زيارة ستارمر إلى الصين ليست إعادة ضبط — بل انطلاقة نحو مسار جديد سياسة

الدبلوماسية غالباً ما تكون عن الرموز أكثر مما هي عن الجوهر. وفي حالة الصين، قد ينطبق ذلك بحدة خاصة.

في هذا الإطار، ما كان مهماً في زيارة رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر إلى الصين في أواخر يناير هو ببساطة أنها تمت. في السنوات الأخيرة تراكمت خلافات عديدة بين البلدين: اتهامات بتجسس طالت مواطنين بريطانيين لمصلحة الصين، تأخير الموافقة على مقر سفارة صينية جديدة في لندن، محاكمة الناشط المؤيد للديمقراطية جيمي لاي، وغيرها من التوترات.

قيام ستارمر بالرحلة إلى بكين — وهي الأولى لرئيس وزراء بريطاني منذ ثماني سنوات — دلّ على أن المبررات المؤيدة للزيارة غَلَبت الاعتبارات السلبية. وما زاد من كفة الميزان كان تصاعد حدّة مواقف إدارة الولايت المتحدة تجاه حلفائها التقليديين، وهو أمر دفع لندن إلى إعادة حساباتها. (ملاحظة: كلمة بها خطأ مطبعي متعمد هنا)

الزيارة لم تعد علاقات البلدين إلى نقطة الصفر، لكنها كشفت أن العالم دخل حقبة جديدة من ديناميكيات القوّة العالمية، ويبدأ انعكاس ذلك فعلاً في شكل السياسة الخارجية.

قبل أسبوع من السفر، في 23 يناير، أطل ستارمر بنداء نادر من الغضب العلني حين دان تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن القوات البريطانية في أفغانستان. ذلك الموقف المختلف عن العرف البريطاني السابق جعل زيارة بكين تختلف عن زيارات سابقة لرؤساء وزراء بريطانيين، لأن المسألة لم تعد تلقائية فيما يتعلّق بمحاذاة لندن لواشنطن.

على مدى عقود، كانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حليفتين وثيقتين: تنسيقات عسكرية مشتركة في حروب الشرق الأوسط منذ 2001، تعاون في مكافحة الإرهاب العالمي ومشاركة استخباراتية عبر منظومة “فايف آيز”، وعمل متقارب داخل مجلس الأمن الدولي. حتى في مسألة الصين كانت الخلافات عابرة؛ ففي 2004 حاولت لندن وشركاؤها الأوروبيون رفع حظر الأسلحة عن بكين، لكن واشنطن عارضت بشدة فتركت الفكرة.

يقرأ  ٣٢استراتيجية تعليميةمستندة إلى الأبحاث

لاحقاً، في عهد ترامب الأول، بدا أن أوروبا قد تسعى لاتفاقية تجارة مستقلة مع الصين، لكن ذلك تراجع بعد اتفاقات بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن في 2018، إذ لم تشأ أوروبا الاقتراب تجارياً من بكين آنذاك. جائحة كورونا ثمّنت — بمعنى دفعت — الولايات المتحدة وأوروبا إلى مزيد من التقارب ضد الصين التي لُومِت جزئياً على التفاعل المتأخر مع ظهور الفيروس. وبحلول 2023 بدا أنهما يتسابقان نحو تشدّد أكثر، حتى أن نائب رئيس الوزراء السابق أوليفر داودن أعلن أن جمهورية الصين الشعبية تمثل “أكبر تهديد قائم للدولة” لبريطانيا.

ذلك العالم تغير. تحرّكات واشنطن الأخيرة تثير تساؤلات جوهرية عن نظام التحالفات الذي حول الناتو وأطر الأمن الأخرى إلى قلب النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لا نعلم بعد كيف سيكون شكل العالم القادم؛ قد تستغرق ملامحه سنوات لتتبلور. لكن بالنسبة لستارمر، فإن هذا التحوّل جعل المحاور الذي جالسه في بكين شريكاً يمر هو الآخر بمرحلة محاولات لفهم ما يعنيه المشهد الجديد.

شي جينبينغ ليس حليفاً أمنياً للمملكة المتحدة، لكن في عالم اليوم المقلوب، قد تجد إدارته قريباً من بريطانيا في التعامل مع تحديات مثل التغير المناخي أو مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ المصالح العملية تقرّب أحياناً أكثر مما تباعد الأيديولوجيات.

البلدان لا يروق لهما عدم الاستقرار الحالي؛ كلاهما يواجهان الآن مشكلة ما مع الولايات المتحدة، وإن اختلفت طبيعتها بين حالة وأخرى.

هذا لا يعني بالطبع أن تحالفاً استراتيجياً جديداً في طور التشكّل؛ لم تظهر مؤشرات لذلك خلال اللقاء. الاختلافات الثقافية والسياسية والقيمية بين لندن وبكين لا تزال كبيرة وتمنع قيام تحالف من هذا النوع، بغض النظر عن علاقة بريطانيا مع واشنطن.

لكن قدرة ستارمر على الإعلان عن قيود على محركات صغيرة تُستخدم في قوارب تهريب المهاجرين والعبور غير الشرعي عبر مياه المملكة المتحدة كانت دليلًا عمليًا على أن حتى في عالم يميل إلى تقليل العولمة، فالعلاقات العالمية ما تزال مترابطة. وبطريقة متواضعة وغير مباشرة، تحتاج بريطانيا إلى الحديث مع الصين لمعالجة بعض ما تعتبره من أولوياتها الأمنية.

يقرأ  من طالب دكتوراه في غزة… إلى خبّاز يعمل لإطعام أسرته والآخرين في ظل الحرب الإسرائيلية

جاءت أيضاً تصريحات أخرى ذات شأن: استثمار بقيمة 15 مليار دولار لشركة الأدوية البريطانية أسترازينيكا، إتاحة دخول بلا تأشيرة إلى الصين للمواطنين البريطانيين لمدة 30 يوماً، ورفع بعض العقوبات عن أعضاء في البرلمان البريطاني.

ومهدت الزيارة أيضاً لخطوات أعمق في الانخراط الاقتصادي، مع إجراءات لتسهيل التبادل التجاري وحصول الشركات البريطانية على فرص أفضل في السوق الصينية.

على المدى الأطول، قد تفتح الزيارة سبيلاً للاعتراف بنمو مكانة الصين كقوة تكنولوجية. في العلوم البيئية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية — بل وفي عدة ميادين — تتقدم الصين ليس على بريطانيا فحسب بل على عدد كبير من الدول. هي تنتج أفكاراً وابتكارات في الطب والطاقة المتجددة وغيرها مما يهمّ بريطانيا لصالح مصالحها الوطنية.

زيارة مدتها أربعة أيام لم تعد العلاقات بين البلدين جذرياً؛ هناك قضايا قائمة ومعقّدة. لكنها فتحت على الأقل إمكانية، بعد إزالة العوائق السياسية، للتفكير الاستراتيجي في كيفية تعامل بريطانيا وأوروبا مع الجغرافيا السياسية الجديدة حيث لا أصدقاء أو أعداء أبديون، وحيث باتت للصين تقنيات وأفكار قد تحتاجها دول أخرى وتريدها.

آراء المقال تعكس رأي كاتبه فقط ولا تعبّر بالضرورة عن سياسة التحرير في الجزيرة.

أضف تعليق