نظرية «المجنون» لترامب: هل ستعيد تشكيل إيران والشرق الأوسط؟

في يونيو 2025، كانت الولايات المتحدة قد شنت لتوها ضربات على مواقع نووية إيرانية، لكن بدلاً من أن تُفسَّر هذه الضربات كطلقة افتتاحية لحرب بين واشنطن وطهران، بادر الرئيس دونالد ترامب بسرعة إلى محاولة وضع حدٍّ للحادثة. رسالته آنذاك كانت: «الان وقت السلام».

ننتقل سريعاً إلى الحاضر، حيث يهدد ترامب الآن بشن هجوم أكبر، ويدعّم تهديده بتحريك أصول عسكرية أميركية واسعة النطاق نحو المياه الإيرانية، بما في ذلك حاملتا طائرات ومجموعات بحرية أخرى. ويقول ترامب إن هذه التهديدات هي وسيلته لإقناع الإيرانيين بالقبول باتفاق يُنقل عنه أنه يتضمن مطالب بإنهاء البرنامج النووي عملياً، والحدّ من برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم وكلاء إيران في أنحاء الشرق الأوسط.

هذا هو منطق ترامب في سياسة الخارج: اعتماد على التهديدات، والاستعداد لتنفيذ عمليات عسكرية مُحسوبة ومحدودة في الأفق — على الأقل في البداية — صممت لتجنّب انغماس القوات الأميركية في احتلال طويل الأمد. وفي الوقت نفسه يصرّح ترامب أنه ليس بالضرورة مؤيداً لتغيير النظام، لكنه يترك الباب موارباً أمام هذه الإمكانية.

يصوغ ترامب عن قصد صورة يمكن وصفها — من زاوية تحقيرية — بأنها تطبيق لنظرية «الرجل المجنون» في السياسة الخارجية. ويُنسب هذا المفهوم إلى الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون في أواخر الستينيات، ويقوم على جعل الخصم يتساءل إلى أي مدى قد تذهب، حتى لو بدا سلوكك غير عقلاني.

كان اغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني قاسم سليماني في 2020 أحد أبرز أمثلة سلوك ترامب هذا خلال ولايته الأولى. فالقتل المفاجئ لمسؤول كبير في دولة أخرى كان ينطوي على خطر تسبّب في اندلاع حرب مباشرة، وتعارض مع آراء كثير من خبراء السياسة الخارجية. ومع ذلك اعتبره ترامب فعل ردع وقوة، وشعر بأنه تبرّأ من أي تبعات عندما اتّضح أن الإيرانيين لن يردّوا بالمثل.

يقرأ  بي بي سي تزور مخيماً سورياً يضم زوجاتٍ وأطفالاً يُشتبه بصلتهم بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

في ولايته الثانية، ضاعف ترامب من هذا النهج في السياسة الخارجية، وكان أبرز تجليات ذلك اختطافه لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، ما أعطى وزناً إضافياً لتهديداته الراهنة تجاه إيران.

تخدم هذه التكتيكات دافعين متوازيين لدى ترامب ومحيطه: الرغبة في الظهور مختلفاً عن المحافظين الجدد الذين جرّوا الولايات المتحدة إلى حرب 2003 واحتلال العراق الكارثي، وفي الوقت نفسه إضعاف أي قوة في الإقليم تُعتبر تهديداً للولايات المتحدة أو لحليفها الأساسي في الشرق الأوسط، اسرائيل.

باختصار، يريد ترامب أن يستغلّ تهديد القوة — والهجمات العرضية — لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد تُضعف الأعداء الأميركيين، مع تجنّب الانخراط في مواجهات مطوّلة.

هل يمكن لترامب أن ينجح؟

مدى نجاح هذا النهج يعتمد على حجم الهدف. عندما تكون التنازلات المحدودة مقبولة لكل من الولايات المتحدة والخصم، فإن تهديدات ترامب قد تؤدي إلى نتائج لصالحه.

مثال على ذلك تهديد الرئيس الأميركي الحالي بـ «إيقاف المساعدة» للعراق إذا عاد السياسي الموالي لإيران نوري المالكي إلى منصب رئيس الوزراء. قد يفرض ترامب إرادته على بغداد، لكن التهديد مدعوم بعواقب اقتصادية محتملة لا بحرب، مما يقلل الإحساس بأن سيادة العراق تتعرّض لهجوم. كما يترك ذلك المجال مفتوحاً أمام سياسيين آخرين تعتبرهم واشنطن مقبولين لقيادة الحكومة، من بينهم الرجل الذي يشغل المنصب حالياً، محمد شياع السوداني.

ينتمي السوداني إلى التحالف السياسي الشيعي نفسه الأوسع الذي ينتمى إليه المالكي، لكنه يُنظر إليه على أنه أقل قرباً من إيران ولا يحمل أعباء المالكي السياسية. وبقاء السوداني في السلطة بدلاً من المالكي، إذا حدث ذلك، صفقة نسبياً سهلة مقابل تجنّب عقوبات اقتصادية أميركية — وتمكّن ترامب من تسجيل «نصر» آخر.

في سوريا تبدو السياسة الأميركية أكثر انصرافاً نحو الانسحاب التدريجي، لأن ترامب يشعر أنه وجد شريكاً يمكنه العمل معه في شخص الرئيس أحمد الشراة. تركز السياسة الأميركية في سوريا على هدفين: منع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من التعاظم، وضمان عدم تهديد سوريا لإسرائيل. وفي الوقت نفسه لا يتردد ترامب في التخلي عن قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها الكرد، وهي حليف سابق للولايات المتحدة ولم تعد تُعتبر ضرورية.

يقرأ  من الطقوس القديمةإلى المعجبين عبر الإنترنت

بدلاً من ذلك، أعلنت دول خليجية، بقيادة السعودية، أنها قادرة على الكفالة للحكومة السورية وللشراة، وبالنسبة لترامب فإن ذلك وسيلة لغسل يديه إلى حد كبير من مشكلة كان يعتبرها طويلاً منبع حروبٍ لا تنتهي.

مضاعفات متزايدة

في لبنان وغزة سعى ترامب إلى استخدام تهديد القوة العسكرية لتحقيق هدفين: إنهاء الحرب الشاملة، وإجبار القوى المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل على نزع السلاح.

أهداف ترامب في لبنان وغزة أقل تطرفاً مما يطالب به لإيران، لكن تحقيقها سيكون أكثر تعقيداً من التنازلات المتوسطة المطلوبة من العراق. ففي الحالتين دخلت الولايات المتحدة بعد حروب إسرائيلية مدمرة ومثّلت نفسها وسيطاً للسلام، مع استمرارها في دعم إسرائيل في الصراعات نفسها. ومع ذلك، فإن السلام مشروط بنزع سلاح كامل من جماعات مسلحة — حزب الله في لبنان وحماس في غزة. وخلال مفاوضات تدريجية في كلا الملفّين قدمت الولايات المتحدة نفسها كقوة كبح لإسرائيل تمنع العودة إلى حرب شاملة، لكنها سمحت لإسرائيل بشن هجمات صغيرة متكررة تذكّر بما قد تفعله إسرائيل والولايات المتحدة إذا لم تُلبَّ مطالبهما.

لكن النزع الكامل للسلاح يُعدّ طعماً مريراً لكل من حزب الله وحماس. ففي سوريا، سيعتبر حزب الله ومؤيدوه أن ذلك معناه قبول الهزيمة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل — ضربة كارثية لهيئة ترى نفسها مقاومة لهذين القوتين. ومجلس «لوحة السلام» الذي أسسه ترامب للإشراف على إدارة غزة قد يكون أكثر قبولا لدى حماس إلى حد ما، لكن النزع الكامل للسلاح المطلوب من الحركة سينزع أحد عناصر هويتها المركزية، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتل أرضاً فلسطينية بلا نهاية في الأفق.

ومن ثمّ، من المحتمل أن يعتبر كل من حزب الله وحماس أن قبول مطلب النزع الكامل للسلاح مسألة وجودية، ما يفتح الباب أمام انهيار مفاوضات مستقبلية.

يقرأ  جالانت يكشف تفاصيل الخطة الأصلية للهجوم على إيران

عواقب على المدى الطويل

خبرة إيران السابقة مع ترامب وإدراكها لخطر وجودي محتمل قد يختبران حدود منهج ترامب في السياسة الخارجية. يصرّ ترامب على أنه يريد اتفاقاً، لكن الحكومة الإيرانية تشير إلى أنها ببساطة لا تصدقه، استناداً إلى ما تعتبره هجمات متكررة ومخادعة خلال مفاوضات سابقة، واستعدادَه لاختطاف زعماء أجانب كوسيلة لعرض القدرة الأميركية.

يبدو أن الإيرانيين لا يرون سوى خيارات محدودة للخروج، وبالنظر إلى تجربتهم خلال السنة الماضية يعتقدون أن التنازل يعني دعوة لمزيد من الضغوط. الجمهورية الإسلامية — أو على الأقل عناصر داخلها — ترى أن بقاءها على المحك. وهكذا تصبح واشنطن وترامب في موقف قد يرى الطرف المقابل أنه لا يملك ما يخسره. فهل مجازفة سياسة «الرجل المجنون» يمكن أن تنجح في مثل هذه الظروف؟

في النهاية، قد يجبر عرض الولايات المتحدة لقوتها العسكرية الطرف الآخر على تقديم تنازلات — لكن ذلك ينتهي عند حدّ إذا شعر الطرف الآخر أنه مُستهدَف بالإقصاء أو الإبادة.

أضف تعليق