«الصدمة لا تُعرِّفنا» العيش مع الخسارة في أوكرانيا زمن الحرب — أخبار الحرب الروسية على أوكرانيا

لفيف، أوكرانيا — تنافض أنستاسيا بوتشكوفسكا، طالبة عشرينية من غرب البلاد، الثّلج والجليد عن قبر والدها بلمسات رقيقة. تتوقّف لحظة، ترفع عينيها نحو الصورة المثبّتة على شاهد القبر، فتكشف ملامحه عن شبه لافت معها.

عندما كان والدها أصغر سناً خدم في الجيش، ولدى اندلاع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير 2022 عُيّن فوراً وأُرسل إلى الجبهة. كان التواصل مع العائلة متقطّعاً، فتعلّقوا برسائل قصيرة وبأدلة حياة عابرة حتى جاء يوم في سبتمبر 2022 ساد فيه الصمت.

ظلّ لسبعة أشهر مُدرَجاً رسمياً في قوائم المفقودين. تقول بوتشكوفسكا إنها تمسّكت بالأمل، لكن خوفها من الأسوأ كان يلاحقها في أعماقها. وعندما تأكّد موته أخيراً انهال عليها الحزن، لكنها في خضم ضغوط الحرب لم تجد بديلاً عن أن تُمسك زمام نفسها وتُكمل الحياة كما أمكن.

قتل عمها في تلك الفترة أيضاً. تُكرّس الآن وقتها لرعاية جدّتها التي كانت لا تَفِرّ منها البتة: تختلق مواضيع للحديث وأنشطة بسيطة لتلهيها. وفي لحظات الهدوء تنهار باكية، لكنها تذكر نفسها بعدم الغوص في دوامة الأحزان. تعتقد أن هذه حرب، وأن التمادي في الندم لن يردّ أحداً إلى الحياة.

الخسائر الإنسانية

في مقبرة ليسياكيف في مدينة لفيف الغربية، حيث يرقد والد بوتشكوفسكا، أدّت موجة الوفيات في أوائل 2022 إلى اضطرار السلطات لاقتطاع مساحات جديدة خارج أسوار المقبرة — وهي مساحات تكاد الآن أن تنفد. يصعب التحقق بدقّة من أعداد القتلى في حرب روسيا وأوكرانيا. أكّدت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا أن أعمال العنف المرتبطة بالنزاع أودت بحياة 2514 مدنياً وأصابت 12142 آخرين في البلاد خلال عام 2025 وحده.

ويقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن ما يقرب من مليوني جندي أوكراني وروسياً قُتلوا أو جرحوا أو اختفوا منذ بداية الغزو، مع خسائر روسية تقارب 1.2 مليون ضحية بينها ما لا يقل عن 325 ألف قتيل، فيما تقدر خسائر الجانب الأوكراني العسكرية بين 500 و600 ألف. لا يمكن التحقق من هذه الأرقام بصورة مستقلة.

يقرأ  قائد ميليشيا مناهضة لحماس حسام الأستال يعلن تأييده لتوني بلير في مبادرة «غزة بعد حماس»

يرتبط الفقد مع قلق دائم حول المستقبل. تقول كسينيا فوزنيتسينا، طبيبة أعصاب ومؤسسة أول مركز لإعادة التأهيل النفسي للقدامى في أوكرانيا، إن أحداً لا يستطيع التكهن بكيفية عيشنا بعد الحرب. التأثيرات النفسية باتت ظاهرة للعيان: كثيرون قتلوا، وآخرون يعيشون بإعاقات بترية وصدوع نفسية عميقة.

كيف ستصمد الاقتصاديات؟ وهل ستعود الوظائف ذات الأجور الكريمة؟ أسئلة مفتوحة، كما تقول فوزنيتسينا. أما أولكسندرا ماتفييتشوك من مركز الحريات المدنية في كييف، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، فترى أن ثقل الحرب النفسي يُعاش في تفاصيل اليوميّة؛ معنى العيش أثناء حرب هو العيش في حالة عدم يقين مطلق، لا نخطط ليومنا فحسب، بل لا نضمن حتى الساعات القادمة.

الخوف على الأحبة صار سمة ثابتة للحياة اليومية. لا مكان آمن في أوكرانيا يخلص الناس من صواريخ روسيا، على حد تعبير ماتفييتشوك. في أواخر 2025 قالت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في أوكرانيا، سابين فرايزر غوني، إن “تقريباً الجميع” في البلاد يعاني من مشكلة صحية نفسية ما.

المدن الكبرى والمناطق الشرقية، مثل كييف وخاباريف وخاركيف وأوديسا، تستيقظ أحياناً على موجات قصف واسعة. وفي أشهر الشتاء تستهدف القوات الروسية كثيراً من البنى التحتية الأساسية، تاركة ملايين من المدنيين بلا كهرباء أو تدفئة أو مياه صالحة للشرب.

وعند قبر والدها وقفت بوتشكوفسكا بمظهرٍ جاد، وعلت عيونها آثار دمع خفي. قالت بلا مبالاة ظاهرة: «إذا انتهت الحرب سنكون جميعاً سعداء، لكن لا يمكننا أن نعيد من مات، لا شيء يردّهم إلى الحياة». أشارت إلى صلابةٍ صاغتها ظروفُ الضغط: «الصدمة لا تعرّفنا. إنما يُعرّفنا كيف نتجاوزها، كيف نقاوم في هذه الظروف، وكيف ندعم بعضنا بعضاً. الآن، أكثر من أي وقت مضى، نشعر بحدة بما يعنيه أن نكون بشرًا».

يقرأ  أمطار غزيرة تُشرِّد آلافًا في موزمبيق والفيضانات تُحدث دمارًا واسعًا — أخبار الفيضانات

أضف تعليق