انطلاق المرحلة التالية من الإبادة الجماعية في غزة

جسم جمال، الطفل الذي لا يتجاوز تسع سنوات، مشلول. يتعرض لتشنجات عنيفة متكررة لا يمكن السيطرة عليها، تمنعه من النوم وتُبقي والدته ساهرة أيضاً. للحد من هذه التشنجات يحتاج إلى دواء يُدعى باكلوفن؛ الذي يرخي العضلات ويوقف الاهتزازات. التوقف المفاجئ عن تناوله قد يترتب عليه عواقب صحية وخيمة.

قبل أسبوعٍ، كتبت لي ابنة عمي شيماء من داخل خيمة العائلة في مخيم المواصي للاجئين النازحين في غزة. كان ذلك اليوم السابع لابنها من دون الدواء. التشنجات العصبية العنيفة التي تجتاح أطرافه ترميه صائحاً من شدة الألم.

دواء باكلوفن غير متوفر في أي مكان داخل غزة: لا في المستشفيات ولا في العيادات ولا في مستودعات وزارة الصحة ولا حتى عبر الصليب الأحمر. شيماء بحثت في كل هذه الجهات. إنه واحد من أدوية عديدة تُمنع دخولها من قبل اسرائيل، إلى جانب المسكنات والمضادات الحيوية.

اليوم يعيش جمال عشرات التشنجات يومياً. لا يوجد بديل دوائي، ولا ملجأ من الألم سوى مزيد من المعاناة.

قصة جمال لا تروق لمن يريدون طمس الحقيقة كما عبر عنها وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو. في مؤتمر معني بإسرائيل عقده معهد ميريام في الولايات المتحدة، قال: «يجب التأكد من أن القصة تُروى بالشكل الصحيح حتى لا تذكر كتب التاريخ ضحايا غزة». وصفق له الحضور. ثم أضاف أن لكل حرب ضحايا مدنيين، وأن الضحايا الحقيقيين في هذه الحالة هم الشعب الإسرائيلي، مبدياً قلقه من أن يُتذكر السابع من أكتوبر والحرب في غزة «بشكل خاطئ».

يبدو أن بومبيو يريد تأطير أهل غزة كـ«أضرار جانبية» في حرب إسرائيل؛ أن يبقوا بلا أسماء، بلا ملامح، منسيين، وأن تُمحى رواياتهم من صفحات التاريخ الإنساني. تعكس تصريحاته مرحلة جديدة في سياسة الإقصاء التي تتبعها اسرائيل، بدعم من حلفاء مسيحيين صهيونيين، تهدف إلى محو الذاكرة والشهادة بعد أن فشلت في محو الناس ومؤسساتهم وقراهم واقتصادهم.

يقرأ  مناظِر سماوية تخطف الأنفاس وشفق قطبي:لقطات مختارة من مسابقة «مصوِّر الفلك للعام 2025»— تصميم تثق به · محتوى يومي منذ 2007

الحملة واضحة داخل غزة وخارجها. وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) — التي حافظت على وضع اللاجئ الفلسطيني وحقوقه في العودة بموجب القانون الدولي — تُقوض وتُفكك بشكل ممنهج. منصات التواصل التي منحت الصوت لبعض الفلسطينيين، كبعض حسابات تيك توك، تُقيّد الآن وتُخفي المحتوى المؤيد لفلسطين بعدما استحوذ عليها تحالف وداعٍ لصالح اسرائيل.

في الدول الغربية أيضاً تُستخدم القوانين المحلية كسلاح ضد شباب مناصر للفلسطينيين، ويُعتقل كثيرون لمجرد ممارسة حقهم المحمي حرية التعبير. وبدأت تجرى تشريعات على مستوى الولايات في أمريكا لتحديد ما يُدرّس عن فلسطين وإسرائيل في المدارس.

لكن بومبيو ومن يشبهه في تفسير الآيات الدينية لتبرير موقفهم لا يدركون أن الفلسطينيين واجهوا محاولات للمحو من قبل وتجاوزوها، وسيفعلون ذلك مجدداً. عند التفكير في الذاكرة والشهادة، يبرز مصطلح «الشهيد». كلمة «شهيد» مأخوذة من جذر الشهادة؛ تحولت عبر الزمن لتشمل معنى المعاناة العنيفة من أجل المعتقد، وأحياناً لصبغة من الثبات البطولي قياساً إلى حجم التضحية.

لا أجد وصفاً أليق بجمال ومن حوله بعيداً عن أن يقال: هم شهداء أحياء. جسد الطفل الصغير شهد معاناة هائلة؛ دُك بعنف الحرب، ومع ذلك هو ووالدته يواصلان الصمود بدافع رغبةٍ جامحةٍ في الحياة.

حول خيمة شيماء وجمال آلاف الخيم الأخرى. ليلاً ونهاراً تخترق صراخاتهن صفوف الجوع والبرد والمطر والوحل المتراكم من فيضانات لم تُجف بعد. في داخل هذه الخيم آلاف الأشخاص الذين يحتاجون إلى إجلاء طبي عاجل إلى مستشفيات.

الألم والمعاناة هائلة، ومع ذلك يستمر بعضهم—مثل بومبيو—في تبرير عملية تاريخية لجبر الشعب الفلسطيني على الاختفاء.

الفلسطينيون شاعِرون بطبعهم، وما لا يفهمه بومبيو من يستخفون باللغة والذاكرة والتاريخ، هو أن الشاعر هو شاهد. كما قال محمود درويش في بيت من قصيدته:

يقرأ  سوريا تمدد حظر التجول في حمص: عمليات قتل قد تؤجج التوتر الطائفي

من يمرّ بين الكلمات العابرة
خُذوا أسماءكم واذهبوا
طهِّروا زمننا من ساعاتكم واذهبوا
اسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمال الذاكرة
خذوا ما شئتم من صور لتفهموا
ما لن تفهموه أبداً:
كيف تصبح الحجر من أرضنا سقف سمائنا.

سيبقى الشعب الفلسطيني حارِساً للذاكرة، كما نبقى حراس ألم بيت دراس ودير ياسين وجنين ومحمد الدرة وأنس الشريف وجذور كل شجرة زيتون انتزعت من تربتها. شهد العالم وعشرات الملايين التضامن مع فلسطين على مدى تدمير غزة. رفضاً لبومبيو وتكريماً للشهيد الحي جمال، كل واحد منا سيأخذ أحجار غزة ويبني بها سماءً جديدة. لم تُرفَق أيّة نصوص للترجمة. أرسل النصّ المراد إعادة صياغته وترجمته إلى العربية بمستوى C2.

أضف تعليق