فبراير حلّ بسماواته الرمادية وأيامه القصار التي تبدو عنيدة. ذاك الحماس الذي رافق بداية العام تلاشى إلى حد كبير، وحل محله واقعُ أطول فترات الشتاء القاتمة؛ وقت غريب يشعر فيه المرء أن عطلة الأعياد مضت منذ زمن بعيد بينما الربيع لا يزال يبدو بعيد المنال. ولدى كثير من المبدعين، هذه هي اللحظة التي تُظهر فيها السنة وجهها الحقيقي بلا ستار.
في شبكتنا الخاصة “ذا ستوديو” سألنا مجتمع Creative Boom في نهاية يناير عن انطباعاتهم تجاه عام 2026 حتى الآن، وكانت الردود ثرية ومثيرة للاهتمام. هذه الرؤى ترسم صورة متدرجة لمكانة المبدعين في الوقت الراهن، وتقدّم حكمة عملية لأيّ كان يشعر بالضغط أو التشاؤم أو مجرد الإرهاق من إدارة سنة أخرى في عالم الإبداع.
سؤال التفاؤل: حقيقه أم وهم جماعي؟
ربما أعمق خيط يمر عبر الردود يتعلق بتساؤل كنا نحمله بصمت: هل الأعمال فعلًا بدأت تتحسّن، أم أننا نمني النفس ونُغذّي بعضنا على أملٍ جماعيٍّ؟ ساندرين باسوويرت (مصحِّحة صور وفنانة إبداعية) عبّرت عن هذا المزاج بدقة: «لا أعلم إن كانت الحركة تعود فعلًا أم أننا جميعًا متأثرون بقصة أن السوق يتحسّن. سأحكم بالأرقام في النهاية، لكني آمل ذلك!» بالنسبة إلى ستيو كالادين (مصمم غرافيك) فإن الأمل أكثر تأسيسًا: يرى فتحًا في سوق الوظائف الداخلية ويجبر نفسه على الخروج من منطقة الراحة بإرسال رسائل استباقية والعمل على ملفه المهني وسيرته الذاتية باستمرار.
الظل السياسي والاقتصادي
بينما يشعر البعض بتفاؤل متحفظ، يواجه آخرون قوى أكبر خارج نطاق سيطرتهم. ماثيو غالاغر (مصمم وفنان، من فلوريدا) أعطى منظورًا مقلقًا عن كيفية تأثير الاضطراب السياسي على الفرص العملية مباشرةً. ماثيو يحذر من أن الإجراءات الحكومية الأخيرة تؤثر على الشركات وثقة العملاء، لا سيما في ولاية تعتمد على السياحة الدولية، ما يترك أثرًا مدمرًا على مستويات التوظيف، وبخاصة على من في بداية مساراتهم المهنية. جوليانا سالسيدو (رسامة ومؤلفة) عبّرت أيضًا عن قلقها: على الرغم من أن 2026 تبدو مقبولة حتى الآن، إلّا أن المناخين الاقتصادي والسياسي لا يساعدان على الشعور بالأمل أو السعادة. هذه الملاحظات تذكّرنا أن العمل الإبداعي لا يعيش في فراغ؛ عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي يتساقط على ميزانيات المشاريع وثقة العملاء ومعاشنا في النهاية.
الإرهاق الذي لا يتكلم عنه أحد
أحد أكثر الموضوعات حدة في النقاش كان التعب المزمن: ليس التعب المؤقت نتيجة جهد، بل ذلك الانهاك العميق الذي يوحي بأن كثيرين يعملون منذ وقت طويل وهم يكادون يفرغون من الوقود. توري روبرتز (مصممة وسردية بصرية) وضّحت وضعًا مألوفًا: المشاريع موجودة وهي ممتنة لذلك، لكن الدافع تلاشى؛ ربما كانت مرحلة طويلة من تحفيز هرموني مفرط أدت إلى الاعتماد على التوتر كوقود، والآن بات العمل بدون ذلك غير ممكن. هذا بالضبط ما يحصل—الجسم والعقل يطالبان بالراحة بعدما عملنا في وضع بقاء دائمًا. إيفي جونيبَر-جونسون (مُوضّحة) تصف شعورها بأنها مُنهَكة لدرجة أنها قد تنام طوال العام، وتساءلت إن كان حزن مستمر هو مصدر هذا الإنهاك. مثل هذه الصراحة القاسية تستحق الاعتراف: ليست كل بداية سنة تحمل طاقة متجددة؛ أحيانًا نكافح فقط لنبقى فوق سطح الماء ونحن نحمل أعباء صحية أو خسارات أو تراكم سنوات صعبة.
تحوّل ذهني يُجدي نفعًا
وسط عدم اليقين والإرهاق، شارك بعض الأعضاء استراتيجيات عملية تساعدهم في التقدّم. بوبو تاننباوم (مُحِبّة التوضيح) تحدثت عن تحول جذري في منظورها: طوال يناير غمرها التفاؤل والامتنان، ليس بتجاهل ما يجري في العالم أو الأزمة التي يمر بها القطاع، بل بتغيير طريقة رؤيتها للأمور—من تناول المشكلات كوضعياتٍ تُعيق إلى رؤيتها كفرصٍ للنمو. هذا ليس إيجابية سامة، بل إعادة تأطير واعٍ مع الاعتراف بالواقع والتمركز على ما يمكننا التأثير فيه بدل التخشب على ما لا نملك السيطرة عليه. غريغ وايت اختار نهجًا آخر بسيطًا وعمليًا: تخلّى عن ضغوط قرارات “سنة جديدة، أنا جديد” ووضع صفر توقعات مفرطة، ما جعله يشعر بهدوء أكثر مع دخول فبراير.
احتضان البداية البطيئة
ذكر العديد أن يناير بطبيعته شهر انتقال؛ وقت لإعادة التقييم أكثر من زمن الإنتاج المكثف. قبول بطء البداية، تنظيم الأولويات، والحفاظ على روتين يسمح بالمحافظة على الطاقة بدل استنزافها كلها تكتيكات عملية تساعد على تجاوز الشهور الأولى من العام دون خسائر معنوية أو مهنية.
الخلاصة
الصورة العامة متعدّدة الطبقات: بين تفاؤل مشروط، واقعية سياسية واقتصادية تؤثر على فرص العمل، وإرهاق عميق يستوجب الرعاية، هناك أيضًا ممارسات عقلية وسلوكية عملية تقود إلى تفاوت كبير في تجارب المبدعين هذا العام. ربما لا توجد وصفة سحرية، لكن الاعتراف بالواقع، إعادة تأطير الأولويات، وحماية الصحة العقلية والمهنية تبدو خطوات حاسمة لأيّ مبدع يريد أن ينجو ويزدهر في 2026. المصمم والمدير الإبداعي بول ليون يوضح الأمر بدقة: «الأيام الأقصر والظلام وقلة ضوء الشمس تجلب عادةً معها نوعًا من التباطؤ القسري أحادي الجانب في الأنشطة المتصلة بالأعمال والمشروعات التصميمية».
ردًا على ذلك، تقول الرسامة سالي بورسر إنها تمضي مع التيار: «بعد أن تراجعت العام الماضي بسبب ظروف خارجة عن إرادتي، أتعامل هذا العام عمدًا بلا ضغوط. صفحة جديدة وببساطه الأمر يمنحني شعورًا جيدًا».
أهم الاستنتاجات
فما الذي نستخلصه من هذه التأملات الصادقة؟ أرى أن الرؤى الجوهرية هي:
– لا تُسلّم بالأمل المتفائل دون نقد. استند في قرارات عملك إلى أرقام فعلية وفرص ملموسة، لا إلى أمل جماعي غير مؤسس.
– اعترف بالوقائع السياسية والاقتصادية. هذا ليس تشاؤمًا بل واقعية؛ ضع هذه الشكوك في الحسبان عند التخطيط—فهي جزء من السياق الذي تعمل فيه.
– إذا كنت مرهقًا، اعتبر ذلك بيانات. جسدك يرسل إشارات مهمة؛ ربما كنت تعمل في وضع طوارئ لفترة طويلة وتحتاج فعلاً إلى راحة حقيقية، لا مجرد عطلة نهاية أسبوع.
– امنح نفسك إذن البدء ببطء. عام 2026 لا يدينك بالفعل أو الزخم؛ بعض السنوات تبدأ بهدوء، وهذا مقبول.
– أعد التأطير دون إنكار. يمكنك الاعتراف بالصعوبات بينما تختار أن تركز على ما يمكنك التحكم فيه والتأثير عليه.
– تجنّب القرارات الجذرية. إذا كان ضغط الأهداف الكبرى يزيد من سوء حالتك، فاسمح لنفسك بأن تحضر وتنجز عملك من دون ثقل مطلب التحول الشامل.
مع تقدمنا في عام 2026، ربما أرفع ما يمكننا فعله هو الصدق — مع أنفسنا ومع بعضنا — بشأن حالتنا الحقيقية. ليس النسخة المعدَّلة والمنسقة على إنستغرام، بل النسخة الفوضوية وغير المؤكدة والمتعبة أحيانًا التي نعيشها فعلاً. من هناك تبدأ العلاقة الحقيقية والدعم العملي.
فأنت، كيف تشعر حقًا تجاه 2026؟ مهما كان جوابك، اعلم أنّك لست وحدك في هذا.