بعد سنوات من الإيقاف، أصدرت السلطات العسكرية في بوركينا فاسو قراراً بحلّ الأحزاب السياسية رسمياً ومصادرة جميع أصولها، في خطوة اعتبرها محلّلون ضربة قاسية للديمقراطية في هذه الدولة الواقعة بغرب إفريقيا.
في مرسوم صدر يوم الخميس، ألغت الحكومة بقيادة النقيب إبراهيم تراوري جميع النصوص التشريعية التي أنشأت وأنظمت الأحزاب السياسية، متهمة إياها بعدم الامتثال للإرشادات المعلنة.
خلفية وصعود تراوري
تراوري استولى على السلطة في سبتمبر 2022، بعد ثمانية أشهر من انقلاب عسكري سابق أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطياً روش مارك كابوري. رغم الانتقادات الحادة من منظمات حقوق الإنسان والمعارضة السياسية لطابعه السلطوي، نجح الرجل البالغ من العمر 37 عاماً في تكوين قاعدة مؤيدة له على الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام الرقمية، حيث قُورِن كثيراً بالقائد الثوري الراحل توماس سانكارا. وتُنشر تصريحاته المناهضة للاستعمار والإمبريالية في فيديوهات عالية الوضوح مولّدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أكسبه إعجاباً واسعاً على الإنترنت.
ردود الأفعال والتداعيات الديمقراطية
رأت خبيرة متمركزة في داكار لدى شركة Control Risks، بيفرلي أوشينغ، أن حظر الأحزاب يمثل صفعة للديمقراطية. وأوضحت أن الحكومة العسكرية ستظل ذات تأثير بالغ، لا سيما بعد مرسوم صدر مؤخراً وضع تراوري في موقع إشرافي على القضاء، في ضوء تعديل دستوري أُقر في ديسمبر 2023 وضع المحاكم تحت سيطرة مباشرة للحكومة. وأضافت أن الأمام ستشهد محدودية كبيرة في فصل السلطات واستقلالية الفضاء المدني والسياسي، وتوقعت أن تبقى الحكومة العسكرية مأمورة لفترة أطول.
لماذا حُظرت الأحزاب السياسيه؟
تقول السلطات إن الأحزاب القائمة لم تكن تتّبع القواعد التي أنشأتها. وفي بيان متلفز عقب اجتماع لمجلس الوزراء حيث أُقرّ المرسوم، قال وزير الداخلية إميل زربو إن القرار يندرج في إطار جهود أوسع «لإعادة بناء الدولة» بعد ما وصفه بانتشار الانتهاكات والخلل في نظام التعددية الحزبي. وخلصت مراجعة حكومية، حسب قوله، إلى أن تكاثر الأحزاب أدى إلى تفتيت النسيج الاجتماعي وإشاعة الانقسامات بين المواطنين. ولم يقدم الوزير تفاصيل عن التجاوزات المنسوبة للأحزاب.
كيف كانت تعمل الأحزاب في السابق؟
قبل انقلاب 2022 الذي أوصل القيادة العسكرية الحالية إلى السلطة، كان لدى بوركينا فاسو أكثر من مئة حزب سياسي مسجل، وكان 15 منها ممثَّلاً في البرلمان بعد الانتخبات العامة لعام 2020. كان أكبرها حركة الشعب من أجل التقدم (MPP) التي حازت 56 مقعداً من أصل 127 في البرلمان، تلتها مؤتمرات من أجل الديمقراطية والتقدم بـ20 مقعداً، ثم حزب العصر الجديد للديمقراطية بـ13 مقعداً. لكن الحكومة المدنية واجهت شهوراً من الاحتجاجات واسعة النطاق نتيجة تردّي الأمن وانتشار جماعات مسلحة في أجزاء كبيرة من البلاد.
تعهّد تراوري ووعد الانتخابات وما تلاه
عند استيلائه على السلطة في 2022، تعهّد تراوري بالقضاء على العنف المسلح ووعد أيضاً أمام المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) بإجراء انتخابات بحلول 2024. غير أن الأحزاب مُنعت من تنظيم التجمعات منذ الانقلاب، وفي قرار مفاجئ أجّلت الحكومة الانتخابات إلى عام 2029 بعد مؤتمر وطني قاطعه عدد من الأحزاب.
التحالفات والانفصال عن شركاء إقليميين ودوليين
انسحبت بوركينا فاسو إلى جانب مالي والنيجر من عضوية إيكواس لتشكيل «تحالف دول الساحل»، وهو تحالف أمني واقتصادي جديد أعلن عنه في يناير من العام الماضي. كما انسحبت هذه الدول من المحكمة الجنائية الدولية. وفي يوليو 2025، حلّت حكومة تراوري اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات بدعوى أن تكاليفها باهظة.
تفاقم انعدام الأمن
تواجه بوركينا فاسو المسدودة الحدود عدة جماعات مسلحة سيطرت على مساحات واسعة في الشمال والجنوب والغرب، تقدر بنحو 60 بالمئة من أراضي البلاد وفق مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية. أبرز الفصائل الفاعلة جماعة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) و«ولاية الساحل» المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (ISSP)، واللتان تسعيان لفرض تفسيرات صارمة للشريعة وهي تعارضان العلمانية.
بحلول ديسمبر 2024، قطعت دول التحالف الثلاثة علاقاتها مع فرنسا، واتجهت إلى عناصر روسية لتوفير دعم أمني بعد اتهام باريس بالتدخل المفرط. وطردت هذه الدول أكثر من 5,000 جندي فرنسي كانوا يقدمون دعماً في محاربة الجماعات المسلحة، في حين تنتشر حالياً قوة روسية أقل عدداً تقارب 2,000 عنصر عبر البلدان الثلاثة.
تصاعد معدلات القتل والاتهامات بارتكاب فظائع
سوء الأوضاع الأمنية تفاقم؛ فقد تضاعف عدد الوفيات تقريباً خلال ثلاث سنوات من حكم تراوري، ليبلغ 17,775 حالة – معظمهم من المدنيين – حتى مايو الماضي، مقارنةً بحوالي 6,630 وفاة خلال السنوات الثلاث السابقة، وفق السجلات المركزية. وفي سبتمبر اتهمت هيومن رايتس ووتش جماعتي JNIM وISSP بارتكاب مجازر بحق مدنيين في مناطق شمالية مثل جيبو وغوروم غوروم وأماكن أخرى، وبالتسبب في نزوح عشرات الآلاف منذ 2016. كما اتهمت المنظمة الجيش البوركينابي وميليشيا متحالفة تُعرف باسم «متطوعو الدفاع عن الوطن» بارتكاب انتهاكات مماثلة ضد مدنيين يُشتبه بتعاونهم مع الجماعات المسلحة. في هجمات استهدفت قريتي نوندين وسورو في الشمال في أوائل عام 2024، قتلت القوات العسكرية 223 مدنياً، من بينهم 56 رضيعاً وطفلاً، بحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش صدر في أبريل 2024.
وسجلت مالي والنيجر هجمات مماثلة. لقد قطعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) إمدادات الوقود عن عاصمة مالي باماكو لعدة أشهر.
ليلة الأربعاء، تصدّى الجيش النيجي لهجمات عنيفة على مطار العاصمة نيامى. ولم تعلن أي جماعة مسلحة مسؤوليتها حتى الآن.
هل تتقلص المساحة المدنية في بوركينا فاسو؟
منذ تولّيها السلطة، اتّهمت منظمات حقوق الإنسان الحكومة في واغادوغو بقمع المعارضة وتقييد الحريات الصحفية والمدنية. وقد تم تعليق كل الأنشطة السياسية فور وقوع الانقلاب.
في أبريل 2024، استهدفت السلطات الإعلام أيضاً عندما أمرت مزوّدو خدمة الإنترنت بقطع الوصول إلى مواقع وشبكات رقمية تابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وصوت أمريكا (Voice of America) ومنظمة هيومن رايتس ووتش.
وفي الوقت نفسه، ألزمت السلطات عشرات من منتقدي الحكومة بالخدمة العسكرية وأرسلتهم للقتال ضد الجماعات المسلحة. كما اعتُقل عدد من الصحفيين والقضاة البارزين بعد انتقادهم للقيود المتزايدة على حرية الصحافة واستقلال القضاء.
كان عبدول غافارو ناكرو، نائب مدّعٍ عام في المحكمة العليا، واحداً من خمسة أعضاء رفيعي المستوى في السلطة القضائية جُندوا قسرياً وأُرسلوا للقتال ضد الجماعات المسلحة في أغسطس 2024 بعد انتقادهم للحكومة العسكرية. ومكان ناكرو ومصيره لا يزالان مجهولين حتى الآن.
في أبريل 2025، ظهر ثلاثة صحفيين مختطفين في تسجيل على وسائل التواصل الاجتماعي بعد عشرة أيام من اختفائهم: غيزوما سانوغو، بوكاري أوبا، ولوك باغبيلغيم، وكلهم بزي عسكري في ما بدا أنه تجنيد قسري. وقد أُفرج عنهم لاحقاً.
مع ذلك، لا يزال العديد من الآخرين، بمن فيهم بعض السياسيين المعارضين، في عداد المفقودين.