ليست بمنزلة إمكانية السماح بـ”ترف التراجع”: إذا أرادت البقاء على حالها فعليها الحفاظ على نواتها من الكوادر المتعلمة وطبقة الابتكار المتوسطة التي تقود قطاع التكنولوجيا والنظام الطبي. وبالمثل، للحفاظ على قدراتها التوسعية في الأراضي الفلسطينية تحتاج إسرائيل إلى قاعدة صناعية وبُنى تحتية وتقنية وقوة عسكرية، إلى جانب مستوى معيشي يكبح موجات الرحيل. لكن، بحسب المحللين، لا تبدو هذه المؤشرات في وضع جيد حالياً.
الهجرة
اعتبرت قيادات إسرائيلية منذ تأسيس الدولة أن النمو السكاني أولوية استراتيجية: منذ طرد نحو 750,000 فلسطيني عام 1948، كان الحفاظ على تفوّق ديموغرافي على الفلسطينيين أمراً مركزياً للمشروع الصهيوني ولتأمين عدد كافٍ من الجنود لحماية الحدود. ومع ذلك، تفيد التحليلات بأن موجة الاستقطاب التي سبقت الحرب على قطاع غزة قد سبق وأن أدت إلى هجرة شريحة كبيرة من الخريجين الشباب الذين تعتبرهم إسرائيل ضمانة لمستقبلها، حتى قبل إجراءات 2023 الرامية إلى تقليص استقلال القضاء.
خطة نتنياهو لتقليص صلاحيات المحكمة العليا واستحواذ السلطة التنفيذية على آليات الرقابة أثارت انقساماً شديداً، فاحتشد أكثر من 200,000 متظاهر — أي نحو اثنين في المئة من السكان — في احتجاجات رأى المشاركون أنها محاولة لاختطاف السلطة. النتيجة انعكاسها في أرقام الهجرة: رغم صعوبة القياس بدقة بسبب قوانين تعقّد إحصاءات الإقامة، تُظهر بيانات البرلمان وموسسات فكرية أن الهجرة المتزايدة، خصوصاً بين العلمانيين، أبطأت نموّ السكان بشكل ملحوظ. خلال العامين الأخيرين غادر أكثر من 150,000 شخص إسرائيل، وأكثر من 200,000 منذ تولي الحكومة الحالية منصبها في ديسمبر 2022.
يشرح هيفر: الطبقة المتعلمة العليا أقدر على المغادرة لأنها مؤهلة وتجد فرص عمل بسهولة وتتقن الإنجليزية، كما أنها معرضة أكثر لوسائل إعلام دولية فتدرك كيف تُرى إسرائيل في الخارج. لكن الأخطر أن عائلات بأكملها باتت تغادر، مما يدل على تحوّل أعمق في التوقعات والرغبة في البقاء.
يقدّر الاقتصادي دان بن ديفيد أن إسرائيل تعتمد على نحو 300,000 عضو من النخبة الأساسية للحفاظ على وضعها الاقتصادي المتقدّم، فإذا رحل عدد كبير منهم فإنها ستنحدر إلى مصاف الاقتصادات النامية — وهو تراجع لا تستطيع تحمّله لأنها ببساطة لا تملك رفاهية فقدان قوتها الاقتصادية أو مستوى معيشتها. كي تستمر دولة ذات طابع استعماري، عليها أن تحتفظ بسيطرة على أراضٍ محتلة — وهذا يتطلب إنفاقاً هائلاً من المال.
العبء الاقتصادي
تضرَّرت ثقة المستثمرين أيضاً بفعل الإصلاحات القضائية والحرب معاً، ما أضعف النمو الاقتصادي الذي تعتمد عليه إسرائيل لتمويل إنفاقها العسكري، وتوسعاتها، والازدياد المطرد في أعداد الحريديين الذين غالباً ما يعتمدون على مزايا الدولة لتمويل دراساتهم الدينية.
بحسب كاندل وتزور، دفعَت العائلة الإسرائيلية المتوسّطة في 2018 نحو 20,000 شيكل (حوالي 6,450 دولاراً) سنوياً لدعم المجتمع الحريدي. ويُتوقّع، وفقاً لخبراء ديموغرافيين، أن يتضاعف حجم هذا المجتمع ثلاث مرّات بحلول 2065، ما قد يجعل العبء على الأسر غير الحريدية يصل إلى ما يقارب 60,000 شيكل (نحو 19,370 دولاراً) سنوياً.
أضف إلى ذلك احتمال زيادة الإنفاق الدفاعي إذا واصلت إسرائيل سياساتها الحالية في الحرب، ويحذّر المحلّلون من أن الضغوط على قطاع دافعي الضرائب الرئيس قد تصبح غير قابلة للاستمرار، بينما يحوّل المستثمرون أموالهم خارج البلاد.
«حتى قبل الإصلاحات القضائية، كانت المؤسسات الاستثمارية تنقل أصولها للخارج، وفعلت ذلك منذ أزمة 2008»، يقول هيفر. «حوالى 50 بالمئة من الاستثمار الداخلي يتم الآن في الخارج».
«الاستثمار الأجنبي أيضاً تراجع. القطاع التكنولوجي كان الهدف التقليدي للاستثمار في إسرائيل، لكن هذا القطاع مرتبط بقوة بالشأن العسكري: على سبيل المثال شركة إلبيت التي تواجه ضغوط حركة المقاطعة والسحب و…»، أضاف هيفر، «ومنذ إعادة تشكيل القضاء في 2023 تراجع الاستثمار بشكل حاد، إذ يتردد المستثمرون بشأن ما إذا كانت نزاعات مثل حقوق الطبع أو قضايا الضرائب ستحكَم أمام قاضٍ معين من حكومة قومية أو متطرفة».
ما المستقبل؟
في الحاضر تبدو إسرائيل آمنة نسبياً.
اتفاق الأسلحة الأمريكي لمدة عشر سنوات بقيمة 38 مليار دولار الذي وُقع عام 2016 لا يزال يدعم جزءاً كبيراً من صناعة السلاح والتكنولوجيا في البلاد. اقتصادها لا يزال ينمو، وبعض المتفائلين يتوقّعون أول سنة كاملة دون صدمات خارجية منذ جائحة كوفيد 2019.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن النمو الاقتصادي يأتي بوتيرة أقل مقارنةً بدول متقدمة أخرى.
وبالتزامن مع تهديدات الولايات المتحدة بخوض مواجهة ضد خصم إقليمي مثل إيران، والجمود السياسي حول تجنيد الحريديين داخلياً، وصعود اليمين المتطرف، تبدو التكهّنات بأن الاقتصاد سينجُو حتى عام 2026 أمراً طموحاً وربما رغبة أمنية أكثر من كونها احتمالاً واقعياً.
وفي الوقت نفسه يستمر الرحيل البطيء للشباب والمواهب، ومعه يتآكل أمل مستقبل آمن ومزدهر.
قال يوسي ميكلبرغ من تشاتام هاوس بتأملٍ: «حين تنهار الأنظمة الاستبدادية، تتفتّت إلى أجزاء. الديمقراطيات تُقضَم وتُقوّض شيئاً فشيئاً حتى تتغيّر إلى حدّ لا يُعرف». وأضاف: «إذا استمر نتنياهو واليمين المتطرف والحريديون في السلطة، فذلك الاتجاه سيستمر، مع مغادرة أصحاب التوجهات الأكثر تحرراً والقادرين على الحركة الاجتماعية من البلاد».