غوما، جمهورية الكونجو الديمقراطية — في مدن شرق البلاد الغنية بالمعادن، حيث تتواجد بعض أكبر مخزونات الكوبالت والنحاس في العالم، تتجه الأنظار إلى نتائج اجتماع يُعقد على بُعد آلاف الكيلومترات.
في واشنطن العاصمة، سيستضيف وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأربعاء الاجتماع الوزاري الأول للمعادن الحيوية، بمشاركة وفود من نحو خمسين دولة من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية، لمناقشة سبل تعزيز وتنويع سلاسل إمداد المعادن الحيوية بينما تسعى الوليات المتحدة لمواجهة هيمنة الصين العالمية على هذا القطاع.
ضمن إطار ما وُصف باتفاق «الموارد مقابل الأمن» الذي جرى التوصل إليه العام الماضي، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقية تعدين مع حكومة كينشاسا لتأمين مكونات أساسية لصناعاتها التكنولوجية، وقوتها الاقتصادية، وأمنها القومي.
رئيس البلاد فيليكس تشيسيكيدي روّج للفوائد الاقتصادية للمبادرة، لكن كثيرين في مركز التعدين بالبلاد — المحاصر بين الفقر والعنف المسلح — يرون أن الآفاق لا تبشر إلا بالمزيد من القمع.
قال جرارد بوندا، طالب اقتصاد في غوما: «نحن مستغلون في استخراج المعادن. هناك مستثمرون يجعلوننا نعمل؛ أحياناً يطردوننا عن أراضينا ويجبروننا على العمل في مناجمهم لمصلحتهم الخاصة». وأضاف: «لم نعد نريد أن نُستغل بعد الآن».
بوندا، 28 عاماً، المولود بالقرب من مدينة روبايا الغنية بالمعادن، يدين ما يصفه بتصرفات شركات متعددة الجنسيات تُعمّق الفقر وتدفع بأجور زهيدة، وتستغل الأطفال، وتتسبب في تدهور بيئي يهدد حياة الناس.
ويخشى أن يؤدي جشع إدارة دونالد ترامب للمعادن الحيوية إلى تفاقم عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في مناطق عديدة من العالم. «هنا في شرق البلاد، الذين يمولون استغلال المعادن عندما يعثرون على مناجم جديدة يشترون الأرض من المجتمعات المحلية بتواطؤ مع زعمائنا ويهجرونهم، وهذا أصل انعدام الأمن»، قال بوندا.
ودعا قادة أفريقياً، وبالأخص في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى ألا يكونوا «كبش فداء» وأن يحرصوا على مستقبل ثرواتهم المعدنية النادرة.
مع وجود رواسب كبرى من الكوبالت والليثيوم الضروريين لبطاريات السيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة، تروّج السلطات الكونغولية للبلاد كحل لدعم الانتقال الطاقي.
الاهتمام الأمريكي تجلّى أيضاً بربط ضمانات أمنية مباشرة باستخراج الموارد عندما وسّطت واشنطن توقيع اتفاق سلام بين الجارتين المتنازعتين الكونغو ورواندا العام الماضي. وادّعى ترامب أنه أنقذ النزاع بين البلدين، وأنهما «طلبا منه أن يأتي ويأخذ معادنهما»، وهو تصريح يثير مخاوف المحللين من أن الثروات الطبيعية قد تُستغل كورقة نفوذ.
كوكو بورّوكو جلوار، معلق شؤون دولية كونغولي مقيم في كينيا، يشكك في أن تحصل الكونغو على مكاسب حقيقية من الاتفاق مع الولايات المتحدة. سوق المعادن الحيوية، في رأيه، يجذب طمع القوى الكبرى التي دخلت في صراع يكتسب طابعاً جيوسياسياً متصاعداً. لكنه أقر بأن المكاسب أو خسارتها ستتحدد في نهاية المطاف بإرادة القيادة المحلية: «إذا مكّننا هذا الاتفاق من الحصول على طرق تربط النقاط، ومياه نظيفة ومستشفيات، فهو اتفاق جيد»، قال مخاطباً قادة بلاده بضرورة ضمان عدم خروج البلاد خاوية الوفاض.
وقبل وصول ترامب إلى السلطة، زار الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن المنطقة لمناقشة مشروع سكة حديد ممر لوبيتو، الذي يربط مقاطعات التعدين الكونغولية بأنغولا وميناء على المحيط الأطلسي يشكل منفذاً مهماً لصادرات المعادن إلى الأسواق العالمية.
تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته منظمة غلوبال ويتنس كشف أن ما يصل إلى 6500 شخص قد يتأثرون بإزاحتهم نتيجة تطوير ممر لوبيتو في البلاد. وأجرت المنظمة مقابلات مع مجموعات اجتماعية في كولوِزي وزارت مسارات السكة التي ستسحب أثناء إعادة التأهيل، وتبيّن لها أن الخط يشق مجتمعات هشة لم تستفد كثيراً من طفرة التعدين، وأن الوضع القانوني للمنازل والمباني على امتداد الخط محل نزاع، وكذلك مساحات الإزالة المطلوبة.
وترى غلوبال ويتنس أن مشروع لوبيتو سيكون بمثابة اختبار حقيقي للشركاء الغربيين الذين يزعمون أن هذا النموذج سيكون أكثر عدالة في استغلال الموارد.
—
المجتمعات المحلية المتأثرة سلباً
غنتيل مولومي، ناشط في غوما يبلغ من العمر 35 عاماً يعمل في قضايا الشفافية والح good governance، يؤكد أن اجتماع واشنطن ليس مأدبة عشاء بل اختبار للجدية، لا سيما فيما يتعلق بالالتزام بالمعايير البيئية، والشفافية في حوكمة التعدين، ومسار التصنيع المحلي.
يعتقد مولومي أن أهمية اتفاق تعدين بين الكونغو والولايات المتحدة لا يمكن تقييمها فقط من منظورها الجيوسياسي أو الاقتصادي الدولي. «نوعية هذه الاتفاقيات قد تستمر في ترسيخ شراكات غير متوازنة هيكلياً، تبقى فيها الكونغو مجرد مورد خام استراتيجي لمصلحة القوى الغربية»، يحذر.
أما جون كاتيكومو، ناشط بيئي كونغولي، فيقول إن أسس شراكة عادلة بين البلدين بدأت متعثرة لأن الاتفاق «شبه غامض» والسلطات في كينشاسا لم تفصح عن تفاصيله للمواطنين. «الكثير من الناس مضللون، وهناك توزيع سيّئ للموارد المتعلقة بهذه المعادن الحيوية»، انتهى كلامه. تساءل: «هل سيستفيد السكان من هذا؟»
كودا مانجونجو، مستشار الانتقال العادل لدى باورشفت أفريقيا، يرى أن القارة الإفريقية تملك حصّة غير متناسبة من المعادن الحيوية الضرورية لانتقال الطاقة، لكنها تبقى مهمّشة في سلاسل القيمة العالمية. هذا التفاوت، كما قال، يعكس نموذج استغلال غير عادل يعيق التنمية المحلية، ودعا إلى إعادة توازن العلاقات من خلال حوكمة أكثر عدلاً، واستثمار محلي في تكرير وتحويل المعادن، وتمثيل أفريقي أقوى في القرارات الاستراتيجية المتعلقة بهذه الموارد.
دانيال موكامبا، من سكان غوما، اتهم عدداً من الشركات متعددة الجنسيات بالسعي لإبقاء دولٍ غنية بالموارد محاصَرة بلعنة الموارد، التي تتحول برأيه إلى «سرطان» يصعب علاجه. وأضاف أن أمثلة مثل واليكالي وروبايا تظهر مدناً تُنتج كميات كبيرة من المعادن مثل الكولتان والذهب والكاسيتيرايت والتورملاين، لكن سكانها يظلون في فقر مدقع.
هاتان المدينتان الشرقيتان الغنيتان بالموارد تخضعان الآن لسيطرة حركة إم23 المدعومة من رواندا، التي سيطرت على مساحات واسعة من شرق البلاد العام الماضي. وتفيد تقرير يناير الصادر عن «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود» بأن سلاسل إمداد الذهب غير الشفافة في إقليم جنوب كيفو تستمر في الارتباط بالصراع وانتهاكات حقوق الإنسان والأضرار البيئية.
صورة: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي خلال حفل توقيع في معهد الولايات المتحدة للسلام بواشنطن، 4 ديسمبر 2025 [كيفن لامارك/رويترز]
الحرب تعني استغلالاً غير قانوني للموارد
رغم اتفاقية السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين الكونغو ورواندا، واتفاقية منفصلة توسطت فيها قطر بين الكونغو وحلفاء حركة إم23، تستمر الاشتباكات في شرق البلاد وتقترب من مناطق غنية بالمعادن الحيوية. في ديسمبر، استولى إم23 على مدينة أوفيرا، على بُعد نحو 300 كم من إقليم تانغانيكا الغني بالليثيوم. ورغم أن القوات انسحبت لاحقاً، فقد أفاد مراقبون بوقوع مواجهات بالقرب من إقليم تانغانيكا.
هناك مخاوف متزايدة من أن أي تصعيد في الصراع قد يؤدي إلى استغلال غير منسق للموارد المعدنية، وتدعو أصوات عدة إلى حل سريع للنزاع. يقول شيراك عيسى، ناشط بيئي مقيم في إقليم تانغانيكا: «عندما تكون هناك حرب، يحدث استغلال غير قانوني لمواردنا. لا يوجد قرار حكومي ينظم عمل المنقبين. ومن الناحية البيئية نخشى أن يسهم التعدين الخارج عن السيطرة في التلوث وتعريض النظم البيئية للخطر».
بعد التوصل أولاً إلى صفقة «الموارد مقابل الأمن» بوساطة الولايات المتحدة في يونيو، بدا الرئيس تشيسيكيدي متفائلاً، قائلاً إن الاتفاق يهدف إلى «ترقية معادننا الإستراتيجية، ولا سيما النحاس والكوبالت والليثيوم، بطريقة سيادية»، مع «ضمان توزيع أكثر إنصافاً للفوائد الاقتصادية للشعب الكونغولي». وأضاف أنها ستمهّد الطريق للتحويل المحلي وخلق آلاف الوظائف ونموذج اقتصادي جديد قائم على السيادة والقيمة المضافة الوطنية.
إلا أن كورنيي نانغا، زعيم تحالف «نهر الكونغو» المرتبط بإم23 والذي يدير اليوم عواصم ولايتي كيفو الشمالية والجنوبية، وصف الشراكة التعدينية بين الكونغو والولايات المتحدة بأنها «معيبة بعمق وغير دستورية». واعتبر أن الخطة تعاني من غياب الشفافية، وانتقد «غياب الوضوح المحيط بالمفاوضات»، وندد في مؤتمر صحفي بعملية «بيع» الموارد الطبيعية للبلاد.
وقال تشيسيكيدي العام الماضي: «موارد جمهورية الكونغو الديمقراطية لن تُباع أبداً ولا تُسلم إلى مصالح غامضة»، وأن البلاد «لن تبيع مستقبلها ولا كرامتها». وأكد أن موارد الكونغو «ستعود بالنفع على الشعب الكونغولي قبل كل شيء».
غير أن سكان غوما الذين يراقبون هذا الأسبوع مسؤولين أجانب ببدلات رسمية يناقشون خطط مواردهم في محفل يبعد آلاف الكيلومترات، يرون أن المستقبل ليس آمناً بالقدر الذي يعتقده رئيسهم.