الحرب الإسرائيلية المُعلَنة على غزة، التي تُوصَف إبّان كثيرين بأنها حرب إبادة، دفعت معاناة الشعب الفلسطيني إلى مقدمة المشهد الدولي. خلال أكثر من عامين شهِد العالم قتلًا جماعيًا، وانتشارًا للأمراض ونقصًا حادًّا في الغذاء بفعل الحصار والعمليات العسكرية التي فرضتها إسرائيل على القطاع.
ردًّا على شعور العجز، تزايدت الدعوات لمقاطعة البضائع الإسرائيلية، ولانسحاب المستثمرين من شركات تربح من إسرائيل أو من المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، ولتوسيع نطاق العقوبات على مسؤولين إسرائيليين، بعد أن فرضت بعض الحكومات عقوبات على وزراء إسرائيليين بالفعل.
المكاسب التي تحققت
أدّت الحرب على غزة إلى إدانة دولية غير مسبوقة لإسرائيل، التي اقتربت من وضعها كدولة منبوذة بسبب هجماتها ليس في غزة فحسب — حيث تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين سبعين ألفًا — بل أيضًا في لبنان ومناطق أخرى من الشرق الأوسط.
رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتينياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت يواجهان مذكّرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب. وفي الداخل، فرضت حكومات عدة عقوبات على وزراء من اليمين المتطرّف داخل الحكومة الإسرائيلية، من بينهم وزير المالية ووزير الأمن الوطني.
كما أن حكم محكمة العدل الدولية في يناير 2024، الذي قرّر أن ثمة احتمالًا معقولًا أن تكون الدولة الإسرائيلية متورطة في إبادة جماعية، يمثل ضغطًا قانونيًا وسياسيًا إضافيًا في قضية رفعتها جنوب أفريقيا.
الضوءالعام والتحرّك المدني
الاستنكار لإسرائيل دخل فضاء الثقافة العامة في الدول الغربية، خصوصًا بين الشباب الذين صعقهم منظر الدمار والضحايا في غزة. وبرزت عواقب اقتصادية للشركات المرتبطة بإسرائيل، مسترجعةً مثال مقاطعة جنوب أفريقيا في عهد الأبارتهايد: سلاسل تجزئة مثل كارفور أغلقت فروعًا في الشرق الأوسط تحت ضغوط الرأي العام بسبب علاقاتها بشركات تعمل في المستوطنات، وشركات أخرى مثل Airbnb ومايكروسوفت تعرّضت لانتقادات واحتجاجات داخلية وتداعيات على سمعتها لصلاتها بالجيش أو بالمستوطنين.
وبنتيجة ضغوط عامة، سحبت صناديق تقاعد واستثمارات من بلدان عدة — إسبانيا والنرويج والدنمارك وفرنسا وإيرلندا من بينها — أموالًا مرتبطة بأصول في المستوطنات أو انسحبت من شركات لها صلات بإسرائيل. كما اعترف مسؤولون صناعيون بأن حملات المقاطعة وتيار الـBDS تغيّران مشهد التجارة الخارجية لإسرائيل ويجبرون بعض الشركات على العمل بحذر أو تحت الرادار.
انحراف الاهتمام واستمرار العنف
رغم اتفاق وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة، استمرّت الهجمات على غزة وأودت بحياة مئات بعد التهدئة، مما يبرز الصعوبة التي يواجهها تحرك المقاطعة في الحفاظ على زخمه عندما تتحوّل عناوين الأخبار إلى صراعات أخرى مثل أوكرانيا أو المواجهة الأمريكية-الإيرانية.
مؤرخون ومتخصّصون في حملات المقاطعة يذكرون أن قوة المقاطعة تراكمية؛ فكما تبني الإعلانات صورة إيجابية لماركات عبر ربطها بمشاعر حسنة وتجارب محببة، فإنّ حملات المقاطعة تبني صورة سلبية تُربط بمنتَج أو بلد المنشأ فتغذي ردة فعل نفورية أكثر من نقاش منطقي حول جدوى الحملة نفسها.
من منظار نشطاء الـBDS، تُستَغل فترات التهدئة لتجميل صورة إسرائيل دوليًا وإضعاف الدعوات للمقاطعة والعقوبات، وبالتالي لإخراج القضية الفلسطينية من دائرة الضغوط الدولية، بينما تمضي سياسة الحصار والقيود على الغذاء والدواء في قتل الفلسطينيين ببطء وتؤثّر على الحياة اليومية في غزة.
ضرر مستمر وسمعة متضررة
رغم تشظي الاهتمام الإعلامي عن غزة بين الحين والآخر، فإن الأثر السمعةي للشركات المتعاملة مع إسرائيل نتيجة اتهامات الإبادة والمبادرات لعزلها ثقافيًا يواصل التوسع. التذكير بتاريخ حملات المقاطعة ضد أبارتهايد جنوب أفريقيا يبيّن أن الأثر طويل الأمد على العلامات التجارية والفنانين المشاركين لا يزول سريعًا، وأن حصيلة الضرر المعنوي والاقتصادي قد تظل تلقي بظلالها على المواقف والعلاقات الدولية لعقود. «إن تدريب الناس على رد فعل سلبي هو ما يمنح المقاطعات قوتها الفعلية.»
تتكثف الآن مبادرات متعددة تسعى للاستفادة من الإحساس بالعزلة الثقافية الذي يشعر به كثيرون داخل إسرائيل.
واحدة من هذه المبادرات، التي تحمل اسم Game Over Israel ويقودها الاستراتيجي السياسي أشيش براشار، تهدف إلى استبعاد إسرائيل من منظومة كرة القدم الأوروبية.
«أطلقنا حملتنا لطرد إسرائيل من كرة القدم بلوحة إعلانية ضخمة في تايمز سكوير في 16 سبتمبر، في اليوم نفسه الذي صدر فيه تقرير اللجنة الأممية للتحقيق عن الإبادة الجماعية»، قال براشار.
«الفكرة أن نخاطب ما يسمونه ‘سلامة اللعبة’»، وأضاف موضحًا أن الحملة ستستمر رغم الـ”وقف إطلاق النار”. «نُدير هذه الحملة بنفس طريقة إدارة استراتيجية انتخابية. هدفنا التالي هو الذهاب وراء الهيئات الحاكمة لكرة القدم في سويسرا، وتحديدًا اليويفا.»
لوحة إعلانية في تايمز سكوير تحمل عبارة: «اتحادات كرة القدم: اقاطعوا إسرائيل»، ضمن حملة Game Over Israel التي تدعو اتحادات كرة القدم الوطنية إلى مقاطعة إسرائيل على خلفية الحرب في غزة.
«نحو تسعين في المئة من مباريات الفرق الإسرائيلية تُنظَّم عبر يويفا»، قال براشار. «تعليق مشاركاتهم قد يخفف العبء عن العديد من الأندية والمدن والمشجّعين. فقط تكلفة تأمين مباراة لإسرائيل… باهظة للغاية. لا تكاد معظم البلديات تستطيع تحمّلها. تُعلَّق بعض الملاعب، ما يمنع الجماهير من الحضور فتخسر الأندية إيرادات التذاكر، أو تُنقَل المباريات فيخسر الجميع الدخل.»
«الأمر ليس متعلقًا بكرة القدم فحسب»، اختتم. «إنما يتعلق برفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ما يبعث على القلق هو المقاومة المؤسساتية لهذا الموقف. لا ينبغي أن يتحمّل الأفراد أو مجموعات صغيرة من الناشطين هذا العبء وحدهم؛ يجب أن تتولّى الحكومات ذلك.»