تقرير يحذّر: النزاعات العالمية تدفع القانون الإنساني إلى حافة الانهيار — أخبار حقوق الإنسان

قوانين إنسانية دولية تحت ضغط غير مسبوق

أفادت أكاديمية جنيف للقانون الانساني وحقوق الإنسان في تقرير حديث أن قوانين الحرب الدولية التي تم ترسيخها بعد الحرب العالمية الثانية تواجه ضغوطاً غير مسبوقة. تحت أضواء وسائل الإعلام العالمية، شنت إسرائيل حرباً وصفها التقرير بأنها إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة، فيما لم تتوقف موجات القتل الجماعي للمدنيين في السودان منذ اندلاع الحرب هناك عام 2023. ولا تزال أعمال العنف متواصلة في أماكن أخرى من العالم — من الحرب الأهلية في ميانمار إلى النزاعات في نيجيريا — بينما تحولت هجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف غير المقاتلين إلى أمر مألوف في أوكرانيا، وتستمر مجازر المدنيين في صراعات متعددة مثل إثيوبيا وهايتي وميانمار واليمن، وغالباً من دون مساءلة.

الانسانية قيد المحاكمة: التقرير واستنتاجاته

خلصت الدراسة، التي رصدت 23 نزاعاً حول العالم، إلى أن الولايات المتحدة، التي لطالما اعتُبرت الشرطي الدولي غير الرسمي، في حالة تراجع وغير راغبة في فرض أو دعم القواعد الإنسانية التي حفَظت جزئياً حقوق المدنيين لعقود. يفتتح تقرير «رصد الحرب» بالقول إن عامي 2024 و2025 شكلا كارثة على المدنيين، مع قِلّة دلائل على استعداد الأطراف المتحاربة للحد من الوحشية الممارَسة ضد الأضعف. ووصفت الأكاديمية ممارسات القتل والتعذيب والاغتصاب بأنها واسعة الانتشار، مع قصف منازل المدنيين ومدارسهم ومستشفياتهم بانتظام وفي أحيان أُخرى بشكل منهجي.

أشار التقرير أيضاً إلى أن لجنة تحقيق أممية وجدت أن ما حدث للفلسطينيين في غزة يرقى إلى إبادة جماعية، وأن شبح الإبادة عاد للظهور في السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ومع ذلك، رغم أن التهديد الذي يواجه القانون الإنساني الدولي لم يصل بعد إلى حد الاندثار التام، فإن التقرير اعتبره «عند نقطة كسر حرجة».

يقرأ  محكمة روسية تدين ١٥ جندياً أوكرانياً أسروا بتهم الإرهاب

قليل من المحاسبة

رسم التقرير صورة قاتمة: خلال فترة الرصد تعرّض المدنيون لانتهاكات ونزوح وذبح شبه صناعي، بحسب ما وثقته الدراسة. إلى جانب ما وصفه التقرير بإبادة غزة التي أودت بأكثر من 71 ألف فلسطيني، سلّطت الدراسة الضوء على استمرار مذبحة الحرب الروسية في أوكرانيا، حيث تصاعدت وتيرة قتل المدنيين مقارنة بالعامين الأولين للنزاع. وقد تم توثيق عمليات اغتصاب وعنف جنسي قائم على النوع الاجتماعي في عدة ساحات نزاع، من السودان حيث اتُهمت قوات الدعم السريع بارتكاب مذابح في مدينة الفاشر الغربية، إلى ما وصفه التقرير بـ «وباء» الاغتصاب في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

أصبحت هجمات الطائرات المسيرة ضد المدنيين سمة مميزة لعدة صراعات، وفي ميانمار اتُّهمت السلطات العسكرية بالاستمرار في استهداف المدنيين: عاد بعض النازحين إلى قراهم ليجدوا أن الجيران القلائل الذين بقوا قد جُزئت أجسادهم ووُضعت رؤوسهم فوق سياج القرية — مشاهد قال التقرير إنها تحدث غالباً من دون تبعات لهذه الجرائم.

كما قال مؤلف التقرير الرئيسي، ستيوارت كيسي-ماسْلِن، في مقابلة مع الجزيرة: «إذا لم تفرض عقوبات أو تبلّغ بأنه ستُفرض عقوبات، فإن الأعمال غير القانونية ستستمر». وأضاف أن الإبادة ليست جديدة — فقد ظهرت أدلة على إبادة في دارفور حوالي 2004 — لكنه لاحظ أن عمليات الإبادة والابادة الجماعية ما تزال مستمرة في مناطق متعددة من السودان، وأن من يرتكبون اغتصابَات جماعية في الشوارع يفعلون ذلك impunity، وأن الولايات المتحدة، التي بإمكانها الضغط على الإمارات المتهمة (والمنكرة) بتسليح قوات الدعم السريع، لم تتصرف.

تراجع المبادئ الدولية

لم يلْقِ التقرير باللوم على الولايات المتحدة وحدها؛ فقد حمّل أيضاً جهات أخرى، مثل روسيا، مسؤولية التهاون شبه المنهجي في الالتزام بالقانون الإنساني الدولي في أوكرانيا. ومع ذلك، لا يَخَفى على أحد أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل في حربها على غزة قد ساهم كثيراً في تقويض المبادئ التي كانت الولايات المتحدة تدّعي سابقاً أنها تدافع عنها.

يقرأ  مئات المعتقلين مع تجدد احتجاجات «أغلقوا كل شيء» التي تجتاح فرنساأخبار الاحتجاجات

طوال عامين من الحرب المكثفة، وُجهت لإسرائيل اتهامات باستهداف المدنيين والانخراط في أعمال تعذيب واغتصاب وذبح للسكان المدنيين، وكل ذلك بحماية أو دعم أمريكي، بحسب التقرير. وختم التقرير بعبارة نقلت رؤية حقوقيين بارزين، من بينهم المحامي جيفري نيس، الذي قال: «لقد أصبح واضحاً منذ زمنٍ أن القانون الإنساني الدولي يموت أمام أعيننا».

«كان هناك تاخر بين أولئك الذين يمتلكون استبصاراً ولكن بلا ولاية رسمية يشيرون إلى ذلك، وبين الحكومات التي تتحمل المسؤوليه وتشرح الأمر لناخبيها، ولكن ها نحن هنا.»

أثار حصول دونالد ترامب على ولاية ثانية مخاوف ملحوظة بشأن مستقبل القانون الدولي، إذ بدا إدارة ترامب مستعدة لتجاهل عناصرَ أساسية منه والقيام بأعمال يُحتمل أن تكون على أقل تقدير مشكوكاً في مشروعيتها بموجب القانون الدولي، مثل اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.

وبحسب نايس، كانت سياسة ترامب واضحة منذ ولايته الأولى.

«لمن كانوا ينتبهون، كان الدليل الحقيقي الأول خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة في ولايته الأولى عندما انسحب [في 2018] من مجلس حقوق الإنسان وتناول موضوع السيادة الذي بدا كأنه يستحضر نوعاً من النظام الويستفالي»، قال نايس، في إشارة إلى المبدأ في العلاقات الدولية القائل بأن لكل دولة سيادة تامة على إقليمها.

في أعقاب هجومه على فنزويلا في أوائل يناير، ذهب ترامب أبعد من ذلك، مُعلمناً صحيفة نيويورك تايمز بأن القيد الوحيد عليه ليس القانون الدولي، بل «أخلاقه الشخصية».

الآفاق

قال ريتشارد جووان، مدير برامج مجموعة الأزمات الدولية، إن التقرير يتطابق إلى حد كبير مع تقارير منظمته من ساحات حروب متنوعة.

«مؤسف أن نرى عدداً متزايداً من الجماعات المسلحة تستهدف المدنيين وهي تدرك أنها من غير المرجح أن تواجه عقوبات سياسية أو قضائية حقيقية.»

يقرأ  بوبي واين: اختُطِفَ ناشطون كينيون في أوغندا

«هناك شعور واسع بأن قوانين الحرب تنهار، ومن المرجح أن يقود ذلك إلى حلقة شرِّيرة يلجأ فيها المقاتلون إلى الفظائع بشكل متزايد لتحقيق مكاسب تكتيكية أو استراتيجية»، أضاف جووان.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الضغوط غير المسبوقة على القانون الإنساني الدولي، اقترح كيسي-ماسلن أن جوهره قد يبقى صامداً.

لا تزال منظمات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تضطلع بدورٍ حيوي في ضمان استمرار الحماية للمدنيين بموجب القانون الإنساني، ما دامت هذه الهيئات نفسها محترمة ومموّلة ولا تُنظر إليها على أنها رفاهية اختيارية.

وبالمثل، يمكن للدول التي لا تزال متمسكة بفكرة القانون الدولي أن تُمارس نفوذاً على سلوك حلفائها، بحسب كيسي-ماسلن، مشيراً إلى عدد حالات الوفيات المدنية المحدود نسبياً التي نُسبت إلى أوكرانيا المجهزة غربيّاً مقارنةً بروسيا. وما هو حاسم، قال، أن نحافظ على قيمة القانون الدولي للجميع.

«عندما نفقد القانون الدولي، يخسر الجميع. الجنوب العالمي يدفع عادة بالأرواح والدماء، والغرب يفقد أي حس بالسلطة الأخلاقية. في النهاية نفقد جميعاً، وتصبح الخسارة فادحة.»

أضف تعليق