ترامب يبني نظامًا عالميًا جديدًا: حكمة وراء «جنونه»

حضور ترامب في منتدى دافوس الاقتصادي الأخير لم يكن سوى عرض قوة واحد: تذكير الأغنياء والنافذين بمن هو السيد هنا. كما صرح وزير التجارة الأمريكي في المنتجع السويسري: «مع الرئيس ترامب، لدى الرأسمالية شريف جديد في المدينة».

في الأسابيع التي سبقت القمة صعّد ترامب تهديداته بشأن غرينلاند، فأدركت القيادات الغربية أخيراً أنّ خلف ضجيجه قد يكمن إصرار حقيقي على هزِّ عالمهم. إذا جمَعنا هذا مع غزوه لفتنة فنزويلا وحروبه الجمركية المستمرة، فإن أفعال رئيس الولايات المتحدة ترسم نموذجاً ناشئاً للرأسمالية يقوم بدرجة أقل على قواعد السوق وبدرجة أكثر على الإكراه المباشر للدولة والمنافسة الجيوسياسية.

لقد عبّر رئيس وزراء كندا مارك كارني ببلاغة عندما وصف حالة النظام الدولي بأنها «انقطاع وليس انتقال». نظام القواعد الدولية، بحسب كارني، مشحون بالنفاق ومعايير مزدوجة، لكنه رغم ذلك قدمنّا نوعاً من الاستقرار لبلدان مثل كندا؛ اليوم «هذا الاتفاق لم يعد مجدياً».

كارني محق. ترامب يقود محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي، وهذا يعني تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية نفسها.

عقود من الزمان عشنا فيها تحت مظلة رأسمالية نيوليبرالية. نظرياً كانت مبنية على حكم السوق الحر؛ عملياً كانت نظاماً شديد الاحتكار، حيث تتخذ مجموعة متزايدة التركيز من رؤساء الأعمال والمستثمرين الأثرياء القرارات الكبرى حول سبل عيشنا. هذا النظام أنتج مستويات غير مسبوقة من التفاوت والتدمير البيئي، وقوض الديمقراطية حتى باتت بالكاد تعمل.

لم تكن هذه المرة الأولى. في أواخر القرن التاسع عشر خلقت «السوق الحرة» العولمية اختلالات هائلة، سيطر فيها عدد محدود من أرباب الصناعات والممولين (سادة النهب). ومع تعاون تلك الإمبراطوريات التجارية مع الدول القومية لتوسيع أسواقها عالميًا أصبحت الحرب أمراً محتوماً.

في بعض الدول صعدت أنظمة فاشية أطاحت بالمعارضة الديمقراطية لصالح عمالقة الأعمال، ودمجتهم في مشروع قومي عدواني استُخدمت فيه قوة الدولة لتعظيم أرباح الشركات وضم هذه الربحية إلى مشروع سيطرة عالمية. الفاشية كانت في كثير من النواحي أقصى تجسيد لسلطة الاحتكار: إذ دمجت قوة الدولة مع احتكارات الشركات، وحشدت الصناعة من أجل التوسع القومي وقمعت الرقابة الاقتصادية الديمقراطية.

يقرأ  تواجد أمني مكثف في سيدني خلال احتفالات رأس السنة عقب هجوم بوندي

ترامب يمثل شيئاً مماثلاً. سيستخدم الحرب الاقتصادية أو العسكرية لتحقيق مبتغاه، وهو صريح في استغلال قوة الدولة لإثراء أكبر الشركات في التاريخ عبر زيادة الإعانات والحماية العامة إلى مستويات غير مسبوقة.

غير أن ترامب ليس خاضعاً تماماً لزعماء الأعمال؛ بل يريد إعادة تشكيل طريقة عملهم. كثيراً ما يصطدم بمسؤولي الشركات «المتساهلين سياسياً» ويضغط عليهم ليلتحقوا بمشروعه السياسي، كما فعل زعماء فاشيون قبل قرن.

من هنا يأتي اهتمامه بالتدخل في دول تبدو لدوائر الأعمال تصرفاته فيها محيرة. قال إن غزوه لفنزويلا كان من أجل النفط، ومع ذلك تبدي شركات النفط تردداً في ضخ استثمارات كبيرة. وذكر سفيره لدى الأمم المتحدة أن الاهتمام بغرينلاند يتعلق بالسيطرة على المعادن الحيوية اللازمة للصناعات العسكرية والتقنية المتقدمة. لكن استخلاص هذه الموارد يبدو مهمة تفوق رغبة كثير من الشركات.

يجادل البعض بأن هدف ترامب مجرد إغناء المضاربين المحيطين به، وما في ذلك من صدق—انظروا إلى صناديق التحوط التي ربح أصحابها أثناء تهديداته بالتدخل في فنزويلا. لكن ثمة منطق أعمق: يرى ترامب العالم كحلبة صراع قوى كبرى، حيث الصين هي الخصم الرئيس لأمريكا، وعلى أوروبا أن تعرف مكانها. للحفاظ على التفوق الأمريكي، يصبح التحكم بالموارد أمراً حيوياً، حتى تلك المدفونة عميقاً في الأرض، لا سيما لأن خصماً آخر قد يغتنمها.

خطة ترامب — وإن كانت عرضة للتغيير وتنفّذ بأسلوب فوضوي ومتضارب أحياناً — تسعى إلى عالم تُستبدل فيه قواعد القانون الدولي بقواعد «قانون البلطجي». وهذه استجابة لديناميات غير مستدامة في الاقتصاد العالمي. وبما أنها رد فعل هيكلِي، فمن المحتمل أن تبقى بعد ترامب؛ لذا لا يمكننا الانتظار لحدث انتخابي لينقذنا. إذا أردنا هزيمة سياسة ترامب، علينا مواجهته الآن.

يقرأ  ترامب يسعى لتنفيذ سياسة جوازات السفر بشأن المتحولين جنسياً وغير الثنائيين

كارني اقترح في دافوس تحالفاً جديداً من «القوى المتوسطة» يقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، وهو اقتراح مهم بلا شك لكنه جزء من الحل فقط. فرؤيته لهذا التحالف تتركز على توقيع مزيد من الاتفاقيات التجارية التحررية، أي استبدال شكل من العولمة بشكل آخر مشابه.

لقد حان الوقت ليتعلم قادة الغرب أنه لا يمكن مواجهة اقتصاديات شبيهة بالفاشية بالنيوليبرالية نفسها. نحتاج إلى اقتصاد ديمقراطي حقيقي: أنظمة تُقدّم الاستثمار العام والمساءلة الديمقراطية والسيادة الاقتصادية على تركّز الشركات والمالية المضاربة. وهذا ممكن؛ فبالرد على سياسات ترامب والانفصال عن التبعية الأمريكية يمكن للدول أن تبدأ في إعادة كتابة قواعد اقتصادها.

ولا ينبغي أن يقتصر الرد على سباق رسوم جمركية متصاعد. الحد من وصول الشركات الأمريكية إلى عقود المشتريات العامة، ورفض التعاون في قواعد الملكية الفكرية، وتنظيم القطاعين المالي والتقني سيؤذي أصدقاء ترامب وفي الوقت نفسه يساعد دولنا على تطوير سياسات اقتصادية سيادية تُعلي مصلحة المواطنين العاديين. وبشكل لافت، طُرحت سياسات من هذا النوع صراحة في نقاشات «بازوكة التجارة» الأوروبية التي هُدِّدت بسبب غرينلاند.

هذا يمكن أن يكون بداية لشيء مختلف حقاً. صعود ترامب مخيف، لكنه يقدّم أيضاً فرصة—كان ينبغي اقتناصها منذ زمن—للتحول إلى اقتصاد أكثر ديمقراطية، لوقف التزايد في عدم المساواة، ولإصلاح بيئتنا. سياسات ترامب ليست شذوذاً بل عرض لعمق إخفاقات النظام الاقتصادي العالمي، وهذا المسار هو الطريق الوحيد لدرء الفاشية، لأن الأنظمة الاقتصادية التي تركز السلطة والثروة تهيئ أرضاً خصبة للسلطة الاستبدادية.

الآراء المعبر عنها هنا تعكس رأي الكاتب وليست بالضرورة سياسة التحرير في الجزيرة.

أضف تعليق