على مرأى العيان إيزاك كوردال يصنع عوالم مصغّرة تعكس عالمنا

«هذه مشكلة بالغة»، هكذا يقول.

تجسّد تماثيله الصغيرة رجالَ الأعمال على نحو صارخ: غالبًا ما يظهرون بلا ضجيج، منفردين أو في مجموعات صغيرة، وجوههم نقشت عليها ضغوط الرتابة اليومية. يتبعون رؤسائهم في الشركات بلا تأنٍ إلى حفر الماء والبرك الممطرة، ويراسلون بضراوة بينما تنجرف أفواج اللاجئين على جوانب القنوات؛ يتمسّكون بهواتفهم حتى لو غرقت الزوارق، ويواجهون البحار الآخذة في الارتفاع بحلقات نجاة لا تؤدي غرضها؛ يظلّون على الخطّ المرسوم حتى عندما يكون ظلًا أو صدعًا؛ ويسيرون على نحو آلي إلى مصارف العواصف التي تبدو كأبواب مصانع مفتوحة.

«يجب أن يتجه التقدّم نحو بناء مجتمعات عادلة»، يواصل كورْدال. «نستطيع أن نكتشف وجود ماء على المريخ، لكنّنا لا نستطيع حلّ مشكلات إمداد المياه على الارض. ننتج فائضًا من الغذاء ومع ذلك هناك ملايين يعانون الجوع. نصنّع أسلحة جيلٍ سابق وما زلنا نتساءل لماذا تحدث الحروب.»

ورغم ما قد يبدوان عليه من عمى تجاه التناقضات، فإن هؤلاء رجال الأعمال الصغار ليسوا دائمًا أشرارًا. فالخطوط على وجوههم، انحناءة الأكتاف، وتهدّلات الخدود تكشف أن كثيرين منهم يؤدّون «وظائف الرزق» تحت ضغطٍ قاسٍ—مزيج من الإكراه والخوف والاضطرار. ليس نادراً أن تجد هؤلاء المتعبين يفكّرون في قفزةٍ قاتلة من على سلكٍ للخدمات أو يحدّقون في قبرٍ صغير مغطّى بالحصى داخل شقّ في الإسفلت.

«والتقدّم يذهب ضائعًا داخل مراكز التسوّق الضخمة التي تحيط بنا»، يقول كورْدال، «المحتلة بسيارات فاخرة… بشاشات بلازما، وبالجيل الجديد من الهواتف المحمولة.»

في معرض Urban Inertia في مونتريال، نجد أحد الرجال المسكين محبوسًا حرفيًا في فخ فأرٍ طُعِم بحقيبة أعمال. إلى جواره، يجلس زملاؤه في صفوف مرتّبة داخل أدراج خزّان ملفات قديم يتلقّون غرسًا فكريًا من مقدم عروضٍ رماديّ اللون.

يقرأ  لوحة نُهبت من قِبَلِ النازيين تُرصد في الأرجنتين ثم تختفي — روابط الصباح

«بقي هناك تحت الثلج لعدة أيام. كان من الصعب أن نفهم كيف تحدث مثل هذه الأشياء في ما يُسمّى العالم الأول.»

نعتقد أن كافكا سيكون فخورًا، ثم ربما يشعر بالحرج من العرض العلني. هناك صندوق أدوات مصفح بالصدأ تحوي علماء صغار ينظرون داخل جمجمة رجل، وآخر يحوي رجال أعمال يُدفنون أحياءً بينما ينتظرون التعليمات. الخوف، يقترح كورْدال، شكلٌ قوي من أشكال الضبط الاجتماعي: من الأفضل أن لا تفعل شيئًا من أن تخاطر بالإحراج أو بالربح.

سلسلة Unfinished People، التي وضعها كورْدال في شوارع نيويورك الشتاء الماضي، كشفت الشقوق الزلزالية في ذلك النظام. استُلهمت الفكرة من زيارته الأولى للمدينة، حين رأى رجلًا بلا مأوى مغطّى بالثلج.

«تفاجأت كثيرًا بقدر التشرد الذي رأيته،» يتذكر كورْدال. «لكنّي أتذكّر بشكل خاص ذلك الشخص الميّت البرد المتكئ على درابزين وبطانية تغطّي جسده… بقي هناك تحت الثلج لعدة أيام. كان من الصعب فهم كيف تحدث مثل هذه الأمور في ما يُدعى بالعالم الأول. لقد وصلنا إلى ذروة من القسوة وعدم الحساسية.»

ليشهد على الفجوة المتسعة بين الغني والفقير، أعاد كورْدال خلق مشاهد مصغّرة مألوفة وتركها حيث يراها الناس: امرأة ملفوفة على مرتبة قديمة بعيون حزينة تحضن طفلها على رُكبَتها؛ رجل مُسنّ ملتحٍ وغطاء يكسو رأسه؛ فتى شارع جديد بقبعة صوفية وكلبه وكتاب، محتشدًا ضد البرد. كما دخل تجارُه الميتون في هذه السلسلة: واحد ملفوف ببطانية حمراء رقيقة سقط قرب سكك الحديد في بروكلين؛ آخر استعان بدفء فتحة مترو؛ سمسارٌ ثقيلُ الوجنات جَرَّ نفسه من نهر هدسون بينما كان آخر يفكّر في القفز؛ وأجساد صغيرة تترنّح في بركة قرب ركتور ستريت، وآخر استلقى وجهًا على الرصيف تحت مزرابٍ طردَه نهائيًا.

يقرأ  حكم بالسجن المؤبد على قاتل رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي

«هؤلاء هم الناس الذين لا يندمجون في النظام،» يقول كورْدال، «أشخاص لا يستطيعون التكيّف مع نوع من المجتمع حيث لا قيمة للإنسان إلا إذا كان منتجًا.»

المارّون المحظوظون الذين لاحظوا توقفوا لالتقاط صور لـ Unfinished People بهواتفهم المحمولة. بالطبع فعلوا ذلك. الأعمال محزنة وصادقة. وآمنة. يمكن للمرء أن يطلّ على وجوه كورْدال الصغيرة ويشعر بالاعتراف، بل بالألم، من دون مخاطرة حقيقية بالاتصال.

قد يلتقط المعجبون هذه التماثيل ويأخذونها معهم إلى بيوتهم—فهي في نهاية المطاف بحجم الجيب. لكنّ الأمل أن العمل لم يختفِ قبل أن يُفهم مقصد كورْدال. نأمل أن يلاحظ ألف شخص ذاك التاجر النحيل على ركبتيه أمام فطر حضري كبير—سَدادة بلاستيكية حمراء زاهية ترتفع على ساق أنبوب متأكسد صغير. ونأمل أن يفهموا وجهَ العذاب الذي يأتي مع فقدان أشياء لا تُعوّض.

أضف تعليق